بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: فيعتبر علم أصول الفقه من أروع ما أنتجه الفكر الإسلامي، وأفصح ما أبدعته العبقرية العلمية، فهو العلم المعياري والاستنباطي الذي يهدف إلى ضبط المنظومة الشرعية والقانونية، والتي تحكم بدورها المنهج السلوكي في حياة الفرد والجماعة. ومن هذا المنطلق، كان لزاماً على هذا العلم - كغيره من المعارف - أن يواكب مسيرة الحياة التي تشهد اليوم تغيرات هائلة وتطورات مذهلة تمتد من الذرة إلى المجرة، لتشمل شتى مجالات الحياة في تجلياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن تداخل العلاقات الدولية والتمازج بين الأمم والحضارات، وصولاً إلى التأثير في محيط العبادات وفضاء المعتقدات. إن الدعوة إلى تجديد علم أصول الفقه ليست مجرد رفاهية فكرية، بل هي ضرورة يمليها الواقع المعاصر الذي تعقدت مسائله، إلا أن الناس في تعاطيهم مع هذا المصطلح قد انقسموا إلى طرائق قدداً؛ فمنهم من لديه نهم بمجرد الكلمة دون وعي بحقيقتها أو أدواتها، وهو الصنف الذي يرفض كل قديم ويتطلع لكل جديد بعاطفة عاصفة تفتق...
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع. الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية. فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف. يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...