التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر فتح الوهاب في بيان ماهية الفقه المقارن للطلاب

مقدمة 

​الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. 

أما بعد: 

 فإن كتاب "فتح الوهاب في بيان ماهية الفقه المقارن للطلاب"، للعالم الأصولي أحمد بن منصور آل سبالك، عبارة عن سؤال طالب عن حقيقة الفقه المقارن، دار الحديث حول ماهيته، وتاريخه، وأسبابه، وفائدته، والغاية منه، والأسباب الخمسة الكبرى لاختلاف الفقهاء المؤدية للمقارنة بين المذاهب الفقهية. 

وفور الانتهاء من صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة، قدّم الطالب أوراقاً دوّن فيها جُلّ ما قيل في عرفات، راغباً مع إخوانه في إخراجها في كتاب يسير الأسلوب كـ "أعذار الفقهاء" وسهل الفهم. 

وقد استجاب المصنف لهذه الرغبة، فأضاف إليها ما تمّم الفائدة عقب الرجوع إلى الديار، وقسّم الكتاب على ثمانية مباحث رئيسية.

وكان الهدف الرئيسي من ذلك الكتاب دعوة صغار طلبة العلم لكف ألسنتهم عن هذه الكوكبة العلمية التي خلّفت ثروة فقهية هائلة لطلاب العلم من بعدهم، ولم يكن المقصد منه بيان أسباب اختلاف الفقهاء المؤدية لوجود المقارنة الفقهية.

ولهذه الأمور ولما سطرة الشيخ الأصولي أحمد آل سبالك من وضوح بيان وقوة دلالة وجمال إشارة أحببت أن أقربه لطلاب العلم وأيسّره لهم بتقليل احجمه وإن كان الاصل ليس بالكبير، ولكن الكسل تفشى بالأمة والله المستعان.


المبحث الأول: معنى المقارنة والفقه المقارن

أولاً: المعنى اللغوي للمقارنة

ترجع المادة اللغوية للمقارنة في اللسان العربي إلى: الجمع والمقابلة، وهي مأخوذة من قولهم: "قرن الشيء بالشيء، وقَرَن بينهما" إذا جمعهما وقابل بعضهما ببعض. 

ثانياً: المعنى الاصطلاحي للفقه المقارن

يتأسس التعريف الاصطلاحي للفقه المقارن على تفكيك أجزاء مركب الجملة ومعرفتها: 

أ - حيث إن الفقه في اللغة هو: الفهم مطلقاً، أو فهم الأشياء الدقيقة عند بعض المحققين. 

ب - وفي الاصطلاح الأصولي: هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من أدلتها التفصيلية. 

ج - تعريف الفقه المقارن اصطلاحاً، هو: جمع أقوال العلماء المختلفة في الحكم الشرعي للمسألة الواحدة الفرعية مع أدلتها، ومقابلة بعضها ببعض، ثم مناقشتها مناقشة علمية ليظهر بعد ذلك أي الأقوال أقوى دليلاً وأقربها تمشياً مع قواعد الشريعة ليكون هو الأرجح.

​المبحث الثاني: موضوع المقارنة أو الفقه المقارن

​يتحدد موضوع الفقه المقارن بناءً على حدّه الاصطلاحي في المسائل الفرعية المختلف فيها بين علماء الشريعة من أئمة المذاهب وغيرهم ممن سبقهم أو لحقهم من المجتهدين. 

فقد اختلف علماء السلف والخلف في كثير من المسائل الفرعية، ونُقلت إلينا أقوالهم مدعمة بأدلتها المختلفة أو بوجهات نظرهم في الدليل الواحد إذا كان يحتمل عدة أوجه.

​التطبيقات الفقهية لموضوع المقارنة:

​تتجلى طبيعة المسائل الخلافية التي تشكل مادة الفقه المقارن في أمثلة متعددة: 

١ - منها اختلافهم في فرضية النية في الوضوء؛ حيث ذهب الحنفية إلى أن النية ليست فرضاً من فرائض الوضوء، مستدلين بعدم ذكرها في آية الوضوء وبأن الوضوء شرط للصلاة فيُقاس على الطهارة من النجاسة التي لا تُشترط فيها النية. 

بينما ذهب الجمهور من الأئمة إلى فرضية النية وعدم صحة الوضوء والصلاة بغيرها لحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، ولقياس الوضوء -وهو طهارة حدث لا تستباح الصلاة إلا بها- على التيمم المتفق على اشتراط النية لصحته.

​٢ - ومن أمثلة ذلك أيضاً اختلافهم في فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة؛ فذهب الجمهور من الأئمة إلى أنها من فروض الصلاة التي لا تصح إلا بها لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». 

بينما ذهب الحنفية إلى أنها ليست فرضاً تتوقف عليه الصحة بل تصح الصلاة بأي جزء من القرآن لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20]، وإن كان تارك الفاتحة عندهم مسيئاً وصلاته ناقصة.

​٣ - وكذلك اختلفوا في المسائل التي يكون دليلها واحداً لكنه يحتمل وجهات نظر متعددة؛ كاختلافهم في عدة المطلقة ذوات الأقراء؛ أتُعتبر بالحيض أم بالطهر؟ بناءً على الاشتراك اللفظي في لفظ "القرء" في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. 

٤ - واختلفوا كذلك في المقدار المفروض مسحه من الرأس في الوضوء؛ أهو كل الرأس أم بعضه غير المحدود أم ربع الرأس؟ تبعاً لاختلافهم في دلالة حرف الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] والمأثور من فعله صلى الله عليه وسلم.

​المسائل الخارجة عن موضوع المقارنة:

​يخرج عن نطاق الفقه المقارن المسائل المتفق عليها بين العلماء، سواء كانت من الأصول أم من الفروع. 

كما يخرج عنه المسائل الأصلية، سواء كانت من العقائد التي تُذكر في علم التوحيد، أم من مسائل أصول الفقه التي تُذكر في كتبه. 

ويخرج عن موضوع هذا الفن بالطريق الأولى ما يُذكر أحياناً من مقارنة الشريعة الإسلامية بالشرائع الأخرى السماوية أو الوضعية، إذ لا يسمى ذلك فقهاً مقارناً اصطلاحاً، وكذا المسائل الخلافية التي لا صلة لها بالتشريع الإسلامي.

​المبحث الثالث: مصادر الفقه الإسلامي ونشأة المذاهب الفقهية

​المطلب الأول: مصادر الفقه الإسلامي في عصر النبوة

​بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كافة للناس خاتماً للرسل بدين ناسخ للأديان قبله، فكان دينه صالحاً لجميع الأزمان وشريعته شاملة لسائر البشر. 

وأنزل عليه كتاباً منيراً جمع أصول الشريعة ميسرة للذكر، ولم يتعرض لفروع المسائل إلا قليلاً كما في المواريث ونحوها لكونها تأصيلاً لقطع النزاع وسد باب الاختلاف. 

وكانت السنة النبوية بجانب القرآن تقرر ما فصله، أو تفصل ما أجمله وتشر ح المراد منه، أو تلحق بأصوله ما أشارت إليه الآيات. 

وبذلك انحصرت مصادر الفقه في هذا العصر في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

​أ - وكان القرآن ينزل آيات أو سوراً متفرقة بحسب الحوادث والوقائع أو إجابة عن أسئلة واستفتاءات؛ 

١ - كقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، و﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾، و﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾، و﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، و﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، و﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾. 

٢ - وكان جبريل عليه السلام ينزل كل عام في رمضان فيدارس النبي القرآن ويرتبه آيات وسوراً كترتيبه الحالي في المصاحف. 

٣ - ولم ينزل جملة واحدة لحكم عالية؛ منها تثبيت فؤاد النبي والترتيل والنزول على مكث لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]، وقوله: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106].

​ب - وأما السنة الشريفة فكانت متمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته وسيرته الشريفة، وتختص سنتة التشريعية ببيان الأحكام. 

وكان الصحابة يرجعون إليه ليفتيهم أو يقرههم على أفعالهم بلسان الوحي لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]. 

وما كان من اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم أو من صحابته فليس بخارج عن الوحي لكونه ينزل بتقريره أو تعديله.

​ولا يُعد اختلاف الصحابة في عهد النبوة داخلاً في موضوع المقارنة لكونه يزول فور الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتتنوع حالاته إلى ثلاث:

  1. تصويب الفريقين جميعاً: كاختلافهم في صلاة العصر في غزوة بني قريظة لقوله: «لَا يُصَلِّينَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»؛ حيث صلى بعضهم في الطريق نظراً للمقصد وأخرها الآخرون للمنطوق، فصوب النبي الفريقين ودل ذلك على أن الفعلين سائغان ولا خلاف في الحقيقة.
  2. ​تخطئة الفريقين جميعاً: كما وقع لعمار بن ياسر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في التيمم للجنابة عند فقد الماء؛ حيث امتناع عمر عن الصلاة، وتمرّغ عمار في التراب كالدابة؛ فبين النبي صلى الله عليه وسلم لعمر شمول آية التيمم للجنابة لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43]، ولعمار كفاية مسح الوجه والكفين بالتراب، فزال الخلاف وصار الحكم ما وضحه الرسول.
  3. ​تصويب أحد الفريقين وتخطئة الآخر: كما في قصة الصحابي الجريح الذي أفتي بالغسل فمات، فخطّأ النبي صلى الله عليه وسلم من أفتوه بالغسل وقال: «هَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾» ودفع ديته من بيت المال، وسقط القول المخطئ.

​المطلب الثاني: مصادر الفقه الإسلامي في عهد الصحابة رضي الله عنهم

​عقب انقطاع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، تصدى الصحابة لحمل عبء الفتوى والقضاء واستنباط الأحكام للنوازل المستجدة. 

وكانت طريقتهم تبدأ بالبحث في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله، فإن لم يجدوا سألوا غيرهم من الصحابة؛ كما حدث لأبي بكر الصديق رضي الله عنه حين جاءته الجدة تطلب ميراثها، فلم يجد لها في الكتاب والسنة شيئاً حتى شهد محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فنفّذ أبو بكر الحكم.

​فإن تعذر النص، جمع الخليفة رؤوس الصحابة المجتهدين للمشورة، فإن أمكن إدراج الحادثة تحت عموم نص أو قياسها على نظير أفتوا به واستقر حكمهم إجماعاً؛ كقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وجمع المصحف الشريف، ومسألة الخلافة. والإجماع يرفع الخلاف ويخرج المسألة من الفقه المقارن. 

وإذا اختلفوا ولم يستقر رأيهم، اختار الخليفة الموقف المحقق للمصلحة العامة دون إلزام لمن بعده؛ كما سوّى أبو بكر رضي الله عنه في العطاء بين المسلمين بينما فاضل عمر رضي الله عنه بينهم، ولكليهما وجهة علمية سائغة.

​وبذلك انحصرت المصادر الفقهية في عصر الصحابة في أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والرأي (الذي شمل القياس، ودلالات النصوص، والاستنباط من القواعد العامة، ومراعاة مصالح العباد). 

وكان الخلاف نادراً في عصرهم لإقامة معظم الصحابة بالمدينة المنورة وخاصة في عهد عمر بن الخطاب الذي ضبط خروج كبار المفتين إلا للحاجة، مما سهّل استشارتهم وتحقيق الإجماع. 

وتجلت أسباب خلافهم -حين وقع- في: التفاوت في فهم دلالات النصوص، أو عدم بلوغ الحديث لأحدهم، أو عدم العلم بالناسخ والمخصص، أو تفاوت القدرات في تطبيق القواعد والاستنباط.

​المطلب الثالث: نشأة المذاهب الفقهية

​اتسعت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه، فبعث المفتين والقضاة للأمصار كابن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، مع إبقاء كبار الصحابة بالمدينة للمشورة. 

ولما تولى عثمان رضي الله عنه سمح للصحابة بالحرية في الإقامة والارتحال، فاستوطنوا مصر والشام والعراق. 

وازداد حظ العراق بنزول الصحابة عند اتخاذ علي رضي الله عنه الكوفة عاصمة للخلافة. 

وهنا برز التنافس العلمي بين الحجاز والعراق وتشكلت المدرستان:

  • مدرسة الحجاز (أهل الحديث): سادت في بيئة بدوية تتشابه حوادثها وتوفرت فيها الآثار والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فأغناهم ذلك عن التوسع في تعليل الأحكام والقياس، وكان الإمام مالك بن أنس ممتداً لهذه المدرسة.
  • ​مدرسة العراق (أهل القياس والرأي): سادت في بيئة حضرية متأثرة بالحضارات السابقة وتلاحقت فيها الأحداث والمعاملات المعقدة، وظهرت فيها فتنة الشيعة والخوارج ووضع الأحاديث، فتشدد علماء العراق في شروط قبول الحديث والتفتوا إلى تعليل النصوص والتوسع في الأقيسة، وكان الإمام أبو حنيفة النعمان ممتداً لهذه المدرسة.

​ثم نشأ بعد ذلك من جمع بين الطريقتين كالإمام محمد بن إدريس الشافعي والإمام أحمد بن حنبل. وقد استقر الفقه الإسلامي بتدوين المذاهب الأربعة المشهورة (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي) وتأصيل أصولها وتفريع فروعها، فصارت القطب الذي تدور عليه أمور الفتوى والقضاء في ديار الإسلام.

​المبحث الرابع: نشأة المقارنة وتاريخ الفقه المقارن

​أولاً: نشأة المقارنة الفقهية

​بدأت المقارنة الفقهية في صورة مناظرات ومحاورات علمية بين الصحابة: 

١ - كالمناظرة بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما في رجل مصّ ثدي زوجته ووصل لبنها إلى جوفه، حيث أفتى أبو موسى بالتحريم، فنبهه ابن مسعود بآية: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وبحديث: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمُجَاعَةِ»، فرجع أبو موسى لقول ابن مسعود وقال: «لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم». 

٢ - ومثل مناظرة عبد الله بن عباس لعثمان بن عفان رضي الله عنهم في حجب الأم من الثلث إلى السدس بالأخوين بدعوى أن الأخوين ليسا إخوة في لسان العرب لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فبين له عثمان حجبها بهما في عهد أبي بكر وعمر لكون المراد ما زاد على الواحد. 

٣ - ومنها مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. 

ومع تدوين المذاهب، ظهر ما يُسمى بـ "الانتصار للمذاهب" والرد على المخالفين، والذي تحول في العصور المتأخرة إلى تعصب لدى البعض، مع بقاء المنصفين المنتصرين للحق أينما دار.

​ثانياً: الأطوار التاريخية للفقه المقارن

​مر تاريخ الفقه المقارن بخمسة أطوار متعاقبة اكتمل بها الفن:

  • ​الطور الأول (طور البداية): اتسم بمقارنات جزئية للدفاع عن المذهب أو المدرسة دون شمول لجميع الأبواب الفقهية؛ ككتاب "الرد على سير الأوزاعي" للإمام أبي يوسف، وكتاب "الحجة على أهل المدينة" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وردود الإمام الشافعي على فقهاء العراق.
  • الطور الثاني (طور التدوين): اتسع ليشمل معظم أبواب الفقه، وانتقل من الدفاع المذهبي إلى تجميع الآراء بعرض مجرد دون اتخاذ موقف ترجيحي غالباً؛ ويُعد الإمام الطبري أول من كتب فيه في "اختلاف الفقهاء"، وسار على نهجه ابن رشد في "بداية المجتهد" مع التوسع في بيان أسباب الاختلاف.
  • الطور الثالث (طور حرية عرض الآراء بأمانة تامة): تناول الفقه من منصة مذهب معين مع مقارنته بالمذاهب الأخرى والأقوال السابقة عند اقتضاء الحاجة، وبيان وجوه الخلاف والوفاق والموازنة المنصفة؛ ويُمثل هذا الطور كتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي.
  • ​الطور الرابع (طور الجمود والركود): برز منذ القرن التاسع الهجري، حيث انصب اهتمام الفقهاء على دراسة الخلاف الداخلي في المذهب الواحد بين الإمام وتلاميذه لتحديد القول الراجح المفتى به للخروج من الاضطراب الفقهي، ووضع قواعد الترجيح المذهبية؛ ومثاله كتاب "رد المحتار على الدر المختار" لابن عابدين في الفقه الحنفي.
  • الطور الخامس (طور العصر الحديث): الخطوة الجديدة المتمثلة في الموازنة الشاملة المجردة بين كافة الآراء الفقهية دون تعصب مذهبي.

​ولم تقتصر الدراسات المقارنة على المؤلفات الفقهية المحضة، بل امتدت لتشمل كتب التفسير الفقهي (كـ "أحكام القرآن" للجصاص، و"أحكام القرآن" لابن العربي، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي)، وكتب شروح أحاديث الأحكام والشروح الحديثية الكبرى (كـ "نيل الأوطار" للشوكاني، و"فتح الباري" لابن حجر، و"شرح صحيح مسلم" للنووي، و"سبل السلام" للصنعاني، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق العيد).

​المبحث الخامس: الاجتهاد والتقليد والتلفيق

​أولاً: الاجتهاد وتطبيقاته:

​الاجتهاد في اللغة هو: بذل غاية الطاقة في تحمل أمر شاق. 

وعند الفقهاء هو: بذل الفقيه غاية وسعه في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. 

وهو ملكة ونور يمنحه الله للمجتهد يرى به الحق؛ كما روي عن الإمام مالك أنه قال: «إنه نور يقذفه الله في قلب المؤمن يرى به الحق حقاً».

​وقد وقع الاجتهاد في عصر النبوة؛ حيث اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في حوادث متعددة، كنزوله ببدر في موضع أشار الحباب بن المنذر بالتحول عنه لكونه من الرأي والحرب والمكيدة فنزول النبي على رأيه. 

وثبت اجتهاد الصحابة كتحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة وتصويب النبي له بقوله: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ». 

والناس بالنسبة للعلوم الشرعية طبقتان: 

أ - طبقة المجتهدين المستنبطين. 

ب - وطبقة المقلدين المستفتين.

​ثانياً: التقليد وضوابطه

​التقليد اصطلاحاً هو: العمل بقول الغير دون معرفة الدليل أو دون معرفة وجه الدلالة فيه. 

والمقلد هو من لا يملك ملكة الاجتهاد والنظر، والتقليد ضرورة حياتية لتفاوت المدارك البشرية وتنوع المصالح، واستندت مشروعيته لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وقوله تعالى: ﴿فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا إِنَّمَا شِفَاءُ الْعَيِّ السُّؤَالُ».

​ومن رحمة الله أنه لم يجعل تحصيل وسائل الاجتهاد فرض عين على كل فرد لئلا تتعطل مصالح الدنيا، بل جعله فرض كفاية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. 

وانعقد إجماع السلف من الصحابة والتابعين على جواز سؤال العوام للمجتهدين والعمل بفتواهم من غير إنكار.

​ثالثاً: التلفيق:

​التلفيق هو: أن يأتي المقلد في المسألة الواحدة ذات الأجزاء بكيفية أو تركيب ينشأ عنه قول وحقيقة لا يقرها ولا يقول بها أحد من الأئمة الذين قلدهم في تلك المسألة.

​ومثاله: شخص توضأ فمسح بعض رأسه فقط (تقليداً للشافعية أو الحنفية)، ثم سال منه دم فاستفتى مالكياً أو شافعياً فأفتاه بعدم نقض الوضوء بالدم، ثم مس امرأة فاستفتى حنفياً فأفتاه بعدم النقض بالمس؛ فإذا صلى هذا الشخص بوضوئه هذا، فإن صلاته تُعد باطلة عند المالكية (لعدم مسح كامل الرأس)، وباطلة عند الشافعية (لانتقاض الوضوء بلمس المرأة)، وباطلة عند الحنفية (لانتقاض الوضوء بخروج الدم). 

فقد أدى التلفيق هنا إلى الخروج بعبادة ملتقطة باطلة عند جميع المذاهب.

​المبحث السادس: الضوابط الواجب توفرها في المقارنة والمقارِن

​ينبغي أن يكون المفتي والقاضي على بصيرة نافذة بالأرجح من أقوال العلماء ليتخذه ديدناً في إفتائه وقضائه. 

ويستلزم ذلك التزام ضوابط منهجية وأخلاقية:

​أولاً: ضوابط المقارنة ذاتها:

​يجب أن تكون المقارنة لغاية الوقوف على أقوال الفقهاء، ودلائلهم، والتعرف على وجهات نظرهم لتحديد الأقوى دليلاً والأقرب لروح التشريع والقواعد العامة. 

ولا يجوز بحال أن تُتخذ المقارنة ذريعة لتلمس تقوية مذهب معين تعصباً له، أو للنيل من شخصيات الأئمة الآخرين؛ فإن ذلك عمل مذموم شرعاً يُؤدي إلى تفريق كلمة المسلمين، وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].

​ثانياً: الشروط والصفات الواجب توفرها في المقارِن:

  1. ​تحري النقل الصحيح بالاعتماد على الكتب المعتمدة والنقل من أقوى الأقوال في كل مذهب، وتجنب تعمد نقل القول الضعيف بغية إبطاله ورده بسهولة.
  2. ​نقل أقوى الدلائل التي اعتمد عليها أصحاب القول، وتجنب الاقتصار على دليل فيه ضعف ظاهر للتمكن من نقضه بسهولة.
  3. ​العلم بالأصول والمناهج الاستنباطية التي اعتمدها كل إمام في استنباطه لمعرفة وجهة نظره وكيفية تنزيل الحكم.
  4. ​مناقشة الأدلة وفق القواعد العلمية المسلمة؛ فلا يجوز ادعاء ضعف حديث صححه جهابذة الفن، ولا ادعاء صحة حديث أجمع أهل الشأن على ضعفه.
  5. ​ترجيح القول الذي يشهد له الدليل القوي السالم من الاعتراضات، بالتجرد الكامل عن الهوى المذهبي انتصاراً للحق وحده.

​المبحث السابع: فوائد دراسة الفقه المقارن.

​تحقق دراسة الفقه الإسلامي المقارن ثماراً علمية وعملية جليلة تعود بالنفع على الفرد والمجتمع، منها:

  1. ​الإحاطة بمسائل الخلاف وتلبية الحاجة عند عروض أي مسألة اختياراً لأليق الأقوال ببيئة الناس وحاجتهم ودفع الحرج والعنت عنهم لا سيما عند الضرورات، استناداً لآراء فقهية ترجح دليلها.
  2. ​الاطلاع على مدارك الأئمة وأدلتهم مما يُكسب الدارس بصيرة دينية تخرجه من ربقة التقليد المحض المذموم لمن يستطيع النظر في الأدلة.
  3. ​إثبات أصالة الفقه الإسلامي واستقلاله التام، ودحض الشبهات التي يدعي أصحابها تأثر الفقه بالشرائع الوضعية أو القوانين الرومانية.
  4. ​إكساب الدارس قدرة على النظر في الأدلة وطرق الاستنباط والتخريج، وتكوين ملكة فقهية تُمكنه من إعطاء الحوادث والنوازل المستجدة أحكامها المناسبة بطمأنينة.
  5. ​إدراك حجم الجهد الشاق الذي بذله المجتهدون، واليقين بأنهم لم يخرجوا عن دائرة الأدلة الشرعية، مما يورث احترامهم جميعاً، والتأدب معهم، واقتفاء هداهم.

​المبحث الثامن: أسباب اختلاف الفقهاء

​انحصر الخلاف في عهد النبوة وكان نادراً في عهد الصحابة لكونهم بحاضرة الخلافة، ثم اتسعت رقعته بتفرق العلماء في الأمصار. 

وتنحصر الأسباب الكبرى لاختلاف الأئمة في خمسة أمور:

​السبب الأول: ما يرجع إلى اللفظ:

​ينشأ الخلاف لتعدد الاحتمالات اللسانية في اللفظ، وله خمس حالات وتنبيه:

  • ​الحالة الأولى (الاشتراك اللفظي في اللغة): كلفظ "القرء" المتردد لغة بين الطهر والحيض. فاختلفوا في عدة المطلقة غير الحامل من ذوات الأقراء؛ فذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أنه الحيض لقوله صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» فتعتد بثلاث حيضات. وذهب المالكية والشافعية إلى أنه الطهر لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والطلاق إنما يجوز في الطهر فتعتد بثلاثة أطهار.
  • ​الحالة الثانية (تردد اللفظ بين حقيقة لغوية وحقيقة شرعية): كلفظ "النكاح"؛ فهو في اللغة الوطء، وفي الشرع العقد. فاختلفوا عند إطلاقه بلا قرينة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾؛ فحمله الحنفية على الحقيقة اللغوية (الوطء)، فحكموا بأن المرأة الموطوءة بشبهة أو زنى تحرم على أصول الواطئ وفروعه. بينما حمل الجمهور النكاح على الحقيقة الشرعية (العقد)، فحكموا بأن الزنى لا يُحرّم حلالاً، ولا تثبت الحرمة إلا بالعقد الصحيح أو ملك اليمين لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُحَرَّمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ».
  • ​الحالة الثالثة (الاختلاف في الحقيقة عند الإطلاق - الأمر والنهي): هل الأمر حقيقة في الوجوب والنهي في التحريم؟ أم في الندب والكراهة؟ 
  • في الأوامر: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ و﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؛ حمله الظاهرية على الوجوب الفرضي. بينما حمله الجمهور على الندب والإرشاد بقرينة شراء النبي صلى الله عليه وسلم من أعرابي بعيراً دون إشهاد وشهد له خزيمة بن ثابت، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾. 
  • ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾؛ حمله المالكية على الوجوب، وحمله الجمهور على الندب بقرينة: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾. 
  • ومثله أمره صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا»؛ حمله الجمهور على الوجوب، واكتفى الحنفية بالغسل ثلاثاً لعمل الراوي (أبي هريرة)، وحمله المالكية على الندب والتعبد بقرينة طهارة صيد الكلب وتحديد السبع. 
  • ومثله قوله: «فَلْيَتَزَوَّجْ»؛ وجوب عند الظاهرية، وندب عند الجمهور بقرينة تعليله بـ «أغض للبصر وأحصن للفرج». 
  • وفي النواهي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ حمله البعض على التحريم المطلق والجواز الحجر على المبذر، وقيل لا إسراف في طاعة، وقيل النهي للكراهة. 
  • ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا»؛ حمل النهي على التحريم عند الظاهرية والحنابلة، وعلى الكراهة والندب عند الجمهور بقرينة تعليله بـ «فَإِنَّ النَّائِمَ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وإزالة الشك والاستجمار بالحجارة. 
  • وتنبيه ذلك أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المتجردة الظاهرة في القربة تدل على الندب على القول الراجح.
  • الحالة الرابعة (تعاور الاحتمال بين العموم والخصوص): الخاص المراد به العموم كحديث الأصناف الربوية الستة («لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ...»)؛ حمله الظاهرية على الخاص المقتصر عليه لعدم القياس. وحمله الأئمة الأربعة على العام لعلة متعدية: التقدير مع الجنس عند الحنفية وأحمد في رواية؛ والطعم والنقدية عند الشافعية وأحمد؛ والقوت والادخار والنقدية عند المالكية وأحمد. 
  • والعام المراد به الخصوص كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾؛ أخذ الحنفية بالعموم في تحريم خنزير البحر. وخالفهم الجمهور فحللوا خنزير البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وقوله: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحَلُّ مَيْتَتُهُ».
  • الحالة الخامسة (الاحتمال العارض عند التركيب - عُود الاستثناء): في آية القذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. يرى الشعبي عود الاستثناء لجميع الأحكام فيسقط الحد والفسق وتقبل الشهادة. ويرى الجمهور عدم سقوط الحد بالتوبة لأنه حق عبد. ويرى الحنفية عود الاستثناء للجملة الأخيرة فقط (رفع الفسق)، فيظل رد الشهادة مؤبداً لقوله ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾. بينما يرى الأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) عوده للجملتين الأخيرتين المذكورتين بعد الحد، فيرتفع الفسق وتُقبل شهادة القاذف إذا تاب وأصلح.

​السبب الثاني: ما يرجع إلى الرواية:

​الرواية هي: السند الموصل للنص النبوي. 

والخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد؛ فالمتواتر ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب في كل طبقة، وهو يفيد العلم اليقيني القاطع. 

والقرآن الكريم كله متواتر قطعي الثبوت في القراءات العشر المتواترة. والسنة منها متواتر لفظي («مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ...») ومتواتر معنوي (أعداد الركعات، والزكوات، والمناسك).

​وأما خبر الآحاد ففي حجيتها وتخصيصها تفصيل: الجمهور يروون أنه يفيد الظن القوي الموجب للعمل، ويخصص العام ويقيد المطلق. 

وعند الحنفية ينقسم إلى مشهور وآحاد؛ فالمشهور ينسخ ويخصص القطعي، والآحاد يفيد الظن ولا ينسخ ولا يخصص عموم القرآن إلا بثلاثة شروط: 

١ - ألا يخالفه عمل الراوي (تقديم عمل الراوي كحديث غسل الإناء ثلاثاً لعمل أبي هريرة). 

٢ - ألا يخالف القياس والقواعد (رد حديث المصراة لمخالفته أصول الضمان والخراج بالضمان). 

٣ - ألا يكون فيما تعم به البلوى (رد حديث نقض الوضوء بمس الذكر لرواية بسرة بنت صفوان وتقديم حديث طلق بن علي: «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»).

​وتتوزع أسباب الخلاف المترتبة على الرواية إلى أمور:

  1. ​عدم بلوغ الحديث للمجتهد: كإفتاء سعيد بن المسيب بحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها بمجرد العقد دون وطء لعدم بلوغه حديث امرأة رفاعة القرظية («حَتَّى تَذُوقِي عَسِيلَتَهُ...»)؛ ورأي ابن عباس بحصر الربا في النسيئة لعدم بلوغه حديث الأصناف؛ وأمر ابن عمر المرأة بنقض ضفائرها في غسل الجنابة لعدم بلوغه حديث أم سلمة وعائشة.
  2. ​معارضة الحديث لما هو أقوى عند من يقدم الترجيح: الحنفية قدموا حديث «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» وحديث «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» على حديث «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ...»، بينما جمع الجمهور بين الأحاديث بتحميل النهي على تولي العقد ونفي التسلط على الرضا.
  3. ​معرفة الناسخ والمنسوخ: كحديث زيارة القبور.
  4. ​اختلافهم في صحة الطريق وضعفه: كاختلافهم في توقيت المسح على الخفين بين حديث أبي بن كعب (عدم التوقيت) وحديث علي وعوف بن مالك (التوقيت يوماً وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر).
  5. ​عدم استيفاء شروط العمل عند فريق: كإيجاب الحنفية والمالكية قضاء صوم التطوع بحديث عائشة وحفصة المرسل، وعدم إيجابه عند الشافعية والحنابلة لضعف المرسل عندهم وعملهم بحديث «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ».
  6. ​التأويل أو مخالفة عمل أهل المدينة: كحديث خيار المجلس («الْبَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»)؛ عمل به الشافعية والحنابلة والظاهرية، وتأول الحنفية والمالكية الفرقة بالتفرق بالأقوال، أو تركوه لمخالفة عمل أهل المدينة المتواتر عند المالكية.

​السبب الثالث: ما يرجع إلى التعارض بين الأدلة:

​التعارض لغة: التقابل والتمانع. 

واصطلاحاً: أن يدل كل من الدليلين على نفي ما دل عليه الآخر. 

والتعارض الحقيقي مفقود بين أدلة الشرع القاطعة لامتناع التناقض في الوحي، وإنما هو تعارض ظاهري في نظر المجتهد.

​وتسلك المذاهب مسالك ودفعاً للتعارض: 

أ - مذهب الجمهور يرى تقديم الجمع أولاً متى أمكن على الترجيح لكون إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما (الجمع ثم النسخ إن علم التاريخ ثم الترجيح). كجمعهم بين آية عدة الوفاة وآية أولات الأحمال بالتخصيص، والجمع بين حديث الاستنزاه من البول وحديث العرنيين بتخصيص التنزه ببول الآدمي وغير مأكول اللحم (المالكية)، أو التأويل بالتداوي (الشافعية). 

ب - بينما يرى مذهب الحنفية تقديم الترجيح أولاً؛ لأن الظن القوي لا يقاوم الضعيف (الترجيح ثم النسخ ثم الجمع)، فرجحوا حديث الاستنزاه على حديث العرنيين للاحتياط.

​وتنحصر صور التعارض في ست صور:

  1. ​التعارض بين نصين من القرآن: عدة المتوفى عنها زوجها الحامل بين آية الأشهر وآية وضع الحمل؛ عولجت بالتخصيص أو النسخ الجزئي وتأيد بحديث سبيعة الأسلمية، وجمع علي وابن عباس بأبعد الأجلين. وتعارض قراءتي ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب (الغسل) و﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالجر (المسح) في آية الوضوء؛ عولجت بترجيح النصب بالسنة المتواترة أو الجمع بفرض المسح للخف والنصب للرجل. وتعارض قراءتي التخفيف والتشديد في ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
  2. ​التعارض بين نصين من السنة: النهي عن الانتفاع بالميتة بشيء المعارض لحديث شاة ميمونة؛ عولج بالجمع بتخصيص انتفاع الجلد بعد الدبغ، أو تخصيص مأكول اللحم، واقتصار المالكية الانتفاع على الماء واليابسات. وتعارض حديثي ابن عمر وابن مسعود في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
  3. ​التعارض بين نص من القرآن ونص من السنة: آية الوصية مع حديث «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ»؛ عولج بالنسخ عند الجمهور والتخصيص لغير الورثة عند ابن حزم. وتعارض آية ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ مع حديث «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». وتعارض آية أمهات الرضاع مع حديث «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» وحديث الخمس رضعات.
  4. ​التعارض بين قياسين: قياس الوضوء على التيمم في النية المعارض لقياسه على طهارة النجاسة؛ ترجح القياس الأول بموافقته لحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وقياس مسح الرأس على التيمم (الاستيعاب) المعارض لقياسه على الخف (البعض).
  5. ​التعارض بين قياس ونص: رد الحنفية لحديث المصراة لمخالفة القياس وأصول الضمان، ورد الجمهور لذلك لعدم تقديم القياس على النص الصحيح. وتخصيص آية زنى المحصنات بقياس العبد على الأمة في تنصيف الحد.
  6. ​التعارض بين دليل وقاعدة شرعية: تعارض حديث حصر قتل المسلم في الثلاث («زِنَا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَكُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ») مع القواعد العامة المأخوذة من حماية المجتمع المصلحية، حيث قُدمت القواعد في جواز قتل الجاسوس المسلم وقتل الترس المسلم عند تترس العدو بهم حماية لجماعة المسلمين.

​السبب الرابع: ما يرجع إلى العرف:

​العرف هو: العادة الشائعة بين المسلمين، وهو دليل معتبر فيما لم يرد فيه نص خاص يبطله كالربا والخمر. 

ويجوز تخصيص النص العام بالعرف الصحيح المنضبط الذي لا ينشأ عنه نزاع؛ كجواز عقد الاستصناع (إعطاء الثوب للخياط مع المواد بأجر مجمل) استثناءً من أصول الجهالة ونهي بيع الغرر لشياع التعامل به. 

وتختلف الفتاوى باختلاف أعراف الأقطار؛ كاختلاف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن بين المانعين بناءً على عرف بلادهم المجاني، والمجيزين لعدم وجود المتطوعين ونشراً للقرآن وحفظاً له، واختلافهم في بيع ثمار البستان عند ظهور الصلاح في بعضه.

​السبب الخامس: ما يرجع إلى الأدلة المختلف فيها بين الأئمة:

​اتفق الأئمة في الجملة على حجية الكتاب والسنة والإجماع، واختلفوا في الاحتجاج بأدلة أخرى، منها ستة أدلة رئيسية:

  1. القياس: وهو تشبيه فرع بأصل في علة حكم جامع. وهو حجة عند الجمهور ومفخرة التشريع، ونفاه الظاهرية؛ فنجم عن ذلك حصر الربا في الأشياء الستة عند الظاهرية وتعديته للقمح والأرز عند الجمهور، وحصر تنجس السائل بالفأرة عند الظاهرية وتعديته لكل ذي دم عند الجمهور.
  2. ​مفهوم المخالفة: وهو نفي الحكم عن المسكوت عنه لانتفاء القيد المذكور. ينفيه الحنفية ويحتجون بالحل الأصلي، ويحتج به الجمهور؛ ولذا أجاز الحنفية نكاح الأمة لمن وجد طولاً للحرة أو كانت الأمة كتابية لعدم حجية المفهوم في آية ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا...﴾، ومنعه الجمهور المعتبرون للمفهوم.
  3. ​قول الصحابي المشهور الذي لم يُعرف له مخالف: حجة عند الجمهور، وليس بحجة عند الظاهرية. وبناءً عليه أخذ الجمهور بفتوى عمر بن الخطاب في جعل عدّة الأمة المطلقة طهرين، وبفتواه في لزوم طلاق الثلاث بكلمة واحدة، وخالفهم من لم يرَ حجيته.
  4. ​المصالح المرسلة: وهي: المنفعة الملائمة لمقاصد الشرع التي لم يشهد لها نص خاص بالإلغاء أو الاعتبار. وبها أخذ الإمام مالك؛ فرأى جواز قتل الترس المسلم حفظاً لبيضة الإسلام والمسلمين، وخالفه غيره.
  5. استصحاب الأصل (استصحاب الحال): وهو الحكم في المستقبل بما ثبت في الماضي. واستدل به الشافعية في الحكم ببقاء حياة المفقود استصحاباً، فلا تُقسم تركته ولا تتزوج زوجته حتى يتيقن موته.
  6. عمل أهل المدينة: وهو حجة قاطعة عند المالكية تقدم على خبر الآحاد لكونه في حكم التواتر المنقول جيلاً عن جيل. وبناءً عليه تركوا العمل بحديث خيار المجلس.

واختُتم هذا العمل بالحمد لله أولاً وآخراً، وأن يكون هذا اﻷختصار خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً لطلاب العلوم الشرعية في الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...