بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة وعلى المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فإن اللغة في منظورها البلاغي أشبه بمصنع الدلالة المتكامل، حيث يأخذ قسم المعجم المواد الخام ويضع لكل مادة استعمالاً محدداً، لتستخدم في سياقات مختلفة تنتج معاني متجددة.
فنجد فروقاً دقيقة في استعمالات الألفاظ القرآنية التي قد تبدو مترادفة للوهلة الأولى، مثل الفرق بين "القنوت" و"القنوط"؛ فالقنوت هو: قمة الإيمان والطاعة والخشوع والسكون في العبادة، بينما القنوط هو: غاية الكفر واليأس من رحمة الله وانقطاع الرجاء.
ومن ذلك أيضاً التفريق الدقيق بين لفظي "الإله" و"الرب". فكلمة "الرب" تستعمل عند الحديث عن الخلق والتدبير والمالكية والسيادة والتربية، كما في قوله تعالى: { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا }[سُورَةُ الكَهْفِ: ١٤]، فهذا سياق إقرار بالربوبية والملك. أما كلمة "الإله" فتعني المعبود الذي تألهه القلوب، وتستخدم في سياق الدعاء والعبادة والتوجه، فنقول في الدعاء "يا إلهنا" أو "اللهم" (يا الله)، ولا توضع كلمة الرب مكان الإله، ولا العكس إلا لدلالة بلاغية مقصودة تستدعيها مقتضيات السياق.
وقد يُثار تساؤل بلاغي عميق حول قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٥]، لماذا استخدم لفظ الجلالة "الله" ولم يقل "الرب" مع أن الرحمة والإنعام من صفات الربوبية؟
والجواب يكمن في تقسيم الرحمة في القرآن إلى نوعين:
اﻷول: رحمة عامة تشمل كل شيء كما في قوله: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٥٦]، وهذه من مقتضيات الربوبية الشاملة للخلق كلهم.
الثاني: رحمة خاصة للمتقين كما في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٥٦].
فالرحمة المقصودة في آية البقرة هي الرحمة الخاصة التي يختص الله بها عباده الذين خصوه بالعبادة (الألوهية)، فجاء لفظ "الله" الدال على الألوهية ليناسب هذا الاختصاص، فكأنه يقول: لما خصوه بالعبادة خصهم بالرحمة، فكان الجزاء من جنس العمل، والاسم مناسباً للمسمى.
ومن لطائف البلاغة في الصيغ الصرفية، الفرق بين "الرحمن" و"الرحيم" في سورة الفاتحة. فكلمة "رحمن" جاءت على وزن "فعلان"، وهي صيغة تدل في العربية على الامتلاء والسعة والشمول والحدوث (مثل غضبان وسكران وعطشان)، فتناسب رحمة الدنيا العامة التي تشمل البر والفاجر. أما "رحيم" فهي على وزن "فعيل"، وهي صفة مشبهة تدل على الثبات والدوام واللزوم، فتناسب رحمة الآخرة الدائمة الخاصة بالمؤمنين.
محصلة هذه الدلالات مجتمعة تشكل ما يسمى بالدلالة البلاغية أو الأسلوبية التي تعطي النص القرآني تفرده.
حقيقة الإعجاز القرآني وسر تحديه
معنى الإعجاز لغة مشتق من "أعجزه الشيء" أي فاقه ولم يقدر عليه.
ويُعرف الإعجاز عند الباحثين والدارسين الذين كتبوا في علوم القرآن بأنه "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة".
والقرآن الكريم جاء خارقاً لعادة العرب في كلامهم؛ فهو لا يشبه الشعر في أوزانه، ولا السجع في تكلفه، ولا خطب الكهان، وفي الوقت نفسه يجري على سنن العرب وقواعدهم، فتحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا.
وقد تدرج التحدي القرآني للعرب في ثلاث مراحل:
اﻷولى: تحداهم أولاً أن يأتوا بحديث مثله في قوله تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) }[سُورَةُ الطُّورِ: ٣٣-٣٤]، فعجزوا.
الثانية: فلما عجزوا، تنزل معهم وتحداهم بعشر سور: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[سُورَةُ هُودٍ: ١٣].
الثالثة: فلما عجزوا، تحداهم بسورة واحدة في سورة البقرة: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٣].
وهذا التحدي قائم ومستمر، لم يستطع أحد أن يعارضه، وكل المحاولات التي تمت عبر التاريخ كانت "فاشلة ومضحكة". وهناك رأي لبعض العلماء لا يشترط التحدي في المعجزة، بل يكتفي بأنها أمر خارق للعادة يجريه الله لتأييد نبيه، ووفق هذا الرأي يمكن اعتبار الإشارات العلمية والطبية والفلكية والرياضية والجيولوجية والتشريعية في القرآن وجوهاً للإعجاز، وإن لم تكن مناط التحدي المباشر للعرب الأقحاح الذين كان تحديهم في البيان.
سر إعجاز القرآن: جدلية النظم والصرفة
اختلف العلماء في تحديد وجه الإعجاز الدقيق:
اﻷول: يرى جمهور البلاغيين، وعلى رأسهم الأستاذ محمود شاكر، أن وجه الإعجاز يكمن في "النظم والفصاحة والبلاغة" فقط. فالإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه، ومباينة خصائصه للمعهود من كلام البشر في لغة العرب وفي سائر لغات البشر. ويرى هؤلاء أن الإشارات العلمية والتاريخية هي "دلائل" على أنه من عند الله العليم الخبير، لكنها ليست مناط التحدي؛ لأن التحدي كان للعرب في لغتهم وبيانهم، وهم أهل الفصاحة.
ويؤكد محمود شاكر في تحليله أن قليل القرآن وكثيره في شأن الإعجاز سواء، وأن التحدي لم يُقصد به الإتيان بمثل القرآن مطابقاً لمعانيه، بل أن يأتوا بأي كلام يشبه نظمه وبيانه، ومع ذلك عجزوا. وهذا التحدي للثقلين (الإنس والجن) قائم إلى يوم الدين. فالذين تحداهم القرآن كانوا يملكون القدرة الفطرية على التمييز بين كلام البشر وكلام الخالق، وأدركوا بحسهم اللغوي أن هذا النظم خارج عن طوق البشر وجنس بيانهم.
إلا أن حصر الإعجاز في "النظم" وحده يثير إشكالات عديدة، منها أن التحدي عام للناس كافة وليس للعرب وحدهم، والقرآن أنزل للناس كافة، ولا يجوز تحدي غير المتخصص فيما لا يحسنه.
والثاني: أن وجوه الإعجاز تتعدد لتشمل التشريع والغيبيات والعلوم، ليظل التحدي قائماً لكل عصر بما برع فيه أهله. فمثلاً، هل وصل أحد من الأمم إلى التشريع الذي أتى به القرآن؟ الواقع يشهد أن الأمم كلها تتخبط في التشريعات والقوانين، وسر فساد أحوالهم أنهم لم يأتوا بتشريع كتشريع القرآن.
مناقشة قضية الصرفة:
ذهب النظام إلى القول بـ "الصرفة"، وهي: أن إعجاز القرآن إنما هو بأن الله "صرف" همم العرب وعقولهم عن محاولة معارضة القرآن والإتيان بمثله، ولو لم يصرفهم لكانوا قادرين على الإتيان بمثله لأنهم أهل اللغة.
وهذا قول فاسد مردود عند جمهور العلماء؛ لأنه يعني أن القرآن في ذاته ليس معجزاً، بل هو مقدور للبشر، وهذا ينافي قداسة النص.
والرد عليهم: هل يعقل أن يصرف الله قلوب الناس عن ذلك قسراً ثم يتحداهم بالإتيان بمثله؟! هذا عبث يتنزه عنه الله.
ويمكن "تصحيح مفهوم الصرفة" بفهم مستنبط من كلام عبد القاهر الجرجاني: أن العرب حين سمعوا القرآن ووجدوه في غاية الفصاحة والبلاغة وقوة النظم، ردوا إعجازه إلى قوة لا يستطيعون مقاومتها، وأدركوا أنهم لا طاقة لهم به، فـ"انصرفت" هممهم عن المعارضة يأسًا وإقراراً بالعجز وتفوق بلاغة القرآن، لا قسراً خارجياً. فهي صرفة نابعة من ذهولهم أمام قوة النص.
الإعجاز الصوتي
الإعجاز الصوتي هو ذلك النوع من الإعجاز الذي يختص بدراسة الإيحاءات الدلالية للأصوات من حيث تركيبها، وما يشتمل عليه هذا التركيب من تناسب صوتي بين الحروف من جهة الجرس والتناغم، وتناسب دلالي وسياقي بين الأصوات والمعنى العام للكلام. وبعبارة مختصرة، هو: "النظر فيما يوحي به التشكيل الصوتي للكلمات من خلال العلاقة بين صفات الأصوات ومخارجها وبين السياق الذي وردت فيه".
يدرس هذا العلم دلالة الأصوات في القرآن من جهتين رئيسيتين:
الأول: صفات الحروف، وسماتها: مثل (الهمس والجهر، الشدة والرخاوة، التكرار والانفجار، الإطباق والانفتاح، الاستعلاء والاستفال). هذه الصفات ليست مجرد حلية صوتية، بل تُسهم في خلق تناغم بين الصوت والمعنى، فلكل وظيفة "صفات" تلائمها.
الثاني: مخارج الحروف: (من أقصى الحلق، وسط الحنك، بين الأسنان، الشفتين، إلخ). كل مخرج يمنح الصوت طاقة خاصة تناسب ما يراد من دلالته.
المنهج في تحليل الإعجاز الصوتي:
تسير الدراسة التحليلية وفق خطوتين:
اﻷولى: فحص المؤهلات الصوتية: بمعنى دراسة الحرف من حيث مخرجه وصفاته الذاتية.
الثانية: مقارنة المؤهلات بالسياق: البحث هل يناسب هذا الصوت بصفاته ومخرجه الجو العام للآية؟ وهل هناك انسجام بين الصوت وهيئته وبين المعنى ودلالته؟ فأحياناً يكون التناسب شكلياً صوتياً، وأحياناً يكون معنوياً دلالياً، وأحياناً يجتمع الاثنان.
ورغم أن الأصوات هي اللبنات الأولى لبناء اللغة، فإنها لم تحظ بالعناية الكافية في الدراسات البلاغية واللغوية القديمة مقارنة بغيرها. ويرجع ذلك لسببين:
اﻷول: صعوبة البحث في هذا المجال؛ لأنه مجال رمزي دقيق عسير على التقعيد يعتمد على الحس اللغوي العميق.
والثاني: قدرة الباحث فيه تعتمد غالباً على التخمين والتذوق، فوضع قواعد عامة صارمة أمر صعب.
تأصيل الظاهرة عند النحويين واللغويين القدماء
نجد إرهاصات وإشارات دقيقة لهذا العلم عند المتقدمين، وإن لم تكن في صورة نظرية متكاملة:
١ - الخليل بن أحمد الفراهيدي: لاحظ ظاهرة "محاكاة الأصوات"، فقال في تعليله لألفاظ العرب: "كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومداً فقالوا (صرّ)، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا (صرصر)".
فالعرب لم تضع الألفاظ اعتباطاً، بل راعت المناسبة؛ فتضعيف الراء في "صر" يناسب الاستطالة، والتقطيع في "صرصر" يناسب تقطيع صوت البازي.
٢ - سيبويه: أصل للظاهرة صرفياً بشكل أعمق بعد الخليل، فلاحظ أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (خشن / اخشوشن). وقال عن "اخشوشن": "كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد كما قالوا اعشوشبت الأرض إذا كثر عشبها".
وتحدث عن المصادر التي تأتي على وزن واحد عند تقارب المعاني، مثل صيغة "الفَعَلان"، فقد لاحظ سيبويه أن المصادر مثل: (النزوان، النقزان، القفزان، العسلان، الرتكان، الغليان، الغثيان، الخطران، اللمعان، اللهبان، الصخدان، الوهجان)، كلها تشترك في معنى مركزي واحد وهو "الاهتزاز والاضطراب مع الارتفاع والحركة والهيجان". وهذا المعنى مأخوذ من غليان الحب في القدر، حيث يتحرك ويقفز ويرتفع. كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}. كلمة "الحيوان" هنا ليست اسماً للكائن الحي، بل هي مصدر على وزن "فَعَلان".
ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحركة والاضطراب والحياة المتدفقة، كان المعنى: الحياة الكاملة الحقيقية التي تضج بالحركة والحيوية والخلود، بخلاف حياة الدنيا. وهي دلالة صرفية محضة مستنبطة من بنية الكلمة الصوتية.
دلالة الأصوات عند ابن جني وتطبيقاتها
يعد ابن جني (صاحب كتاب الخصائص) المؤسس الحقيقي لدراسة القيمة الدلالية للأصوات، خاصة في بابه الشهير "إمساس الألفاظ أشباه المعاني". فكرته الأساسية أن العرب راعت في كثير من ألفاظها مطابقة أصوات الحروف للأحداث التي تعبر عنها، فيختارون الصوت المناسب للمعنى المناسب.
الأمثلة عند ابن جني:
١ - الخضْم والقضْم:
الخضم: يستعمل لأكل الشيء الرطب السهل (كالبطيخ والقثاء). حرف الخاء رخو احتكاكي يناسب اللين والرطوبة.
القضم: يستعمل لأكل الشيء اليابس الصلب (كقضم الدابة للشعير). حرف القاف شديد انفجاري يناسب اليبوسة والقوة والصلابة.
يقول ابن جني: "خذا مسموع الأصوات على محسوس الأحداث"، أي اختاروا الصوت الرخو للحدث اللين، والصوت الشديد للحدث الصلب.
٢ - النضْح والنضْخ:
فالخاء في نضخ أقوى من الحاء في نضح، فدل النضخ على فوران الماء بقوة وغزارة، ففي قوله تعالى في سورة الرحمن: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}، وهو ما يناسب وصف عيون الجنة التي تتدفق بغزارة وقوة لا تنقطع، بينما النضح للرش الخفيف، كما ورد في الحديث: "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى... فإن أبت نضح في وجهها الماء"، أي رش رشا خفيفاً يوقظ ولا يؤذي.
٣ - صيغ السرعة:
توالي الحركات المفتوحة (بَشَكَ، جَمَزَ، وَلَقَ) يوحي بسرعة الحدث وخفته، فالصوت المتتابع يشبه حركة الحدث السريعة.
٤ - صيغة "استفعل" للطلب:
حروف الزيادة (السين والتاء) تمهد صوتياً لمعنى الطلب قبل نطق الجذر (استسقى = طلب السقيا، استوهب = طلب الهبة). فالحروف الزائدة تدل على المعنى قبل وصول أصل الفعل.
٥ - التكرار في المصادر الرباعية:
الكلمات المضعفة (صرصر، قلقل، صلصل، قعقع، صعصع، جرجر، زلزل، زحزح، وسوس، نحنح) تدل بنيتها المكررة على تكرار الحدث. "الوسوسة" مثلاً ليست مرة واحدة بل هي إلحاح متكرر، وتكرار صوت (وس - وس) يحاكي هذا الإلحاح الخفي.
التنافر الفني في الأصوات
ناقش البلاغيون المتأخرون مسألة "تنافر الحروف" واعتبروها عيباً مخلاً بالفصاحة، وضربوا مثلاً بكلمة "مُسْتَشْزِرات" في شعر امرئ القيس (غدائره مستشزرات إلى العلا). لكن الناقد الحديث (د. محمد النويهي) يرى فيه "تنافراً فنياً مقصوداً". فالشاعر يصف شعراً فاحشاً في الكثافة، متداخلاً، متشابكاً، مرتفعاً، فجاءت الكلمة "مستشزرات" بتركيبها الصوتي الخشن المتشابك (شين، زاي، تاء، راء) لترسم صورة هذا الشعر وتوافقه. فهو تنافر يخدم المعنى وليس عيباً، بل هو "تنافر جميل" إن صحت العبارة.
التوظيف البلاغي للأصوات (الاختيار والعدول والتكرار)
يقوم الأسلوب في البلاغة على ثلاثة أسس رئيسة: الاختيار، العدول، التكرار.
أولاً: الاختيار الأسلوبي:
هو: انتقاء المبدع لألفاظ معينة من بين بدائل اللغة المتاحة (المعجمية أو الصوتية أو الصرفية) للتعبير عن دلالة خاصة.
١ - مثال (ضيزى): في قوله تعالى: { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) }[سُورَةُ النَّجْمِ: ٢١-٢٢]، كان يمكن القول "جائرة" أو "ظالمة" أو "فاسدة". لكن اختيرت "ضيزى" لغرابتها وتنافر صوتها (ضاد مكسورة ثم ياء وزاي)، وانفتاح الفم عند نطقها بطريقة توحي بالنفور والاستنكار، لترسم بشاعة هذه القسمة وجورها.
٢ - مثال (اثاقلتم): في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38]. اللفظة فيها "إدغام" و"شدة" (أصلها تثاقلتم). هذا الثقل في النطق والمد الطويل يرسم لحال المتثاقل المتباطئ الذي يحاول القيام فيغلبه وزنه فيترنح ويسقط، محاكاة ساخرة لحال المتقاعسين عن الجهاد.
٣ - مثال (يصطرخون): {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }[سُورَةُ فَاطِرٍ: ٣٦-٣٧]. أصلها "يصرخون". زادت "تاء الافتعال" وقلبت "طاء" لتجاور الصاد المفخمة. فاجتمع الصاد والطاء (تفخيم وإطباق) ليدل على صراخ عظيم متكرر، مع جهد ومعاناة، واصطكاك الأصوات يحاكي اصطكاك أهل النار وتشبثهم بالجدران.
ثانياً: العدول.
هو: الخروج عن النمط المألوف، أو القاعدة المستقرة لإحداث صدمة شعورية أو دلالة إضافية.
ولا يكون العدول مقبولاً إلا بشروط:
١ - إذا كان العدول عن قاعدة لغوية.
٢ - إذا كان العدول عن العرف.
٣ - إذا كان العدول عن السياق.
٤ - إذا كان العدول لغرض فني.
أنواع العدول:
١ - العدول عن القاعدة اللغوية:
مثال: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} (سورة الفتح). الأصل والقاعدة "عليهِ" بالكسر. عُدل إلى الضم "عليهُ" لتفخيم لفظ الجلالة بعدها، وهذا التفخيم يناسب سياق "العهد" الذي هو بيعة الرضوان (بيعة الموت)، فالمقام مقام هيبة وجلال وقوة تستدعي التفخيم الصوتي.
٢ - العدول عن الشائع إلى النادر:
مثال: الإمالة في: { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }[سُورَةُ هُودٍ: ٤١]. الأصل في قراءة حفص وشائع اللغة عدم الإمالة. عُدل هنا للإمالة؛ لأن الألف الممالة صوت "مائل" غير مستقر، يناسب حركة السفينة وهي تجري وتميد بين الأمواج وتضطرب. أما في قوله {وَمُرْسَاهَا} (الرسو) لم تأتِ إمالة؛ لأن الرسو ثبات واستقرار، فناسبه الصوت "المستقيم" المفتوح بلا ميل.
٣ - العدول السياقي:
مثال الفاتحة: الانتقال من الغيبة { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) } إلى الخطاب { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. لرعاية حال المتكلم الذي ينتقل من الغفلة إلى الحضور والمشاهدة.
٤ - العدول بفك الإدغام:
قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]. الأصل "يحبّكم" بالإدغام. جاءت بفك الإدغام {يُحْبِبْكُمُ} لإظهار الباء مرتين. وهذا التكرار وتفكيك اللفظ يوحي بالتدليل والتودد وتتابع المحبة، ويتناسب مع سياق الرحمة والاتباع. بخلاف قوله في آية أخرى {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} بالإدغام؛ لأن السياق هناك سياق جهاد وقوة {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، فناسبه الإدغام الذي يوحي بالشدة والتماسك.
٥ - العدول الصوتي في صيغة "يهدي":
قال تعالى: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[سُورَةُ يُونُسَ: ٣٥]. أصلها "يهتدي". جاءت بتشكيل صوتي معقد يوحي بالتعثر والبطء والمشقة وطول الطريق.
والمعنى: أن شركاءهم لا يهتدون إلا بمشقة وعناء، أو لا يكادون يهتدون، محاكاة لتعثر الصنم أو العاجز، بخلاف هداية الله المباشرة.
٦ - العدول المعجمي:
في قوله تعالى: { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا}[سُورَةُ الكَهْفِ: ١٤]، عدلوا عن "ربا" إلى "إلها" لأن السياق سياق دعاء وعبادة.
وفي قوله: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٥]، عدل عن "الرب" إلى "الله"؛ لأن الرحمة هنا خاصة بالمتقين، فناسبها اسم الألوهية.
ثالثاً: التكرار الصوتي:
التكرار ليس عيباً إذا اقتضاه المقام، بل هو وسيلة إيحائية قوية.
تكرار الحروف والمقاطع:
١ - قوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا}: تكرار الكاف والباء (كب كب) يحاكي صوت تدهورهم وسقوطهم في النار مرة بعد مرة، وارتطامهم بالقاع بعنف.
٢ - قوله تعالى: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } [سُورَةُ النَّاسِ: ٥]: تكرار (وس وس) يحاكي العمل الخفي المتكرر المتردد للشيطان.
٣ - تكرار الميم في آية نوح: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} [هود: 48]. اشتملت الآية على ثماني ميمات. الميم حرف شفوي، فيه غنة وانطباق، يوحي بالضم والجمع والاستقرار. وقد لوحظ بتأمل دقيق أن الآية تتحدث عن بداية الخلق الثاني بعد الطوفان، والأمم التي نجت في السفينة هي أربعة أجناس (إنس، جن، دواب، طير)، من كل زوجين اثنين (4 أجناس × 2 = 8). فجاءت الميمات الثماني محاكاة عددية وصوتية لهذا الجمع المبارك المستقر، في مقابل تشتت الهالكين.
٤ - تكرار الدال: في قوله تعالى: { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } [سُورَةُ الجِنِّ: ١١]. تتابع الدال المفتوحة مع الكسر قبلها يوحي بالتقطع والتفرق والاختلاف (مذاهب شتى). بينما في قوله {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا}، تكرار الدال مع المد يوحي بالامتداد والاستمرار لا التقطع.
٥ - سورة القمر عامة مبنية على التكرار (تكرار الآيات "فهل من مدكر"، تكرار الإنذار، تكرار القصص)، فختمت آياتها بحرف "الراء" {مُسْتَمِرّ، مُّسْتَقِرّ، مُّزْدَجَر}، والراء حرف "تكراري" في صفته الذاتية، فناسب جرس الفواصل موضوع السورة العام وبناءها.
ظاهرة التضمين
التضمين هو: "أن يُشرَب لفظٌ معنى لفظٍ آخر"، فيعطى حكمه، وغالباً ما يظهر في تعدية الأفعال بحروف جر لا تتعدى بها في الأصل، مما يثري المعنى ويوجزه.
الخلاف حول التضمين:
المذهب اﻷول: النحويون (الكوفيون ومن تبعهم): يذهبون إلى القول بـ "النيابة في الحروف" أو "التعاقب"، أي أن حرف الجر "من" يأتي بمعنى "على"، و"إلى" بمعنى "مع"، وهكذا.
المذهب الثاني: البلاغيون والمحققون (ابن تيمية، ابن كثير، ابن هشام): يرفضون القول بأن الحروف تنوب عن بعضها اعتباطاً أو أن الحروف زائدة، ويرون "التضمين". أي أن الفعل هو الذي ضُمن معنى فعل آخر فناسبه الحرف الجديد. وهذا أبلغ: لأنه يعطي معنيين بدلاً من معنى واحد، ويحفظ لكل حرف دلالته الأصلية.
نماذج تطبيقية للتضمين:
التضمين في الأفعال:
١ - قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77]، نجد أن الفعل "نصر" قد تعدى بحرف الجر "من"، والأصل اللغوي المعتاد في "نصر" أن يتعدى بـ "على" فيقال: (نصر زيد عمراً على عدوه). لكن القرآن عدل عن "على" إلى "من" لغرض بلاغي دقيق، وهو تضمين الفعل "نصر" معنى فعل آخر هو "نجى". فالمعنى المراد هو الجمع بين النصر والنجاة في عبارة موجزة: "نصرناه من القوم فكان النصر نجاة له"، أو "نجيناه من القوم فكانت النجاة نصراً له". وهذا يسمى التضمين، حيث يشرَّب اللفظ معنى لفظ آخر ليؤدي دلالتين في آن واحد، فيتحقق الإيجاز والإعجاز.
٢ - قوله تعالى: {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]. الفعل "خالف" يتعدى بنفسه (يخالفون أمره). تعديته بـ "عن" لتضمينه معنى "يصدون" أو "يعرضون" أو "يحيدون". فالمخالفة قد تكون غير مقصودة، لكن التضمين هنا أضاف معنى "الحيد والإعراض" المقصود، لبيان استحقاق العقوبة والتحذير من الفتنة.
٣ - قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6]. الأصل "يشرب منها". ضُمن "يشرب" معنى "يرتوي"، والباء للإلصاق، أي: يرتوون بها ارتواءً كاملاً مباشراً، أو يلتذون بها.
٤ - قوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100]. الأصل "أحسن إليّ". ضُمن معنى "لَطَفَ بي". واللطف هو الإحسان الخفي الدقيق. ويوسف وصل إلى الملك عبر سلسلة من الابتلاءات (الجب، السجن) التي ظاهرها شر وباطنها لطف ورحمة، فناسب ذلك "أحسن بي" (أي لطف بي في تدبيره الخفي).
٥ - {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. ضمن معنى "استعجل"، أي سأل مستعجلاً بعذاب.
التضمين في الأسماء:
قال تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]. أي "من أنصاري متوجهين معي إلى الله" أو "مضيفين نصرتهم إلى الله". ضُمن معنى الانضمام والتوجه.
التضمين في المصادر:
قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]. الفعل "تبتل" على وزن (تَفَعَّلَ) يدل على التكلف والمجاهدة في البداية. مصدره القياسي "تبتُلاً". لكن الآية جاءت بالمصدر "تبتيلاً" (مصدر فعّل: بتّل). هذا المزج بين صيغة "تفعل" (في الفعل) وصيغة "تفعيل" (في المصدر) يجمع دلالتين: ابدأ بالمجاهدة والتكلف (تبتّل)، لتصل إلى حالة الانقطاع التام والكثرة والمبالغة (تبتيلاً)، فجمعت البداية والنهاية في تعبير واحد.
- أمثلة على ظاهرة التضمين:
المثال الأول: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]. كلمة "الرفث" في اللغة تتعدى بـ "الباء" (رفث بها)، لكنها جاءت هنا متعدية بـ "إلى". والعلة البلاغية هي أن القرآن أراد تهذيب اللفظ وتضمينه معنى "أفضى"، لأن الإفضاء يتعدى بـ "إلى" كما في قوله: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}. فأراد النص القرآني أن يضمن معنى الإفضاء الذي فيه عفة وارتقاء، مع بقاء دلالة الرفث، فاستخدم حرف الجر الخاص بالإفضاء مع كلمة الرفث، ليرتقي بالتعبير عن الغريزة إلى مستوى أدبي رفيع.
المثال الثاني: الدلالة الصوتية في قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} [الأنعام: 80]. نلاحظ الفرق في المد الصوتي بين "حاجه" و"أتحاجوني". ففي "حاجه" مد لازم يمد ست حركات، لكن في "أتحاجوني" اجتمع مدان لازمان وتشديد، مما جعل الكلمة طويلة جداً (أربع عشرة حركة صوتية أو أكثر في التلقي). والمقصود هنا أنهم جادلوه، فجادلهم هو بأطول وأكثر مما جادلوه به، فجاء الطول الصوتي للكلمة دليلاً ومحاكياً لطول الحجة وقوتها، وهذا له شواهد في اللغة حيث يرتبط طول المبنى بطول المعنى، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
رعاية حال المتكلم
البلاغة هي "مطابقة الكلام لمقتضى الحال". جرت العادة عند البلاغيين دراسة "حال المخاطَب" (منكر، متردد، خالي الذهن) وما يقتضيه من توكيد أو إطلاق. لكن الإعجاز القرآني يظهر أيضاً في جانب دقيق هو "رعاية حال المتكلم" نفسه، أي: أن الكلام يخرج مصوراً لما يعتلج في نفس القائل، أو مناسباً لمقامه، بغض النظر عن حال المخاطب.
- التطبيقات:
١ - مثال كريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}. أكد الكلام بـ "إني" لبيان مقام ضعف وانكسار واسترحام حال زكريا، فيؤكد شكواه ليعبر عن شدة افتقاره وحاجته.
٢ - مثال امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ}. التوكيد يعبر عن حسرتها وحزنها لما كانت ترجو ذكراً لخدمة المعبد. وتسمية "الأنثى" هنا جاءت في سياق التحسر، لكن الله جبر خاطرها بقوله {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} أي ليس الذكر الذي طلبتِ كالأنثى التي وُهبتِ في الفضل والمكانة .
٣ - مثال المنافقون: عندما لقوا الذين آمنوا قالوا {آمَنَّا}: جملة فعلية خالية من التوكيد؛ لأنهم لا يشعرون بحلاوة الإيمان، والكلام ثقيل على قلوبهم، أو يعلمون شك المؤمنين فيهم فتكلموا باقتضاب. وعندما خلوا إلى شياطينهم قالوا {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (توكيد بـ إن، جملة اسمية، حصر بـ إنما). لأنهم رجعوا إلى بيئتهم وانشرحت صدورهم بالكفر، فعبروا عن حالهم الحقيقي ونشاطهم النفسي بقوة وتوكيد.
٤ - مثال يوسف عليه السلام: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا}. أكد الرؤيا لشدة اغتباطه وفرحه بها، ولجوئه لأبيه، وليس لأن أباه ينكر عليه.
٥ - إخوة يوسف: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ}. النطق بـ "لا تأمنّا" فيه "إشمام" (حركة خفية بين الضم والسكون) أو "رَوْم". هذا الاضطراب الصوتي وعدم إتمام الحركة يحاكي الاضطراب النفسي في داخلهم؛ لأنهم يكذبون ويدبرون مكيدة، والمرتكب للجرم لا يستقيم لسانه باللفظ الصريح الكامل كالواثق، ففضحهم الصوت.
ضمائر التكلم المعبرة عن الذات الإلهية
يتميز القرآن بأن المتكلم فيه هو الله، فتأتي الضمائر مناسبة لمقام الألوهية (التعظيم، القدرة، التوحيد) وتمثل حال المتكلم العظيم.
١ - الضمير "نا" وفي مقامات:
- مقام التعظيم: يستخدم غالباً في سياق "الفعل الإلهي" العظيم (الخلق، الإنزال، النصر، العذاب، المنة). قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٢] تناسب عظمة الحدث.
- مقام التثبيت: قال تعالى:{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١١٩]، العظيم يطمئن عبده صلى الله عليه وسلم ويسليه ويثبته.
٢ - الضمير "نحن": فيه نبرة أعلى من "نا"، ويأتي للحصر، والاختصاص، والرد على من ينازع الله في ملكه.
- مقام الحصر: قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [سُورَةُ الكَهْفِ: ١٣]. (لا غيرنا).
- مقام الاختصاص: قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجز: ٢٣]. اجتماع "إنا" و"اللام" و"نحن" للرد على من يدعي القدرة على الإحياء، ولبيان أن الإرث المطلق لله وحده.
تنبيه: أثار بعض المفسرين قضية أن "نحن" في بعض المواضع قد يُراد بها "الملائكة" مجازاً، مثل قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. وذهبوا إلى أن القرب هنا هو قرب "ملائكة الموت" أو "الحفظة"، تنزيهاً لله عن الحلول والمكان. وقد توسع بعض المبطلين في هذا المعنى حتى زعموا أن كل "نحن" في القرآن للملائكة، وهذا انحراف عقدي ولغوي خطير تصدت له المحاضرات بالتحليل والنقد.
الرد على التعميم الفاسد:
استند البعض إلى هذا التفسير الجزئي ليزعم أن الأفعال المسندة إلى "نا" و"نحن" هي أفعال الملائكة. وهذا باطل قطعاً بدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا}. فلو كانت "نا" في "قلنا" تعود على الملائكة، لصار المعنى: "وقالت الملائكة للملائكة اسجدوا!"، وهذا محال عقلاً، لأن الملائكة لا يأمرون بعضهم استقلالاً، وهم مأمورون من قبل الله.
التوجيه الصحيح: في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، أن الضمير "نحن" يعود على الله عز وجل، ومعنى القرب هنا هو "قرب العلم، والإحاطة، والقدرة، والشهادة"، وهو أقوى وأخطر من قرب الذات والمكان، فالله أقرب للإنسان بعلمه من عرقه الذي يضخ الدم في جسده. ولا حاجة لتأويلها بالملائكة إلا من باب "المجاز العقلي" أو إطلاق "السبب وإرادة المسبب"، حيث الملائكة جنود الله، وقربهم تنفيذ لأمره، لكن الفاعل الحقيقي والمهيمن والقريب بعلمه هو الله.
فالأصل أن "نحن" في كتاب الله هي لله عز وجل، ولا يُعدل عن هذا الأصل إلا بدليل قاطع.
والحمد لله رب العالمين.......