التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح لقصيدة علي بن الجهم: "هي النفس ما حملتها تتحمل"

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم 

​ترتبط هذه القصيدة بواحدة من أبرز المحن التاريخية والأدبية في العصر العباسي الثاني، والتي تمثل تجربة الحبس والابتلاء للشاعر أبي الحسن علي بن الجهم بن بدر السامي القرشي. 

كان علي بن الجهم مقرباً من الخليفة العباسي جعفر المتوكل على الله، وكان ذا مكانة رفيعة في بلاطه وحظوة كبرى لديه لما يتميز به من رقة الشعر وحسن المنادمة. 

غير أن البيئة في بغداد وسامراء في ذلك العصر كانت تموج بالمصانعات والدسائس، سيما مع الصراع المحتدم بين فئات المتكلمين وأصحاب الحديث والمقربين من السلطة.​وقد أسفرت هذه الخلافات عن غضب الخليفة المتوكل على الشاعر بسعي من أعدائه وخصومه، كطاهر بن الحسين ومروان بن أبي الجنوب والمتكلمين المعتزلة الذين طالهم هجاء الشاعر. أدى هذا الغضب إلى سجن علي بن الجهم وتقييده، بل ونفيه لاحقاً إلى خراسان. وفي أثناء فترة حبسه وضيقه، وجد الشاعر نفسه أمام اختبار حقيقي لمروءته وعزة نفسه، فلم يتضعضع أو ينهدم كبرياؤه، بل عمد إلى القلم ليعبر عن فلسفته الصلبة في الحياة الصابرة.

​أنشأ علي بن الجهم هذه المقطوعة البليغة ضمن قصيدة طويلة تبلغ ستة وعشرين بيتاً مدرجة في ديوانه، وافتتحها بهذه الأبيات الستة من الحكم والأمثال الجارية، التي وصفها الثعالبي في كتابه أحاسن المحاسن بأنها: " من أحسن ما يتمثل به من شعره". 

يهدف الشاعر في قصيدته إلى تقديم رؤيته حول تقلب أحوال الدهر، واستعطاف الخليفة المتوكل بطريقة غير مباشرة عبر التذكير بالتفضل والعدل، مع إظهار التجلد الشديد والترفع عن الشكوى الضعيفة. تُعد هذه الأبيات الستة المطلع الاستهلالي والأخلاقي للقصيدة العصماء، والتي استهلها بالحكمة والعفة قبل أن ينتقل في بقية القصيدة إلى مدح المتوكل والتذكير بأياديه وحسن سياسته.


​البيت الأول

​هِيَ النَفسُ ما حَمَّلتَها تَتَحَمَّلُ ... وَلِلدَّهرِ أَيّامٌ تَجورُ وَتَعدِلُ

أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • النَّفْسُ: الذات الإنسانية والقدرة المعنوية للشاعر على التكيف والصمود أمام المحن.
  • حَمَّلتَها: كَلَّفتَها وألزمتَها بالمهام والشدائد والمشاق.
  • تَجُورُ: تظلم وتشتد وتخرج عن القصد، من الجَوْر وهو الميل عن الحق والعدل.
  • تَعْدِلُ: تُنصف وتخفف وتلائم، وهي المقابل الضدي للجَوْر.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​يقرر الشاعر في المطلع قاعدة مفادها: أن النفس البشرية ذات مرونة وتكيف عاليين، فهي تذعن لما يروضها عليه صاحبها؛ فإن عودها المرء على التجلد والصمود تروضت وتدرعت بالصبر وتحملت ثقل الشدائد، وإن عودها على الجزع انهارت مع أدنى عارض. 

ثم يعلل الشاعر ضرورة التسلح بهذا التروض النفسي بالإشارة إلى طبيعة الزمان، فهو غير ثابت على حال واحدة، بل يتقلب دوماً بين الشدة والرخاء، والظلم والعدل، مما يفرض على الإنسان عقلانية في التعامل مع صروف الأيام.

ثالثاً: الصور الشعرية والبلاغية:

​تتجلى في البيت صورة الاستعارة المكنية في قوله "هي النفس ما حملتها تتحمل"، حيث شبه النفس الإنسانية بالدابة أو الكائن القوي الذي يطيق تحميل الأثقال وحمل الأعباء، وحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه وهو التحميل والتحمل، وسر جمالها إبراز الطاقة المعنوية للنفس في قالب مادي ملموس. 

كما تظهر استعارة مكنية أخرى في تشخيص الدهر في قوله "وللدهر أيام تجور وتعدل"، إذ شبه الدهر بحاكم أو قاضٍ ذي إرادة يمارس الجور تارة والعدل تارة أخرى. 

ويتحقق المحسن البديعي عبر طباق الإيجاب بين الفعلين "تجور" و"تعدل"، وهو تضاد يبرز تقلبات الزمان، ويؤكد حتمية تغير الظروف وعدم دوام الشدة.

البيت الثاني

​وَعاقِبَةُ الصَبرِ الجَميلِ جَميلَةٌ ... وَأَفضَلُ أَخلاقِ الرِجالِ التَفَضُّلُ

 

​أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • عَاقِبَةُ: خاتمة الأمر والمصير النهائي المترتب على السلوك.
  • الصَّبْرِ الجَمِيلِ: الصبر الذي لا شكوى فيه للمخلوق، والترفع عن الجزع والسخط.
  • التَّفَضُّلُ: التكرم، والتسامي عن الزلات، وبذل الإحسان، ومقابلة الإساءة بالإغضاء والصفح.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​يسترسل الشاعر في إيضاح منافع التمسك بالسلوك الأخلاقي القويم، مؤكداً أن الصبر الخالص النقي الذي لا يشوبه تذمر ولا شكوى، لا بد أن تكون نهايته ومآله محمودين ومكللين بالفرج والرفعة؛ فالجزاء من جنس العمل. 

ثم ينتقل الشاعر في الشطر الثاني ليرسي خُلُقاً إسلامياً وأدبياً سامياً، وهو أن خير ما يتحلى به الكرام وأفاضل الرجال ليس مجرد العدل والمكافأة، بل التفضل الذي يعني التجاوز، والصفح، وإسداء النفع دون انتظار مقابل، وهو التعريض اللطيف الذي يوجهه للخليفة المتوكل ليعامله بالتفضل والعفو.

ثالثاً: الصور الشعرية والبلاغية:

​ينطوي البيت على جناس اشتقاقي وتجنيس مطلق بين لفظتي "الجميل" و"جميلة"، وهو توافق لفظي يعطي نغماً حَسَناً، ويقرر تلازماً منطقياً وبلاغياً بين مقدمة الفعل (الصبر الجميل) ونتيجته المحتومة (العاقبة الجميلة). 

كما يجري الشطر الثاني "وأفضل أخلاق الرجال التفضل" مجرى الحكمة والأمثال السائرة عبر أسلوب التذييل البلاغي، حيث أتى الشاعر بجمـلة تامة تؤكد معنى الشطر الأول وتستقل عنه لتكون قاعدة أخلاقية عامة.

​البيت الثالث

​وَلا عارَ أَن زالَت عَن الحُرِّ نِعمَةٌ ... وَلكِنَّ عاراً أَن يَزولَ التَجَمُّلُ


​أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • عَارٌ: كل ما يلحق الإنسان من عيب وشين يُستحيا منه في عرف المروءة.
  • الحُرِّ: الإنسان الشريف الأصيل النفس الذي لا تستعبده الشهوات ولا تكسره الحوادث.
  • التَّجَمُّلُ: التصنع بالصبر، والتعفف، وإظهار العزة والقناعة أمام العيون رغم الحاجة والشدة.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​يوازن الشاعر بين القيم المادية الزائلة والقيم المعنوية الخالدة؛ فيرى أن فقدان النعم الظاهرة كالغنى والسلطان والجاه والمقام ليس بعار ولا منقصة تمس كرامة الإنسان الحر الأصيل؛ لأن تغير الظروف المالية والاجتماعية أمر خارج عن إرادة المرء وتتحكم فيه الصروف.

أما المعيار الحقيقي للعار والمهانة فهو أن يفقد المرء وقاره وتجمله، ويسقط في ابتذال الشكوى والتذلل أمام الآخرين عند حلول المصائب؛ فالنعمة تذهب وتجيء، لكن التجمل والكرامة إن ذهبا لا يعودان.

ثالثاً: الصور الشعرية والبلاغية:

​تتمثل الصورة الرئيسية في المقابلة البلاغية المتكاملة الأركان بين شطري البيت؛ حيث قابل الشاعر بين (عدم العار / زوال النعمة) في الشطر الأول، و(ثبوت العار / زوال التجمل) في الشطر الثاني، لتوضيح الفارق الجوهري بين الخسارة المادية والخسارة الأخلاقية. 

وتظهر الاستعارة المكنية في قوله "يزول التجمل"، حيث شبه التجمل بشيء مادي أو بـثوب أو ظلال تزول وتنكشف عن صاحبها، مما ينزع عنه ستر المروءة. 

ويرتكز البيت على أسلوب النفي والدرك "لا عار... ولكن عاراً"، لحصر مفهوم العار الحقيقي في السقوط الأخلاقي لا الفقر المادي.

​البيت الرابع

​وَما المالُ إِلّا حَسرَةٌ إِن تَرَكتَهُ ... وَغُنمٌ إِذا قَدَّمتَهُ مُتَعَجَّلُ


​أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • حَسْرَةٌ: ندم شديد وأسف وتألم على ما فات عند الحساب.
  • غُنْمٌ: غنيمة، وفائدة كبيرة، وكسب جزيل مادي ومعنوي.
  • قَدَّمتَهُ: أنفقته وبذلته في أبواب البر والخير والصدقات قبل المنية.
  • مُتَعَجَّلُ: عاجل، وناجز نفعه وثوابه المتحقق في الدنيا والآخرة.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​يقدم الشاعر تحليلاً لحقيقة المال ووظيفته في الحياة؛ فالمال في ذاته ليس مقصوداً لذاته، بل هو وسيلة. فإذا اكتنز الإنسان المال وبخل به حتى مات وتركه لغيره، صار هذا المال حسرة ووبالاً عليه؛ لأنه تعب في جمعه ولم ينتفع بأجره، واقتسمه الوارثون. 

أما إذا بادر العاقل إلى إنفاق هذا المال وتقديمه في وجوه الخير والتفضل في حياته، فإنه يتحول إلى غنيمة ناجزة ومكسب عاجل، يورثه الذكر الحسن في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة.

ثالثاً: الصور الشعرية والبلاغية:

​يعتمد البيت على أسلوب الحصر والقصر المتمثل في قوله "وما المالُ إلا حسرةٌ"، باستعمال النفي بـ (ما) والاستثناء بـ (إلا)، وهو قصر موصوف (المال) على صفة (الحسرة) في حالة تركه، لتأكيد هذه الحقيقة وتقليص وجه الانتفاع منه. 

وتبرز المقابلة البلاغية بين قوله (تركت المال / حسرة) وقوله (قدمت المال / غنيمة متعجلة)، وهي المقابلة التي تظهر التضاد الحاد بين نتيجة البخل ونتيجة الجود. 

كما تنطوي عبارة "قدمته" على استعارة مكنية حيث شبه المال بـالمسافر أو البضاعة التي يُرسلها الإنسان أمامه إلى موئل مستقبلي.

​البيت الخامس

​وَلِلخَيرِ أَهلٌ يَسعَدونَ بِفِعلِهِ ... وَلِلناسِ أَحوالٌ بِهِم تَتَنَقَّلُ


​أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • أَهْلُ الخَيْرِ: أصحاب النفوس الشريفة الجوادون الذين جُبلوا على إسداء معروف.
  • أَحْوَالٌ: ظروف وتبدلات تطرأ على حياة الإنسان من غنى وفقر وصحة ومرض.
  • تَتَنَقَّلُ: تتغير، وتتحول، وتتحرك من حال إلى حال ومن شخص إلى آخر.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​يوضح الشاعر في هذا البيت أن عمل الخير ليس سلوكاً عشوائياً، بل له أناس خُصصوا له وجُبلت نفوسهم الكريمة عليه، بحيث يجدون لذتهم وسعادتهم في بذل المعروف وإغاثة الملهوفين. 

ثم يتبع الشاعر ذلك بتقرير حقيقة واضحة، وهي أن أحوال البشر ومصائرهم غير ثابتة؛ فالناس تتقلب بهم الظروف ويتنقلون بين الفقر والغنى، والعز والذل، مما يتطلب من أهل الخير اقتناص فرصة تمكنهم وسعادتهم بفعل المعروف قبل أن تدور عليهم الدوائر.

​ثالثاً: الصور الشعرية والبلاغية:

​تظهر في البيت الاستعارة المكنية والتجسيد في قوله "وللناس أحوال بهم تتنقل"، حيث شبه "الأحوال" والظروف بكائنات أو دواب تتنقل وتحمل الناس فوق ظهرها من محطة إلى أخرى، لإظهار سلبية الإنسان أمام التغيرات الزمنية. 

ويتشكل التناظر المعنوي والحكمي بين السعادة الذاتية الناتجة عن فعل الخير في الشطر الأول، وبين عدم استقرار الأحوال في الشطر الثاني، للحث على استغلال لحظات القدرة في صنع الجميل. 

ويعد الشطر الثاني تذييلاً حكمياً يصلح أن يكون مثلاً سائراً في أدبيات التغير الاجتماعي والطبقي.

​البيت السادس

​وَلِلَّهِ فينا عِلمُ غَيبٍ وَإِنَّما ... يُوَفِّقُ مِنّا مَن يَشاءُ وَيَخذُلُ


​أولاً: شرح الكلمات الغريبة:

  • عِلْمُ غَيْبٍ: العلم المحيط بمصائر العباد وما خفي عنهم.
  • يُوَفِّقُ: يهديه ويسدده ويعينه على الفلاح والأخذ بأسباب الرشاد.
  • يَخْذُلُ: يكله إلى نفسه، ويكف عنه معونته وتوفيقه بحكمته وعلمه.

ثانياً: شرح البيت إجمالاً:

​ختام الأبيات يمثل قمة التسليم والرضا الخالص بالقدر الإلهي. يقر الشاعر بأن لله سبحانه وتعالى حكمة بالغة وعِلماً غيبياً شاملاً يتدبر به أحوال الخلق ومصائرهم، وأن البشر لا يملكون من أمر أنفسهم شيئاً أمام الإرادة الكونية الإلهية. 

فالتوفيق والسداد والأخذ بأسباب النجاح إنما هي توفيق من الله لمن يشاء من عباده، كما أن الخذلان والفشل هو استدراج وعدل منه سبحانه لمن يشاء، مما يدعو الإنسان للجوء إلى الله والرضا بقضائه في السراء والضراء.

ثانياً: الصور الشعرية والبلاغية:

​يتجلى البناء البلاغي في طباق الإيجاب بين الفعلين "يوفق" و"يخذل"، وهو تضاد يبرز انفراد الإرادة الإلهية المطلقة بالخلق والتدبير والإنعام والابتلاء. 

كما يتضمن البيت تناصاً معنوياً مقتبساً بصورة غير مباشرة من روح الآيات القرآنية التي تقرر مشيئة الله في التوفيق والخذلان. 

ويستخدم الشاعر أسلوب القصر بـ (إنما) في قوله "وإنما يوفق منا من يشاء"، لقصر التوفيق والخذلان على الإرادة والمشيئة الإلهية المطلقة.

​والحمد لله رب العالمين .......

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...