التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتوى في استخدام الذكاء الاصطناعي في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره.

 

فتوى

في استخدام الذكاء الاصطناعي في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره.

السلام وعليكم.

حمود الوسمي من الجريدة عندنا سؤال: «هل يُسمح شرعاً باستخدام الذكاء الاصطناعي في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره، وإذا كان ممنوعاً فما الحكمة التفصيلية من المنع، خصوصاً في حالات الاستدلال أو الاستفادة العامة؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

إن التفسير القرآن الكريم يتطلب شروطاً في المفسر، منها: 

1- صحة الاعتقاد. 

2- التجرد عن الهوى. 

3- أن يبدأ أولا بتفسير القرآن بالقرآن. 

4- ثم يطلب التفسير من السنة فإنها شارحة للقرآن موضحة له. 

5- فإذا لم يجد التفسير من السنة رجع إلى أقوال الصحابة. 

6- فإذا لم يجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين. 

7- العلم باللغة العربية وفروعها. 

8- العلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن، كعلم القراءات، وعلم التوحيد، وعلم الأصول، وأصول التفسير، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك.

9- دقة الفهم التي تمكن المفسر من ترجيح معنى على آخر، أو استنباط معنى يتفق مع نصوص الشريعة.

وعلى هذا فمن أختل فيه شرط من الشروط فلا يجوز أن يقدم إلى تفسير القرآن وتبيين معانيه؛ لأنه معرض للعقاب من الله تعالى فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اتَّقوا الحديثَ عنِّي إلَّا ما علِمتُمْ فمَن كذبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتَبوَّأْ مَقعدَهُ مِن النَّارِ ، ومَن قال في القرآنِ برأيِّهِ ، فليتَبوَّأْ مَقعدَهُ مِن النَّارِ". [ أخرجه الترمذي (2951) واللفظ له، وأحمد (2976)، حديث حسن]

وأما استخدام الذكاء الاصطناعي في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره فلا بد أولاً أن نعرف ما هو وكيف يتم استعماله حتى نعرف الحكم. فالذكاء الاصطناعي، هو: " تقنية حديثة تقوم على برامج وآلات تُحاكي الذكاء   البشري، ويحقق كثيرًا من المصالح ولا يخلو من مفاسد". هكذا عرفه المجمع الفقهي الإسلامي.

والآلية التقنية التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي في معالجة وتفسير النصوص القرآنية ما يلي:

​1. معالجة اللغة الطبيعية (NLP): حيث يتم تحويل كلمات القرآن الكريم إلى "متجهات عددية"، تتيح فهم العلاقات الدلالية بين الكلمات. على سبيل المثال، يدرك النظام أن كلمة "الصلاة" ترتبط تقنياً بكلمات مثل "الزكاة" أو "الخشوع" بناءً على تكرار ورودها في سياقات مشابهة داخل قواعد البيانات.

​2. التعلّم العميق والترابط السياقي Transformers) ): تسمح للنموذج بالنظر إلى الآية كاملة أو حتى السورة لتحديد المعنى الأدق للكلمة بناءً على ما قبلها وما بعدها، مما يساعد في فرز الآيات حسب الموضوع (عقيدة، أحكام، قصص) كما في "التفسير الموضوعي". والعثور على آيات تتحدث عن "الصدق" مثلاً حتى لو لم تُذكر الكلمة صراحة، عبر فهم المفاهيم المرتبطة.

​3. توليد النصوص المستند إلى الاسترجاع (RAG): يقوم بـ: ​استرجاع فقرات من أمهات التفاسير المعتمدة (كالطبري، أو القرطبي أو ابن كثير) الموجودة في قاعدة بياناته.

​ثم تلخيص وصياغة هذه المعلومات لتقديم إجابة متسقة للمستخدم.

ويظهر الفرق بين المفسر والبحث في الذكاء الاصطناعي فيما يلي:

١ - من حيث المنطلق والمعالجة.

​يعتمد المفسر على "الفهم والاستنباط"؛ فهو يستحضر السياق، وأسباب النزول، ومقاصد الشريعة الكلية، وغيرها من الشروط المتقدمة.

أما الذكاء الاصطناعي، فينطلق من "الإحصاء والاحتمالات"؛ فهو لا "يفهم" المعنى، بل يتوقع الكلمة التالية بناءً على تكرار ورودها في ملايين النصوص السابقة، مما يجعل عمله "محاكاة للتفسير" وليس تفسيراً حقيقياً.

٢ - من حيث الأدوات والمنهج.

​يستخدم المفسر "علوم الآلة" (كالنحو، والصرف، والبلاغة، وأصول الفقه) لاستخراج الأحكام واللطائف، مع مراعاة دقيقة للفروق الدلالية بين الألفاظ المتشابهة.

أما الذكاء الاصطناعي فإنه يستخدم "خوارزميات معالجة اللغات الطبيعية" التي تحول الكلمات إلى أرقام ومتجهات رياضية، مما يجعله بارعاً في "التصنيف والبحث الموضوعي" وسريعاً في "استرجاع المعلومات"، لكنه يظل قاصراً عن إدراك "أسرار النظم القرآني" التي برع فيها علماء.

​٣ - من حيث المرجعية والنتائج.

​مرجعية المفسر هي القرآن والسنة وفهم السلف، وهو يتحمل أمانة التبليغ، ويحكمه الورع والتقوى، لذا تجده يتوقف عند المتشابه ويقول "الله أعلم".

أما الذكاء الاصطناعي، فمرجعيته هي "بيانات التدريب"؛ فإذا كانت البيانات مشوبة بآراء شاذة أو ضعيفة، فقد يوردها كحقائق، كما أنه يفتقر لصفة "الورع"، فقد يقتحم مجالات التأويل والاجتهاد دون أهلية، مما قد يؤدي إلى نتائج مضللة تفتقر للسند العلمي.

​٤ - من حيث الدور والوظيفة.

​يبقى المفسر هو "الأصل والمستنبط"؛ هو الذي يقرر ويفتي ويستخرج درر المعاني.

بينما يظل الذكاء الاصطناعي "خادماً ومساعداً"؛ وظيفته تسهيل الوصول للمراجع، تلخيص الأقوال المطولة، والمساعدة في الفهرسة الموضوعية. هو "فهرس ذكي" شديد السرعة، لكنه لا يمكن أن يكون "إماماً" في التفسير.

وعلى هذا فقد تبرز عدة محاذير للذكاء الاصطناعي عند التعامل مع النص القرآني وتفسيره، وهي فيما يلي:

1 - القصور في فهم "المقاصد الشرعية": فإن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى إدراك مقاصد الشريعة، وبالتالي قد يربط بين آيات وأحكام بناءً على تشابه اللفظ دون إدراك الغاية الأصولية من الحكم، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج لا تستقيم مع روح التشريع.

2 - إشكالية "الهلوسة الرقمية" (AI Hallucination): حيث قد يقوم النموذج بتوليد إجابات تبدو واثقة ومنطقية لغوياً، لكنها مختلقة تماماً، وقد ينسب قولاً لابن كثير وهو للقرطبي، أو الأسوأ من ذلك، قد يخترع أية قرآنية، أو تفسيراً لم يقل به أحد من السلف، وذلك بسبب طبيعته القائمة على التنبؤ بالكلمة التالية في الجملة.

٣ - خلط المراجع والمدارس التفسيرية: عندما يسأل المستخدم سؤالاً عاماً، قد يجمع الذكاء الاصطناعي في إجابة واحدة بين آراء صحيحه وباطله دون تبيان الصحيح منها.

٤ - غياب "الأهلية" و"الورع": فإن الذكاء لا يملك حساً أخلاقياً ولا يخشى الخطأ في دين الله، مما يجعل الاعتماد الكلي عليه في استنباط الأحكام أمراً محفوفاً بالمخاطر الشرعية.

٥ - التحيز في بيانات التدريب: قد يكون منحازة لتوجه فكري معين أو يحتوي على تفاسير ضعيفة أو شاذة، وعليه فإن مخرجاته ستعكس هذا الانحياز، مما قد يروج لمفاهيم مغلوطة تحت غطاء "الذكاء الاصطناعي".

وبعد هذه التفاصيل فإن حكم استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم معاني القرآن الكريم وتفسيره، له حالان:

الحالة اﻷولى: من لا يعرف تفسير القرآن، وليس له القدرة إلى الرجوع إلى التفاسير وتأكد من المعلومات منها، أو سؤال العلماء ليعرف الصحيح من غيره، فيكون استخدام الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن وفهم معانيه بالنسبة إليه حرام ولا يجوز.

والحالة الثانية: إذا كان قادر لمعرفة معاني القرآن وتفسيره بالرجوع إلى كتب التفاسير، أو عنده أهلية تمكنه من معرفة معاني القرآن، وتمنعه من الانزلاق وراء هذه المحاذير، فيجوز له أن يستخدم الذكاء الاصطناعي؛ ﻷنه أداة للبحث والترتيب والتلخيص، فهو أداة مساعدة للباحثين، لا بديلاً عنهم، كما أكد ذلك المجامع الفقهية.

 

كتبها:

عبد الله أحمد الحريتي

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...