الاثنين، 26 يناير 2026

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم وأنواعه

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة وعلى المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين 

أما بعد:

فإن اللغة في منظورها البلاغي أشبه بمصنع الدلالة المتكامل، حيث يأخذ قسم المعجم المواد الخام ويضع لكل مادة استعمالاً محدداً، لتستخدم في سياقات مختلفة تنتج معاني متجددة.

فنجد فروقاً دقيقة في استعمالات الألفاظ القرآنية التي قد تبدو مترادفة للوهلة الأولى، مثل الفرق بين "القنوت" و"القنوط"؛ فالقنوت هو: قمة الإيمان والطاعة والخشوع والسكون في العبادة، بينما القنوط هو: غاية الكفر واليأس من رحمة الله وانقطاع الرجاء. 

ومن ذلك أيضاً التفريق الدقيق بين لفظي "الإله" و"الرب". فكلمة "الرب" تستعمل عند الحديث عن الخلق والتدبير والمالكية والسيادة والتربية، كما في قوله تعالى: { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا }[سُورَةُ الكَهْفِ: ١٤]، فهذا سياق إقرار بالربوبية والملك. أما كلمة "الإله" فتعني المعبود الذي تألهه القلوب، وتستخدم في سياق الدعاء والعبادة والتوجه، فنقول في الدعاء "يا إلهنا" أو "اللهم" (يا الله)، ولا توضع كلمة الرب مكان الإله، ولا العكس إلا لدلالة بلاغية مقصودة تستدعيها مقتضيات السياق.

وقد يُثار تساؤل بلاغي عميق حول قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٥]، لماذا استخدم لفظ الجلالة "الله" ولم يقل "الرب" مع أن الرحمة والإنعام من صفات الربوبية؟ 

والجواب يكمن في تقسيم الرحمة في القرآن إلى نوعين: 

اﻷول: رحمة عامة تشمل كل شيء كما في قوله: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٥٦]، وهذه من مقتضيات الربوبية الشاملة للخلق كلهم. 

الثاني: رحمة خاصة للمتقين كما في قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٥٦]. 

فالرحمة المقصودة في آية البقرة هي الرحمة الخاصة التي يختص الله بها عباده الذين خصوه بالعبادة (الألوهية)، فجاء لفظ "الله" الدال على الألوهية ليناسب هذا الاختصاص، فكأنه يقول: لما خصوه بالعبادة خصهم بالرحمة، فكان الجزاء من جنس العمل، والاسم مناسباً للمسمى.

ومن لطائف البلاغة في الصيغ الصرفية، الفرق بين "الرحمن" و"الرحيم" في سورة الفاتحة. فكلمة "رحمن" جاءت على وزن "فعلان"، وهي صيغة تدل في العربية على الامتلاء والسعة والشمول والحدوث (مثل غضبان وسكران وعطشان)، فتناسب رحمة الدنيا العامة التي تشمل البر والفاجر. أما "رحيم" فهي على وزن "فعيل"، وهي صفة مشبهة تدل على الثبات والدوام واللزوم، فتناسب رحمة الآخرة الدائمة الخاصة بالمؤمنين.

 محصلة هذه الدلالات مجتمعة تشكل ما يسمى بالدلالة البلاغية أو الأسلوبية التي تعطي النص القرآني تفرده.


 حقيقة الإعجاز القرآني وسر تحديه 

معنى الإعجاز لغة مشتق من "أعجزه الشيء" أي فاقه ولم يقدر عليه. 

ويُعرف الإعجاز عند الباحثين والدارسين الذين كتبوا في علوم القرآن بأنه "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة". 

والقرآن الكريم جاء خارقاً لعادة العرب في كلامهم؛ فهو لا يشبه الشعر في أوزانه، ولا السجع في تكلفه، ولا خطب الكهان، وفي الوقت نفسه يجري على سنن العرب وقواعدهم، فتحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا.

وقد تدرج التحدي القرآني للعرب في ثلاث مراحل:

اﻷولى: تحداهم أولاً أن يأتوا بحديث مثله في قوله تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) }[سُورَةُ الطُّورِ: ٣٣-٣٤]، فعجزوا.

الثانية: فلما عجزوا، تنزل معهم وتحداهم بعشر سور: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[سُورَةُ هُودٍ: ١٣].

الثالثة: فلما عجزوا، تحداهم بسورة واحدة في سورة البقرة: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٣].

وهذا التحدي قائم ومستمر، لم يستطع أحد أن يعارضه، وكل المحاولات التي تمت عبر التاريخ كانت "فاشلة ومضحكة". وهناك رأي لبعض العلماء لا يشترط التحدي في المعجزة، بل يكتفي بأنها أمر خارق للعادة يجريه الله لتأييد نبيه، ووفق هذا الرأي يمكن اعتبار الإشارات العلمية والطبية والفلكية والرياضية والجيولوجية والتشريعية في القرآن وجوهاً للإعجاز، وإن لم تكن مناط التحدي المباشر للعرب الأقحاح الذين كان تحديهم في البيان.

سر إعجاز القرآن: جدلية النظم والصرفة

اختلف العلماء في تحديد وجه الإعجاز الدقيق:

اﻷول: يرى جمهور البلاغيين، وعلى رأسهم الأستاذ محمود شاكر، أن وجه الإعجاز يكمن في "النظم والفصاحة والبلاغة" فقط. فالإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه، ومباينة خصائصه للمعهود من كلام البشر في لغة العرب وفي سائر لغات البشر. ويرى هؤلاء أن الإشارات العلمية والتاريخية هي "دلائل" على أنه من عند الله العليم الخبير، لكنها ليست مناط التحدي؛ لأن التحدي كان للعرب في لغتهم وبيانهم، وهم أهل الفصاحة.

ويؤكد محمود شاكر في تحليله أن قليل القرآن وكثيره في شأن الإعجاز سواء، وأن التحدي لم يُقصد به الإتيان بمثل القرآن مطابقاً لمعانيه، بل أن يأتوا بأي كلام يشبه نظمه وبيانه، ومع ذلك عجزوا. وهذا التحدي للثقلين (الإنس والجن) قائم إلى يوم الدين. فالذين تحداهم القرآن كانوا يملكون القدرة الفطرية على التمييز بين كلام البشر وكلام الخالق، وأدركوا بحسهم اللغوي أن هذا النظم خارج عن طوق البشر وجنس بيانهم.

إلا أن حصر الإعجاز في "النظم" وحده يثير إشكالات عديدة، منها أن التحدي عام للناس كافة وليس للعرب وحدهم، والقرآن أنزل للناس كافة، ولا يجوز تحدي غير المتخصص فيما لا يحسنه. 

والثاني: أن وجوه الإعجاز تتعدد لتشمل التشريع والغيبيات والعلوم، ليظل التحدي قائماً لكل عصر بما برع فيه أهله. فمثلاً، هل وصل أحد من الأمم إلى التشريع الذي أتى به القرآن؟ الواقع يشهد أن الأمم كلها تتخبط في التشريعات والقوانين، وسر فساد أحوالهم أنهم لم يأتوا بتشريع كتشريع القرآن.

مناقشة قضية الصرفة:

ذهب النظام إلى القول بـ "الصرفة"، وهي: أن إعجاز القرآن إنما هو بأن الله "صرف" همم العرب وعقولهم عن محاولة معارضة القرآن والإتيان بمثله، ولو لم يصرفهم لكانوا قادرين على الإتيان بمثله لأنهم أهل اللغة. 

وهذا قول فاسد مردود عند جمهور العلماء؛ لأنه يعني أن القرآن في ذاته ليس معجزاً، بل هو مقدور للبشر، وهذا ينافي قداسة النص. 

والرد عليهم: هل يعقل أن يصرف الله قلوب الناس عن ذلك قسراً ثم يتحداهم بالإتيان بمثله؟! هذا عبث يتنزه عنه الله.

ويمكن "تصحيح مفهوم الصرفة" بفهم مستنبط من كلام عبد القاهر الجرجاني: أن العرب حين سمعوا القرآن ووجدوه في غاية الفصاحة والبلاغة وقوة النظم، ردوا إعجازه إلى قوة لا يستطيعون مقاومتها، وأدركوا أنهم لا طاقة لهم به، فـ"انصرفت" هممهم عن المعارضة يأسًا وإقراراً بالعجز وتفوق بلاغة القرآن، لا قسراً خارجياً. فهي صرفة نابعة من ذهولهم أمام قوة النص.


الإعجاز الصوتي

الإعجاز الصوتي هو ذلك النوع من الإعجاز الذي يختص بدراسة الإيحاءات الدلالية للأصوات من حيث تركيبها، وما يشتمل عليه هذا التركيب من تناسب صوتي بين الحروف من جهة الجرس والتناغم، وتناسب دلالي وسياقي بين الأصوات والمعنى العام للكلام. وبعبارة مختصرة، هو: "النظر فيما يوحي به التشكيل الصوتي للكلمات من خلال العلاقة بين صفات الأصوات ومخارجها وبين السياق الذي وردت فيه".

يدرس هذا العلم دلالة الأصوات في القرآن من جهتين رئيسيتين:

الأول: صفات الحروف، وسماتها: مثل (الهمس والجهر، الشدة والرخاوة، التكرار والانفجار، الإطباق والانفتاح، الاستعلاء والاستفال). هذه الصفات ليست مجرد حلية صوتية، بل تُسهم في خلق تناغم بين الصوت والمعنى، فلكل وظيفة "صفات" تلائمها.

الثاني: مخارج الحروف: (من أقصى الحلق، وسط الحنك، بين الأسنان، الشفتين، إلخ). كل مخرج يمنح الصوت طاقة خاصة تناسب ما يراد من دلالته.

المنهج في تحليل الإعجاز الصوتي:

تسير الدراسة التحليلية وفق خطوتين:

اﻷولى: فحص المؤهلات الصوتية: بمعنى دراسة الحرف من حيث مخرجه وصفاته الذاتية.

الثانية: مقارنة المؤهلات بالسياق: البحث هل يناسب هذا الصوت بصفاته ومخرجه الجو العام للآية؟ وهل هناك انسجام بين الصوت وهيئته وبين المعنى ودلالته؟ فأحياناً يكون التناسب شكلياً صوتياً، وأحياناً يكون معنوياً دلالياً، وأحياناً يجتمع الاثنان.

ورغم أن الأصوات هي اللبنات الأولى لبناء اللغة، فإنها لم تحظ بالعناية الكافية في الدراسات البلاغية واللغوية القديمة مقارنة بغيرها. ويرجع ذلك لسببين: 

اﻷول: صعوبة البحث في هذا المجال؛ لأنه مجال رمزي دقيق عسير على التقعيد يعتمد على الحس اللغوي العميق. 

والثاني: قدرة الباحث فيه تعتمد غالباً على التخمين والتذوق، فوضع قواعد عامة صارمة أمر صعب.

تأصيل الظاهرة عند النحويين واللغويين القدماء

نجد إرهاصات وإشارات دقيقة لهذا العلم عند المتقدمين، وإن لم تكن في صورة نظرية متكاملة:

١ - الخليل بن أحمد الفراهيدي: لاحظ ظاهرة "محاكاة الأصوات"، فقال في تعليله لألفاظ العرب: "كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومداً فقالوا (صرّ)، وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا (صرصر)". 

فالعرب لم تضع الألفاظ اعتباطاً، بل راعت المناسبة؛ فتضعيف الراء في "صر" يناسب الاستطالة، والتقطيع في "صرصر" يناسب تقطيع صوت البازي.

٢ - سيبويه: أصل للظاهرة صرفياً بشكل أعمق بعد الخليل، فلاحظ أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (خشن / اخشوشن). وقال عن "اخشوشن": "كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد كما قالوا اعشوشبت الأرض إذا كثر عشبها". 

وتحدث عن المصادر التي تأتي على وزن واحد عند تقارب المعاني، مثل صيغة "الفَعَلان"، فقد لاحظ سيبويه أن المصادر مثل: (النزوان، النقزان، القفزان، العسلان، الرتكان، الغليان، الغثيان، الخطران، اللمعان، اللهبان، الصخدان، الوهجان)، كلها تشترك في معنى مركزي واحد وهو "الاهتزاز والاضطراب مع الارتفاع والحركة والهيجان". وهذا المعنى مأخوذ من غليان الحب في القدر، حيث يتحرك ويقفز ويرتفع. كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ}. كلمة "الحيوان" هنا ليست اسماً للكائن الحي، بل هي مصدر على وزن "فَعَلان".

ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحركة والاضطراب والحياة المتدفقة، كان المعنى: الحياة الكاملة الحقيقية التي تضج بالحركة والحيوية والخلود، بخلاف حياة الدنيا. وهي دلالة صرفية محضة مستنبطة من بنية الكلمة الصوتية.

دلالة الأصوات عند ابن جني وتطبيقاتها

يعد ابن جني (صاحب كتاب الخصائص) المؤسس الحقيقي لدراسة القيمة الدلالية للأصوات، خاصة في بابه الشهير "إمساس الألفاظ أشباه المعاني". فكرته الأساسية أن العرب راعت في كثير من ألفاظها مطابقة أصوات الحروف للأحداث التي تعبر عنها، فيختارون الصوت المناسب للمعنى المناسب.

الأمثلة عند ابن جني:

١ - الخضْم والقضْم:

الخضم: يستعمل لأكل الشيء الرطب السهل (كالبطيخ والقثاء). حرف الخاء رخو احتكاكي يناسب اللين والرطوبة.

القضم: يستعمل لأكل الشيء اليابس الصلب (كقضم الدابة للشعير). حرف القاف شديد انفجاري يناسب اليبوسة والقوة والصلابة.

يقول ابن جني: "خذا مسموع الأصوات على محسوس الأحداث"، أي اختاروا الصوت الرخو للحدث اللين، والصوت الشديد للحدث الصلب.

٢ - النضْح والنضْخ:

فالخاء في نضخ أقوى من الحاء في نضح، فدل النضخ على فوران الماء بقوة وغزارة، ففي قوله تعالى في سورة الرحمن: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ}، وهو ما يناسب وصف عيون الجنة التي تتدفق بغزارة وقوة لا تنقطع، بينما النضح للرش الخفيف، كما ورد في الحديث: "رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى... فإن أبت نضح في وجهها الماء"، أي رش رشا خفيفاً يوقظ ولا يؤذي. 

٣ - صيغ السرعة:

توالي الحركات المفتوحة (بَشَكَ، جَمَزَ، وَلَقَ) يوحي بسرعة الحدث وخفته، فالصوت المتتابع يشبه حركة الحدث السريعة.

٤ - صيغة "استفعل" للطلب:

حروف الزيادة (السين والتاء) تمهد صوتياً لمعنى الطلب قبل نطق الجذر (استسقى = طلب السقيا، استوهب = طلب الهبة). فالحروف الزائدة تدل على المعنى قبل وصول أصل الفعل.

٥ - التكرار في المصادر الرباعية:

الكلمات المضعفة (صرصر، قلقل، صلصل، قعقع، صعصع، جرجر، زلزل، زحزح، وسوس، نحنح) تدل بنيتها المكررة على تكرار الحدث. "الوسوسة" مثلاً ليست مرة واحدة بل هي إلحاح متكرر، وتكرار صوت (وس - وس) يحاكي هذا الإلحاح الخفي.

التنافر الفني في الأصوات

ناقش البلاغيون المتأخرون مسألة "تنافر الحروف" واعتبروها عيباً مخلاً بالفصاحة، وضربوا مثلاً بكلمة "مُسْتَشْزِرات" في شعر امرئ القيس (غدائره مستشزرات إلى العلا). لكن الناقد الحديث (د. محمد النويهي) يرى فيه "تنافراً فنياً مقصوداً". فالشاعر يصف شعراً فاحشاً في الكثافة، متداخلاً، متشابكاً، مرتفعاً، فجاءت الكلمة "مستشزرات" بتركيبها الصوتي الخشن المتشابك (شين، زاي، تاء، راء) لترسم صورة هذا الشعر وتوافقه. فهو تنافر يخدم المعنى وليس عيباً، بل هو "تنافر جميل" إن صحت العبارة.

التوظيف البلاغي للأصوات (الاختيار والعدول والتكرار)

يقوم الأسلوب في البلاغة على ثلاثة أسس رئيسة: الاختيار، العدول، التكرار.

أولاً: الاختيار الأسلوبي:

هو: انتقاء المبدع لألفاظ معينة من بين بدائل اللغة المتاحة (المعجمية أو الصوتية أو الصرفية) للتعبير عن دلالة خاصة.

١ - مثال (ضيزى): في قوله تعالى: { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) }[سُورَةُ النَّجْمِ: ٢١-٢٢]، كان يمكن القول "جائرة" أو "ظالمة" أو "فاسدة". لكن اختيرت "ضيزى" لغرابتها وتنافر صوتها (ضاد مكسورة ثم ياء وزاي)، وانفتاح الفم عند نطقها بطريقة توحي بالنفور والاستنكار، لترسم بشاعة هذه القسمة وجورها.

٢ - مثال (اثاقلتم): في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: 38]. اللفظة فيها "إدغام" و"شدة" (أصلها تثاقلتم). هذا الثقل في النطق والمد الطويل يرسم لحال المتثاقل المتباطئ الذي يحاول القيام فيغلبه وزنه فيترنح ويسقط، محاكاة ساخرة لحال المتقاعسين عن الجهاد.

٣ - مثال (يصطرخون): {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }[سُورَةُ فَاطِرٍ: ٣٦-٣٧]. أصلها "يصرخون". زادت "تاء الافتعال" وقلبت "طاء" لتجاور الصاد المفخمة. فاجتمع الصاد والطاء (تفخيم وإطباق) ليدل على صراخ عظيم متكرر، مع جهد ومعاناة، واصطكاك الأصوات يحاكي اصطكاك أهل النار وتشبثهم بالجدران. 

ثانياً: العدول.

هو: الخروج عن النمط المألوف، أو القاعدة المستقرة لإحداث صدمة شعورية أو دلالة إضافية. 

ولا يكون العدول مقبولاً إلا بشروط: 

١ - إذا كان العدول عن قاعدة لغوية. 

٢ - إذا كان العدول عن العرف. 

٣ - إذا كان العدول عن السياق. 

٤ - إذا كان العدول لغرض فني.

أنواع العدول:

١ - العدول عن القاعدة اللغوية:

مثال: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} (سورة الفتح). الأصل والقاعدة "عليهِ" بالكسر. عُدل إلى الضم "عليهُ" لتفخيم لفظ الجلالة بعدها، وهذا التفخيم يناسب سياق "العهد" الذي هو بيعة الرضوان (بيعة الموت)، فالمقام مقام هيبة وجلال وقوة تستدعي التفخيم الصوتي.

٢ - العدول عن الشائع إلى النادر:

مثال: الإمالة في: { وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }[سُورَةُ هُودٍ: ٤١]. الأصل في قراءة حفص وشائع اللغة عدم الإمالة. عُدل هنا للإمالة؛ لأن الألف الممالة صوت "مائل" غير مستقر، يناسب حركة السفينة وهي تجري وتميد بين الأمواج وتضطرب. أما في قوله {وَمُرْسَاهَا} (الرسو) لم تأتِ إمالة؛ لأن الرسو ثبات واستقرار، فناسبه الصوت "المستقيم" المفتوح بلا ميل.

٣ - العدول السياقي:

مثال الفاتحة: الانتقال من الغيبة { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) } إلى الخطاب { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }. لرعاية حال المتكلم الذي ينتقل من الغفلة إلى الحضور والمشاهدة.

 ٤ - العدول بفك الإدغام:

قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]. الأصل "يحبّكم" بالإدغام. جاءت بفك الإدغام {يُحْبِبْكُمُ} لإظهار الباء مرتين. وهذا التكرار وتفكيك اللفظ يوحي بالتدليل والتودد وتتابع المحبة، ويتناسب مع سياق الرحمة والاتباع.  بخلاف قوله في آية أخرى {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} بالإدغام؛ لأن السياق هناك سياق جهاد وقوة {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، فناسبه الإدغام الذي يوحي بالشدة والتماسك.

٥ - العدول الصوتي في صيغة "يهدي":

قال تعالى: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }[سُورَةُ يُونُسَ: ٣٥]. أصلها "يهتدي". جاءت بتشكيل صوتي معقد يوحي بالتعثر والبطء والمشقة وطول الطريق. 

والمعنى: أن شركاءهم لا يهتدون إلا بمشقة وعناء، أو لا يكادون يهتدون، محاكاة لتعثر الصنم أو العاجز، بخلاف هداية الله المباشرة.

٦ - العدول المعجمي:

في قوله تعالى: { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا}[سُورَةُ الكَهْفِ: ١٤]، عدلوا عن "ربا" إلى "إلها" لأن السياق سياق دعاء وعبادة. 

وفي قوله: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٥]، عدل عن "الرب" إلى "الله"؛ لأن الرحمة هنا خاصة بالمتقين، فناسبها اسم الألوهية.

ثالثاً: التكرار الصوتي:

التكرار ليس عيباً إذا اقتضاه المقام، بل هو وسيلة إيحائية قوية.

تكرار الحروف والمقاطع:

١ - قوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا}: تكرار الكاف والباء (كب كب) يحاكي صوت تدهورهم وسقوطهم في النار مرة بعد مرة، وارتطامهم بالقاع بعنف.

٢ - قوله تعالى: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } [سُورَةُ النَّاسِ: ٥]: تكرار (وس وس) يحاكي العمل الخفي المتكرر المتردد للشيطان.

٣ - تكرار الميم في آية نوح: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} [هود: 48]. اشتملت الآية على ثماني ميمات. الميم حرف شفوي، فيه غنة وانطباق، يوحي بالضم والجمع والاستقرار. وقد لوحظ بتأمل دقيق أن الآية تتحدث عن بداية الخلق الثاني بعد الطوفان، والأمم التي نجت في السفينة هي أربعة أجناس (إنس، جن، دواب، طير)، من كل زوجين اثنين (4 أجناس × 2 = 8). فجاءت الميمات الثماني محاكاة عددية وصوتية لهذا الجمع المبارك المستقر، في مقابل تشتت الهالكين.

٤ - تكرار الدال: في قوله تعالى: { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } [سُورَةُ الجِنِّ: ١١]. تتابع الدال المفتوحة مع الكسر قبلها يوحي بالتقطع والتفرق والاختلاف (مذاهب شتى). بينما في قوله {لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا}، تكرار الدال مع المد يوحي بالامتداد والاستمرار لا التقطع.

٥ - سورة القمر عامة مبنية على التكرار (تكرار الآيات "فهل من مدكر"، تكرار الإنذار، تكرار القصص)، فختمت آياتها بحرف "الراء" {مُسْتَمِرّ، مُّسْتَقِرّ، مُّزْدَجَر}، والراء حرف "تكراري" في صفته الذاتية، فناسب جرس الفواصل موضوع السورة العام وبناءها.


ظاهرة التضمين

التضمين هو: "أن يُشرَب لفظٌ معنى لفظٍ آخر"، فيعطى حكمه، وغالباً ما يظهر في تعدية الأفعال بحروف جر لا تتعدى بها في الأصل، مما يثري المعنى ويوجزه.

الخلاف حول التضمين:

المذهب اﻷول: النحويون (الكوفيون ومن تبعهم): يذهبون إلى القول بـ "النيابة في الحروف" أو "التعاقب"، أي أن حرف الجر "من" يأتي بمعنى "على"، و"إلى" بمعنى "مع"، وهكذا.

المذهب الثاني: البلاغيون والمحققون (ابن تيمية، ابن كثير، ابن هشام): يرفضون القول بأن الحروف تنوب عن بعضها اعتباطاً أو أن الحروف زائدة، ويرون "التضمين". أي أن الفعل هو الذي ضُمن معنى فعل آخر فناسبه الحرف الجديد. وهذا أبلغ: لأنه يعطي معنيين بدلاً من معنى واحد، ويحفظ لكل حرف دلالته الأصلية. 

نماذج تطبيقية للتضمين:

التضمين في الأفعال:

١ - قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77]، نجد أن الفعل "نصر" قد تعدى بحرف الجر "من"، والأصل اللغوي المعتاد في "نصر" أن يتعدى بـ "على" فيقال: (نصر زيد عمراً على عدوه). لكن القرآن عدل عن "على" إلى "من" لغرض بلاغي دقيق، وهو تضمين الفعل "نصر" معنى فعل آخر هو "نجى". فالمعنى المراد هو الجمع بين النصر والنجاة في عبارة موجزة: "نصرناه من القوم فكان النصر نجاة له"، أو "نجيناه من القوم فكانت النجاة نصراً له". وهذا يسمى التضمين، حيث يشرَّب اللفظ معنى لفظ آخر ليؤدي دلالتين في آن واحد، فيتحقق الإيجاز والإعجاز. 

٢ - قوله تعالى: {يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63]. الفعل "خالف" يتعدى بنفسه (يخالفون أمره). تعديته بـ "عن" لتضمينه معنى "يصدون" أو "يعرضون" أو "يحيدون". فالمخالفة قد تكون غير مقصودة، لكن التضمين هنا أضاف معنى "الحيد والإعراض" المقصود، لبيان استحقاق العقوبة والتحذير من الفتنة.

٣ - قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6]. الأصل "يشرب منها". ضُمن "يشرب" معنى "يرتوي"، والباء للإلصاق، أي: يرتوون بها ارتواءً كاملاً مباشراً، أو يلتذون بها.

٤ - قوله تعالى: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100]. الأصل "أحسن إليّ". ضُمن معنى "لَطَفَ بي". واللطف هو الإحسان الخفي الدقيق. ويوسف وصل إلى الملك عبر سلسلة من الابتلاءات (الجب، السجن) التي ظاهرها شر وباطنها لطف ورحمة، فناسب ذلك "أحسن بي" (أي لطف بي في تدبيره الخفي).

٥ - {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}. ضمن معنى "استعجل"، أي سأل مستعجلاً بعذاب.

التضمين في الأسماء:

قال تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران: 52]. أي "من أنصاري متوجهين معي إلى الله" أو "مضيفين نصرتهم إلى الله". ضُمن معنى الانضمام والتوجه. 

التضمين في المصادر:

قال تعالى: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 8]. الفعل "تبتل" على وزن (تَفَعَّلَ) يدل على التكلف والمجاهدة في البداية. مصدره القياسي "تبتُلاً". لكن الآية جاءت بالمصدر "تبتيلاً" (مصدر فعّل: بتّل). هذا المزج بين صيغة "تفعل" (في الفعل) وصيغة "تفعيل" (في المصدر) يجمع دلالتين: ابدأ بالمجاهدة والتكلف (تبتّل)، لتصل إلى حالة الانقطاع التام والكثرة والمبالغة (تبتيلاً)، فجمعت البداية والنهاية في تعبير واحد. 

- أمثلة على ظاهرة التضمين:

المثال الأول: قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]. كلمة "الرفث" في اللغة تتعدى بـ "الباء" (رفث بها)، لكنها جاءت هنا متعدية بـ "إلى". والعلة البلاغية هي أن القرآن أراد تهذيب اللفظ وتضمينه معنى "أفضى"، لأن الإفضاء يتعدى بـ "إلى" كما في قوله: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}. فأراد النص القرآني أن يضمن معنى الإفضاء الذي فيه عفة وارتقاء، مع بقاء دلالة الرفث، فاستخدم حرف الجر الخاص بالإفضاء مع كلمة الرفث، ليرتقي بالتعبير عن الغريزة إلى مستوى أدبي رفيع.

المثال الثاني: الدلالة الصوتية في قوله تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} [الأنعام: 80]. نلاحظ الفرق في المد الصوتي بين "حاجه" و"أتحاجوني". ففي "حاجه" مد لازم يمد ست حركات، لكن في "أتحاجوني" اجتمع مدان لازمان وتشديد، مما جعل الكلمة طويلة جداً (أربع عشرة حركة صوتية أو أكثر في التلقي). والمقصود هنا أنهم جادلوه، فجادلهم هو بأطول وأكثر مما جادلوه به، فجاء الطول الصوتي للكلمة دليلاً ومحاكياً لطول الحجة وقوتها، وهذا له شواهد في اللغة حيث يرتبط طول المبنى بطول المعنى، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.


رعاية حال المتكلم

البلاغة هي "مطابقة الكلام لمقتضى الحال". جرت العادة عند البلاغيين دراسة "حال المخاطَب" (منكر، متردد، خالي الذهن) وما يقتضيه من توكيد أو إطلاق. لكن الإعجاز القرآني يظهر أيضاً في جانب دقيق هو "رعاية حال المتكلم" نفسه، أي: أن الكلام يخرج مصوراً لما يعتلج في نفس القائل، أو مناسباً لمقامه، بغض النظر عن حال المخاطب.  

- التطبيقات

١ - مثال كريا عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا}. أكد الكلام بـ "إني"  لبيان مقام ضعف وانكسار واسترحام حال زكريا، فيؤكد شكواه ليعبر عن شدة افتقاره وحاجته. 

٢ - مثال امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ}. التوكيد يعبر عن حسرتها وحزنها لما كانت ترجو ذكراً لخدمة المعبد. وتسمية "الأنثى" هنا جاءت في سياق التحسر، لكن الله جبر خاطرها بقوله {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} أي ليس الذكر الذي طلبتِ كالأنثى التي وُهبتِ في الفضل والمكانة .

٣ - مثال المنافقون: عندما لقوا الذين آمنوا قالوا {آمَنَّا}: جملة فعلية خالية من التوكيد؛ لأنهم لا يشعرون بحلاوة الإيمان، والكلام ثقيل على قلوبهم، أو يعلمون شك المؤمنين فيهم فتكلموا باقتضاب. وعندما خلوا إلى شياطينهم قالوا {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (توكيد بـ إن، جملة اسمية، حصر بـ إنما). لأنهم رجعوا إلى بيئتهم وانشرحت صدورهم بالكفر، فعبروا عن حالهم الحقيقي ونشاطهم النفسي بقوة وتوكيد. 

٤ - مثال يوسف عليه السلام: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا}. أكد الرؤيا لشدة اغتباطه وفرحه بها، ولجوئه لأبيه، وليس لأن أباه ينكر عليه.

٥ - إخوة يوسف: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ}. النطق بـ "لا تأمنّا" فيه "إشمام" (حركة خفية بين الضم والسكون) أو "رَوْم". هذا الاضطراب الصوتي وعدم إتمام الحركة يحاكي الاضطراب النفسي في داخلهم؛ لأنهم يكذبون ويدبرون مكيدة، والمرتكب للجرم لا يستقيم لسانه باللفظ الصريح الكامل كالواثق، ففضحهم الصوت.


ضمائر التكلم المعبرة عن الذات الإلهية

يتميز القرآن بأن المتكلم فيه هو الله، فتأتي الضمائر مناسبة لمقام الألوهية (التعظيم، القدرة، التوحيد) وتمثل حال المتكلم العظيم.

١ - الضمير "نا" وفي مقامات: 

- مقام التعظيم: يستخدم غالباً في سياق "الفعل الإلهي" العظيم (الخلق، الإنزال، النصر، العذاب، المنة). قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[سُورَةُ يُوسُفَ: ٢] تناسب عظمة الحدث.

- مقام التثبيت: قال تعالى:{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ }[سُورَةُ البَقَرَةِ: ١١٩]، العظيم يطمئن عبده صلى الله عليه وسلم ويسليه ويثبته.

٢ - الضمير "نحن": فيه نبرة أعلى من "نا"، ويأتي للحصر، والاختصاص، والرد على من ينازع الله في ملكه.

- مقام الحصر: قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [سُورَةُ الكَهْفِ: ١٣]. (لا غيرنا).

- مقام الاختصاص: قوله تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [الحجز: ٢٣]. اجتماع "إنا" و"اللام" و"نحن" للرد على من يدعي القدرة على الإحياء، ولبيان أن الإرث المطلق لله وحده.

تنبيه: أثار بعض المفسرين قضية أن "نحن" في بعض المواضع قد يُراد بها "الملائكة" مجازاً، مثل قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. وذهبوا إلى أن القرب هنا هو قرب "ملائكة الموت" أو "الحفظة"، تنزيهاً لله عن الحلول والمكان. وقد توسع بعض المبطلين في هذا المعنى حتى زعموا أن كل "نحن" في القرآن للملائكة، وهذا انحراف عقدي ولغوي خطير تصدت له المحاضرات بالتحليل والنقد.

الرد على التعميم الفاسد:

استند البعض إلى هذا التفسير الجزئي ليزعم أن الأفعال المسندة إلى "نا" و"نحن" هي أفعال الملائكة. وهذا باطل قطعاً بدليل قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا}. فلو كانت "نا" في "قلنا" تعود على الملائكة، لصار المعنى: "وقالت الملائكة للملائكة اسجدوا!"، وهذا محال عقلاً، لأن الملائكة لا يأمرون بعضهم استقلالاً، وهم مأمورون من قبل الله.

التوجيه الصحيح: في قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، أن الضمير "نحن" يعود على الله عز وجل، ومعنى القرب هنا هو "قرب العلم، والإحاطة، والقدرة، والشهادة"، وهو أقوى وأخطر من قرب الذات والمكان، فالله أقرب للإنسان بعلمه من عرقه الذي يضخ الدم في جسده. ولا حاجة لتأويلها بالملائكة إلا من باب "المجاز العقلي" أو إطلاق "السبب وإرادة المسبب"، حيث الملائكة جنود الله، وقربهم تنفيذ لأمره، لكن الفاعل الحقيقي والمهيمن والقريب بعلمه هو الله. 

فالأصل أن "نحن" في كتاب الله هي لله عز وجل، ولا يُعدل عن هذا الأصل إلا بدليل قاطع.


والحمد لله رب العالمين.......


الجمعة، 23 يناير 2026

التطور التاريخي للنظام القانوني الإسلامي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.. 

أما بعد:

يُعدّ النظام التشريعي الإسلامي، بشقيه "الشريعة" الثابتة و"الفقه" المتطور، أحد أبرز الأنظمة القانونية العالمية التي استطاعت البقاء والتفاعل مع المتغيرات الحضارية عبر ما يزيد عن أربعة عشر قرناً. هذا النظام، الذي بدأ وحياً منزلاً في مكة والمدينة، تطور ليصبح بناءً فقهياً ضخماً استوعب ثقافات وأعراف شعوب ممتدة من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً. وفي العصر الحديث، واجه هذا النظام تحديات التقنين والمواءمة مع النظم القانونية الغربية، مما أنتج تجربة قانونية فريدة، لا سيما في النموذج المصري الذي زاوج بين التراث الفقهي والصياغة القانونية الحديثة.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك مراحل هذا النظام، بدءًا من لحظة التنزيل في شبه الجزيرة العربية، مرورًا بتشكل المذاهب السنية الكبرى كمدارس قانونية متكاملة، وصولًا إلى لحظة الاصطدام بالحداثة القانونية الأوروبية في القرن التاسع عشر، وما تلاها من حركات تقنين ودسترة في الدولة الوطنية الحديثة.


الشريعة: المفهوم، الخصائص، والمقاصد

أولاً: التعريف اللغوي والاصطلاحي:

في لسان العرب، تطلق "الشريعة" على معنيين محوريين: 

الأول هو "المذهب والطريقة المستقيمة". 

والثاني هو "مورد الماء الجاري الذي يقصد للشرب". 

وهذا الاشتقاق اللغوي يحمل دلالات عميقة؛ فالشريعة هي طريق الاستقامة، وهي في الوقت ذاته مصدر الحياة الروحية والمعنوية كما الماء مصدر الحياة المادية.

أما في الاصطلاح الشرعي، فتُعرف الشريعة بأنها: "الأحكام التي شرعها الله لعباده في الكتاب أو السنة النبوية". 

ثانياً: خصائص الشريعة الإسلامية:

تتميز الشريعة بخصائص ذاتية تجعلها متفردة عن القوانين الوضعية:

1 - الربانية: مصدرها هو الوحي الإلهي، مما يضفي عليها قداسة وهيبة في نفوس المكلفين، ويجعل الالتزام بها عبادة وطاعة قبل أن يكون التزاماً قانونياً.

2 - الجزاء المزدوج: لا تكتفي الشريعة بالجزاء الدنيوي، كالحدود والتعزيرات والضمان المالي، بل تربطه بالجزاء الأخروي، مما يخلق رقابة ذاتية ووازعاً داخلياً.

3 - العموم والعالمية: جاء الخطاب القرآني عاماً لكل البشر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، مما يعني صلاحيتها للتطبيق في مختلف البيئات.

4 - الشمول: تغطي الشريعة كافة مناحي الحياة؛ فهي تنظم علاقة الإنسان بربه (العبادات والعقائد)، وعلاقته بنفسه (الأخلاق)، وعلاقته بغيره (المعاملات والجنايات).

5 - التوازن بين الفرد والجماعة: على خلاف القوانين التي قد تنحاز للفرد (كالرأسمالية) أو للجماعة (كالاشتراكية)، توازن الشريعة بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فالأصل أن الحقوق مكفولة للجميع ما لم يقع ضرر.

6 - الأخلاقية: توصف بأنها "شريعة الأخلاق"، فلا ينفصل القانون فيها عن القيم الأخلاقية. فما هو قانوني يجب أن يكون أخلاقياً، وهي بذلك تراقب السر والعلن.

ثالثاً: مقاصد الشريعة. 

تهدف الشريعة في جوهرها إلى "جلب المصالح ودرء المفاسد". وقد فصل العلماء هذه المصالح في هرمية دقيقة: 

الأول: الضروريات: وهي الأمور التي لا تستقيم الحياة بدونها، وإذا فقدت انهارت منظومة الحياة. وتنحصر في الحفاظ على الكليات الخمس:

1 - حفظ الدين: (مثل حد الردة، والجهاد).

2 - حفظ النفس: (مثل القصاص، وتحريم القتل).

3 - حفظ العقل: (مثل تحريم الخمر والمخدرات).

4 - حفظ النسل: (مثل حد الزنا، وتشريع الزواج).

5 - حفظ المال: (مثل قطع يد السارق، وتحريم الربا).

الثاني: الحاجيات: وهي ما يحتاجه الناس للتوسعة ورفع الحرج، ولكن لا يؤدي فقدانها إلى الهلاك. مثال ذلك: الرخص في العبادات (كالقصر والجمع في السفر)، وإباحة أنواع البيوع والمعاملات.

الثالث: التحسينات: وهي الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، مثل الطهارة، وستر العورة، وآداب الأكل، ونوافل العبادات.

ويضاف إليها "التكميليات"، وهي أمور تشرع لتتميم وحماية المقاصد السابقة، مثل تشريع صلاة الجماعة تكميلاً لحفظ الدين، أو تحريم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة وتكميلاً لحفظ النسل.

رابعاً: الشريعة في مرآة الغرب: 

إن الاعتراف بالشريعة الإسلامية تغلغل في كتابات كبار المفكرين الغربيين، وفي رمزية المؤسسات العريقة، وفي الممارسات القضائية المعاصرة في قلب العواصم الغربية.

١ - ألفريد فون كريمر (1828-1889): هو من أهم الشهود الغربيين على عبقرية النظام القانوني الإسلامي. فيصف الفقه الإسلامي بأنه "أعظم عمل قانوني في تاريخ العالم". 

٢ - في جامعة هارفارد: قامت كلية القانون في الجامعة بتكريم مفهوم العدالة في القرآن الكريم فوضعت، قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، على حائط المدخل الرئيسي لمكتبة الكلية، ووصفتها بأنها "واحدة من أعظم عبارات العدالة في العالم عبر الأزمان". 

٣ - التطبيقات المعاصرة: في الواقع الغربي المعاصر، أصبحت الشريعة جزءاً من الحلول القانونية لمشكلات الأقليات المسلمة، وفي بعض الأحيان، مصدراً ملهماً للقانون الدولي:

أ - ألمانيا: أشاد وزير العدل بولاية راينلاند بفالز الألمانية، "يوخين هارتلوف"، بالشريعة الإسلامية، مصرحاً بإمكانية السماح لمسلمي ألمانيا بحل منازعاتهم الخاصة عبر محكمين مسلمين. 

ب - الولايات المتحدة الأمريكية: صرح "هارولد كو"، المستشار القانوني لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بضرورة إقامة مجالس إسلامية على الأراضي الأمريكية للفصل في النزاعات بين المسلمين. 


الفقه: التعريف، التطور، والعلاقة بالشريعة

أولاً: تعريف الفقه. 

لغة: الفهم المطلق أو الفهم الدقيق للشيء.

اصطلاحاً: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية". 

ثانياً: التطور الدلالي للمصطلح:

لم يكن مصطلح "الفقه" يعني دائماً الأحكام القانونية؛ ففي القرنين الأول والثاني الهجريين، كان يطلق على "الزهد" و"علم الكلام" (العقيدة). ولذلك سمى الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ) كتابه في العقيدة "الفقه الأكبر". وكان تعريفه للفقه حينها شاملاً: "معرفة النفس ما لها وما عليها". ثم استقر المصطلح لاحقاً ليختص بالأحكام العملية (الفرعية) المستنبطة بالاجتهاد.

ثالثاً: العلاقة بين الشريعة والفقه:

1 - العموم والخصوص: الشريعة أعم من الفقه؛ فهي تشمل العقائد، والأخلاق، والأحكام. أما الفقه فيختص بالأحكام العملية فقط.

2 - القطعية والظنية: الشريعة معصومة وثابتة، لا تقبل الخطأ ولا النسخ بعد وفاة النبي ﷺ. أما الفقه فهو عمل بشري، يحتمل الصواب والخطأ، ويقبل التغير بتغير الزمان والمكان. الشريعة واجبة الاتباع في كلياتها، أما الفقه فمنه ما هو ملزم ومنه ما هو محل اجتهاد واختلاف سائغ.

رابعاً: مجالات الفقه:

نظم الفقهاء أبواب الفقه لتشمل كافة جوانب الحياة، ويمكن تصنيفها قانونياً إلى:

1 - أحكام العبادات: (صلاة، صيام، زكاة، حج).

2 - أحكام الأسرة: (زواج، طلاق، نفقات، ميراث).

3 - أحكام المعاملات: (بيع، إجارة، شركات).

4 - الأحكام السلطانية: (نظام الحكم، علاقة الحاكم بالمحكوم).

5 - أحكام الجرائم والعقوبات: (حدود، قصاص، تعزيرات).

6 - أحكام السير: (الحرب والسلم، المعاهدات).

7 - أحكام الآداب: (السلوك الاجتماعي والأخلاقي).


التاريخ التشريعي: العصور والأطوار

مر الفقه الإسلامي بمراحل تاريخية متميزة، انتقل فيها من وحي ينزل، إلى اجتهاد يروى، ثم إلى علم يدون ويقعد.

العصر الأول: عصر النبوة.

يمتد هذا العصر من بعثة النبي محمد ﷺ (حوالي 610م) وحتى وفاته في 11 هـ (632م). 

١ - سمات التشريع: كان مصدر التشريع وحيداً وهو الوحي (القرآن والسنة). كان النبي ﷺ هو المرجع للفتوى.

٢ - الاجتهاد النبوي: كان النبي ﷺ يجتهد في القضايا التي لم ينزل فيها نص، فإن كان اجتهاده صواباً أقره الوحي، وإن كان "خلاف الأولى" نزل الوحي مصحباً وموجهاً، كما حدث في قضية "أسرى بدر".

مراحل التشريع القرآني:

أ - المرحلة المكية (قبل الهجرة): نزل فيها ما يقرب من ثلثي القرآن. ركزت الآيات على بناء العقيدة، وترسيخ القيم الأخلاقية، ومجادلة المشركين. التشريعات العملية كانت قليلة ومجملة (مثل الأمر العام بالصلاة).

ب - المرحلة المدنية (بعد الهجرة): نزل فيها ثلث القرآن. تميزت بتفصيل الأحكام، وتشريع المعاملات، والحدود، وتنظيم المجتمع والدولة، وأحكام الأسرة.

الخصائص التشريعية:

١ - التدرج: مراعاة للواقع وتغييراً للعادات المتجذرة برفق، وأوضح مثال هو تدرج تحريم الخمر (من الذم، إلى المنع وقت الصلاة، إلى التحريم المطلق).

٢ - رفع الحرج: التيسير قاعدة أساسية، مثل تشريع الرخص (الإفطار في السفر والمرض، القصر في الصلاة).

٣ - النسخ: وهو رفع حكم شرعي سابق بدليل شرعي لاحق، استجابة لتطور حال المجتمع الإسلامي.

٤ - السنة كمصدر تشريعي: تنوعت السنة بين قولية، وفعلية، وتقريرية. وعلاقتها بالقرآن تكون إما "مبينة وموضحة" (مثل بيان كيفيات الصلاة)، أو "مؤكدة" لما جاء فيه (مثل بر الوالدين)، أو "منشئة لحكم جديد" سكت عنه القرآن (مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم الحمر الأهلية)، أو "ناسخة" لحكم قرآني (مثل حديث "لا وصية لوارث" الذي نسخ آية الوصية).

العصر الثاني: عصر الصحابة.

يمتد من وفاة النبي ﷺ (11 هـ)، وحتى انتهاء الخلافة الراشدة وعام الجماعة (41 هـ).

١ - المنهجية: عند حدوث واقعة، يبحث الصحابة في القرآن، ثم في السنة (بما يحفظونه منها)، فإن لم يجدوا، لجأوا إلى "الاجتهاد" والقياس.

٢ - الاجتهاد الجماعي (الشورى): تميز هذا العصر بغلبة الطابع الجماعي على الفتوى. كان الخلفاء (أبو بكر وعمر) يجمعون كبار الصحابة (أهل الحل والعقد) ويستشيرونهم في النوازل، فإذا اتفقوا قضوا به.

٣ - الاجتهاد الفردي: وقعت اجتهادات فردية في قضايا لم تجمع عليها الأمة.

نماذج تطبيقية وفلسفة التشريع:

فقه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): تميز فقهه بنظرة مقاصدية عميقة تلتفت إلى "العلل" و"المصالح" ومن اجتهاداته:

١ - المؤلفة قلوبهم: أوقف سهمهم من الزكاة، معللاً ذلك بأن الله أعز الإسلام وأغنى عن تألفهم، فانتفت "العلة" التي شرع الحكم لأجلها.

٢ - أراضي السواد (العراق): رفض تقسيمها على الفاتحين، وقرر وقفها (بقاؤها بيد زراعها مع دفع الخراج) لتكون مورداً دائماً للأجيال القادمة وللدولة، مغلباً "المصلحة العامة".

٣ - عام الرمادة: أوقف حد السرقة للشبهة (الجوع)، تطبيقاً لقاعدة "درء الحدود بالشبهات".

أسباب الاختلاف الفقهي: 

كان الاختلاف قليلاً ومحصوراً، وأسبابه:

١ - تفاوت العلم بالسنة: لم يكن كل صحابي يحفظ كل حديث. (مثال: ابن عباس أفتى بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين، حتى بلغه حديث سبيعة الأسلمية أنها حلت بوضع الحمل فرجع إليه).

٢ - التثبت في الرواية: التشدد في قبول الخبر الواحد خوفاً من الخطأ. (مثال: عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس في عدم وجوب السكنى والنفقة للمطلقة البائن، قائلاً: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت").

٣ - الاختلاف في فهم النص والعلة: (مثال: خلافهم في تفسير "القرء" هل هو الحيض أم الطهر).

٤ - الاختلاف في منهجية المصلحة: (مثال: خلاف أبي بكر وعمر في التسوية في العطاء؛ رأى أبو بكر التسوية سداً لباب الفتنة، ورأى عمر التفضيل بحسب السابقة في الإسلام مصلحةً).

حفظ القرآن:

أ - جمع أبي بكر: كان الباعث "الخوف من ضياع القرآن" بموت الحفاظ في حروب الردة (اليمامة).

ب - جمع عثمان: كان الباعث "اختلاف القراءات" وخوف الفتنة، فجمع الناس على مصحف واحد (الإمام) مرتب السور والآيات، مجرد من النقط والشكل، ومشتمل على الأحرف السبعة.

العصر الثالث: عصر التابعين.

يمتد من عام 41 هـ وحتى نهاية القرن الأول الهجري (أوائل القرن الثاني).

١ - السياق التاريخي: اتسعت الدولة الإسلامية، وتفرق الصحابة في الأمصار (الكوفة، البصرة، الشام، مصر، المدينة)، حاملين معهم علمهم وفقههم.

٢ - الظواهر الجديدة:

أ - اشتداد الخلاف: بسبب تفرق العلماء، وتعذر الإجماع لبعد المسافات، واختلاف الأعراف والبيئات الاجتماعية (بين بيئة الحجاز وبيئة العراق).

ب - ظهور الانقسام المنهجي (المدرستين):

١ _ مدرسة الحجاز (المدينة) - مدرسة الحديث: تميزت: بالوقوف عند النصوص والآثار، والتهيب من "الرأي" (القياس العقلي). ساعدهم في ذلك وفرة الحديث في المدينة واستقرار العمل بها. 

من أعلامها: سعيد بن المسيب (ت 94هـ)، وعروة بن الزبير(ت 94هـ). ورثوا فقه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة.

٢ _ مدرسة العراق (الكوفة) - مدرسة الرأي: تميزت: بالتوسع في استخدام "القياس" و"الرأي" لاستنباط الأحكام للنوازل الجديدة التي لم يرد فيها نص، وتشددوا في قبول الحديث لانتشار الوضع (الكذب) في العراق بسبب الفتن السياسية. 

من أعلامها: إبراهيم النخعي (ت 9٦هـ) وتلميذه حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠هـ). ورثوا فقه عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب. 

٣ - بداية التدوين: أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) بتدوين السنة رسمياً خوفاً من ضياعها، فبدأت حركة التدوين التي مهدت لعصر التصنيف.

العصر الرابع: عصر الازدهار والتدوين.

يمتد من بداية القرن الثاني الهجري (حوالي 130هـ) وحتى منتصف القرن الرابع الهجري.

١ - السمات: هو العصر الذهبي للفقه، حيث تحول الفقه إلى علم مستقل له قواعده (أصول الفقه)، ودوّنت فيه المذاهب الكبرى.

٢ - عوامل الازدهار:

أ - اهتمام الخلفاء العباسيين (المنصور، الرشيد) بالفقه وتقريبهم للعلماء. (طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك تأليف "الموطأ" لتوحيد القضاء، وكلف الرشيد أبا يوسف بتأليف "الخراج").

ب - اتساع رقعة الدولة وتعدد الثقافات، مما ولد نوازل لا حصر لها استدعت اجتهاداً واسعاً.

ج - ظهور النوابغ من الأئمة (أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم مثل الليث بن سعد في مصر، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في الكوفة).

٣ - تطور التدوين:

المرحلة الأولى: تدوين الحديث مختلطاً بفتاوى الصحابة والتابعين (مثل "موطأ" مالك).

المرحلة الثانية: تدوين "المسانيد" (جمع حديث كل صحابي على حدة) مثل "مسند أحمد" (ت 241هـ).

المرحلة الثالثة: التصنيف المنهجي وتجريد الصحيح (الكتب الستة في القرن الثالث الهجري).


المدارس الفقهية الكبرى (المذاهب الأربعة)

شهد هذا العصر تبلور المدارس الفقهية التي كُتب لها البقاء والانتشار، وهي المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي). ويمتد هذا العصر لفترة زمنية طويلة واستثنائية في تاريخ التشريع الإسلامي، حيث يبدأ من سنة 241هـ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أحمد بن حنبل، آخر الأئمة الأربعة، ويستمر حتى سنة 1293هـ، وهي سنة صدور "مجلة الأحكام العدلية" التي مثلت أول تقنين رسمي للفقه الإسلامي في الدولة العثمانية. 

فيما يلي تفصيل دقيق لكل مذهب من حيث التأسيس، الأصول، الأعلام، والكتب:

اﻷول: المذهب الحنفي.

الإمام المؤسس: أبو حنيفة النعمان بن ثابت (ولد بالكوفة 80هـ - توفي ببغداد 150هـ).

١ - سيرته: كان يعمل بتجارة "الخز" (الحرير)، مما أكسبه خبرة بالمعاملات والسوق. بدأ حياته العلمية بدراسة "علم العقيدة" (وسمى كتابه فيه "الفقه الأكبر")، ثم تحول إلى الفقه.

٢ -شيوخه: تتلمذ على يد حماد بن أبي سليمان (ت 120هـ)، الذي أخذ عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود.

٣ - منهجه في التدريس: اعتمد طريقة "الشورى"؛ يطرح المسألة على تلاميذه، ويناقشهم فيها، ولا يدون الحكم إلا بعد اتفاقهم أو تمحيص الآراء.

٤ - أصول المذهب:

أ - الكتاب (القرآن).

ب - السنة (مع التشدد في شروط قبول خبر الآحاد إذا خالف القياس أو الأصول العامة).

ج - أقوال الصحابة (مقدمة على القياس).

د - القياس: توسع فيه جداً واعتبره ركناً أساسياً.

ه - الاستحسان: وهو العدول عن مقتضى القياس الظاهر إلى حكم آخر لدليل أقوى (نص، إجماع، ضرورة). وهو من خصائص المذهب الحنفي.

و - الإجماع.

ي - العرف.

٥ - خصائص الفقه الحنفي:

أ - الفقه التقديري: افتراض مسائل لم تقع بعد وإيجاد حلول لها (استعداداً للبلاء قبل وقوعه).

ب - الحيل الشرعية: إيجاد مخارج شرعية للمآزق القانونية ضمن الأطر المباحة.

٦ - أبرز التلاميذ والأعلام:

١ _ أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم الأنصاري) (ت 182هـ): أول من دوّن المذهب، وتولى منصب "قاضي القضاة" في عهد الرشيد، مما ساهم في نشر المذهب عبر القضاء. أشهر كتبه: "الخراج"، و"الرد على سير الأوزاعي".

٢ _ محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): "المدوّن الأول" للمذهب. كتبه تسمى "كتب ظاهر الرواية" الستة: (المبسوط، الزيادات، الجامع الكبير، الجامع الصغير، السير الكبير، السير الصغير). جمعها الحاكم الشهيد في كتاب "الكافي".

٣ _ زفر بن الهذيل (ت 158هـ): اشتهر بحدة القياس.

٤ _ الحسن بن زياد اللؤلؤي (ت 204هـ). 

٧ - أمهات الكتب:

١ _ "المبسوط": لشمس الأئمة السرخسي (ت 483هـ)، وهو شرح لكتاب "الكافي"، يقع في 31 مجلداً، ويعد موسوعة المذهب.

٢ _ "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع": للكاساني (ت 587هـ) الملقب بملك العلماء. 

٣ _ "شرح فتح القدير": للكمال بن الهمام (ت 861هـ).

٤ _ "مجلة الأحكام العدلية": (صدرت 1876م) كأول تقنين مدني إسلامي.

٨ - الانتشار: العراق، تركيا، الهند، باكستان، أفغانستان، مصر، ودول البلقان.

الثاني: المذهب المالكي.

الإمام المؤسس: مالك بن أنس الأصبحي (ولد بالمدينة 93هـ - توفي بها 179هـ).

١ - سيرته: إمام دار الهجرة. جده "مالك" كان من كبار التابعين. تميز بالهيبة والوقار، وكان لا يحدث بحديث رسول الله إلا وهو على طهارة.

٢ - شيوخه: نافع مولى ابن عمر، ابن شهاب الزهري، ربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري.

٣ - أصول المذهب:

أ - الكتاب والسنة.

ب - الاجماع.

ت - عمل أهل المدينة: يعتبره مالك حجة قاطعة مقدمة على "خبر الآحاد"؛ لأن عمل أهل المدينة (أبناء الصحابة) هو "رواية جماعة عن جماعة" للفعل النبوي، فهو أقوى من رواية الفرد.

ج - المصالح المرسلة: المصالح التي لم يشهد الشرع لها باعتبار معين ولا بإلغاء معين، وقد توسع المالكية في هذا الأصل جداً.

د - سد الذرائع: منع المباحات إذا كانت وسيلة مفضية إلى المحرمات.

ر - فتوى الصحابي.

٥ - أبرز التلاميذ والأعلام:

١ _ عبد الرحمن بن القاسم (ت 191هـ): "أعلم الناس بعلم مالك"، وهو المصدر الرئيس لكتاب "المدونة". 

٢ _ عبد الله بن وهب (ت 197هـ): لقبه مالك بـ "فقيه مصر". 

٣ _ أشهب بن عبد العزيز (ت 204هـ): فقيه مصر بعد ابن القاسم. 

٤ _ أصبغ بن الفرج (ت 225هـ). 

٥ _ سحنون (ت 240هـ): فقيه القيروان (تونس) وناشر المذهب في المغرب، مدون "المدونة". 

٦ _ أسد بن الفرات: فاتح صقلية، وجامع "الأسدية" (أصل المدونة).

٦ - أمهات الكتب:

١ _ "الموطأ": للإمام مالك، وهو كتاب حديث وفقه، ألفه بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور. رفض مالك إلزامه على الناس قائلاً: "إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم".

٢ _ "المدونة الكبرى": لسحنون، وهي المسائل التي سأل فيها أسد بن الفرات ابن القاسم عن رأي مالك. هي "أم المذهب" وأصدق الكتب تمثيلاً له.

٣ _ "بداية المجتهد ونهاية المقتصد": لابن رشد الحفيد (ت 595هـ)، وهو كتاب في الفقه المقارن وأسباب الاختلاف. 

٤ _ "مواهب الجليل" للحطاب، و"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير".

٧ - الانتشار: المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا)، الأندلس (سابقاً)، صعيد مصر، السودان، ودول غرب أفريقيا، وبعض دول الخليج (الإمارات، البحرين).

الثالث: المذهب الشافعي.

الإمام المؤسس: محمد بن إدريس الشافعي (ولد بغزة 150هـ - توفي بمصر 204هـ).

١ - سيرته: قرشي النسب (يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف). ولد في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة. نشأ بمكة، وحفظ الموطأ، ورحل للمدينة فلازم مالكاً. ثم رحل لليمن، ثم لبغداد حيث ناظر محمد بن الحسن الشيباني وأخذ عنه فقه العراق. استقر أخيراً في مصر.

٢ - مكانته: جمع بين "مدرسة الحديث" (الحجازية) و"مدرسة الرأي" (العراقية)، فخرج بمذهب وسطي. هو أول من دون علم "أصول الفقه" في كتابه "الرسالة". 

٣ - المذهب القديم والجديد:

أ - القديم: كتبه في العراق (كتاب "الحجة").

ب - الجديد: كتبه في مصر (كتاب "الأم"). تراجع فيه عن كثير من آرائه السابقة؛ ليس فقط لتغير العرف، بل لتغير اجتهاده واطلاعه على أدلة جديدة، وكان مذهبه الجديد يميل أكثر للاحتياط والوقوف مع ظاهر النص.

٤ - أصول المذهب:

أ - الكتاب والسنة (وضعهما في مرتبة واحدة في الاستدلال، ونصر الاحتجاج بخبر الآحاد الصحيح).

ب - الإجماع.

ج - القياس (وضع له ضوابط دقيقة).

٥ - أبرز التلاميذ والأعلام:

أ - تلامذة مصر:

١ - يوسف بن يحيى البويطي (ت 231هـ): خليفة الشافعي في حلقته.

٢ - إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264هـ): ناصر المذهب. 

٣ - الربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ): راوي كتب الشافعي (الأم والرسالة). 

ب - تلامذة العراق: 

١ - أبو ثور (إبراهيم بن خالد) (ت 240هـ). 

٢ - الحسن بن محمد الزعفراني (ت 260هـ). 

٣ - أبو علي الكرابيسي (ت 248هـ). 

ج - متأخرو المذهب:

١ - إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ): صاحب "نهاية المطلب". 

٢ - النووي (ت 676هـ): محرر المذهب ومنقحه، صاحب "المجموع" و"المنهاج". 

٣ - الرافعي (ت 623هـ): صاحب "المحرر". 

٦ - أمهات الكتب:

١ - "الأم": للإمام الشافعي (في الفروع).

٢ - "الرسالة": للإمام الشافعي (في الأصول).

٣ - "المهذب": للشيرازي (ت 476هـ). 

٤ - "المجموع شرح المهذب": للنووي (تكملة السبكي والمطيعي).

٥ - "مغني المحتاج" للشربيني، و"نهاية المحتاج" للرملي.

٧ - الانتشار: مصر (الوجه البحري)، الشام، اليمن، الحجاز، شرق أفريقيا، ودول جنوب شرق آسيا (إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين).

الرابع: المذهب الحنبلي.

الإمام المؤسس: أحمد بن حنبل الشيباني (ولد ببغداد 164هـ - توفي بها 241هـ).

١ - سيرته: إمام أهل السنة. كان إماماً في الحديث قبل أن يكون إماماً في الفقه. جمع في مسنده 40 ألف حديث. اشتهر بصبره في "محنة خلق القرآن".

٢ - شيوخه: الشافعي، أبو يوسف، وسفيان بن عيينة.

٣ - أصول المذهب:

أ - النص (من الكتاب أو السنة) مقدم على كل شيء، ولا يلتفت لغيره إذا وجد.

ب - فتاوى الصحابة (إذا لم يختلفوا).

ج - التخير من أقوال الصحابة إذا اختلفوا (بما يوافق الكتاب والسنة).

د - تقديم الحديث الضعيف (المرسل والحسن لغيره) على القياس: وهذه خصيصة للمذهب الحنبلي.

ه - الاجماع.

ن - القياس: للضرورة القصوى فقط.

و - سد الذرائع: بشكل موسع جداً.

ي - الاستصحاب: بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت العكس (الأصل في الأشياء الإباحة).

٤ - أبرز التلاميذ والأعلام:

١ _ صالح بن أحمد (ابنه) (ت 266هـ). 

٢ _ أبو القاسم الخرقي (ت 334هـ): صاحب أول متن مختصر في المذهب. 

٣ _ ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ): صاحب "المغني"، وشيخ المذهب. 

٤ _ شيخ اﻹسلام ابن تيمية (ت 728هـ): صاحب الفتاوى الكبرى. 

٥ _ ابن القيم (ت 751هـ).

٦ _ المرداوي (ت 885هـ): منقح المذهب وصاحب "الإنصاف". 

٧ _ البهوتي (ت 1051هـ): خاتمة المحققين، صاحب "كشاف القناع". 

٥ - أمهات الكتب:

١ _ "المسند": للإمام أحمد.

٢ _ "مختصر الخرقي": لأبي القاسم الخرقي.

٣ _ "المغني": لابن قدامة.

٤ _ "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف": للمرداوي.

٥ _ "الإقناع" للحجاوي (ت 968هـ)، 

٦ _ "المنتهى" لابن النجار (ت 972هـ). 

٦ - الانتشار: المملكة العربية السعودية (المذهب الرسمي)، دول الخليج، وقلة في مصر والشام.


جدلية التقليد والاجتهاد

لقد شاع وصف هذا العصر بـ "عصر التقليد" أو "عصر الجمود"، وهي تسمية تحمل في طياتها حكماً قاصراً وتعميماً مخلاً. فالحقيقة التاريخية والتحليلية تؤكد أنه لم يخلُ عصر من العصور الإسلامية من ثنائية الاجتهاد والتقليد. 

حيث تميزت هذه المرحلة باستقرار الأصول الكلية للاجتهاد، وانتقال الجهد العلمي من تأسيس المناهج (تأسيس الأصول) إلى البناء عليها وتفريع الأحكام (الاجتهاد في الفروع).

 وقد استمر الاجتهاد في هذا العصر على أربعة مستويات رئيسية شكلت ملامح الحياة القانونية والدينية للمجتمع الإسلامي: القضاء، والفتوى، والفقه، والتشريع.

المستوى الأول: مظاهر الاجتهاد في القضاء.

لم يكن القضاء في عصر علماء المذاهب مجرد وظيفة روتينية لتطبيق نصوص جامدة، بل كان عملية عقلية وفقهية تتطلب درجة عالية من الاجتهاد، خاصة فيما يتعلق بـ "تحقيق المناط". 

وقد شهد هذا العصر حركة تأليف واسعة ومتخصصة في العلوم القضائية، حيث ظهرت مئات المصنفات تحت عناوين مثل "أدب القاضي" و"أدب القضاء"، تجاوز عددها الستين كتاباً متخصصاً، فضلاً عن الفصول والأبواب التي عقدت لهذا الغرض في كتب الفقه العام. 

ومن أبرز من صنف في هذا المجال الفقيه القدوري الحنفي (ت 428هـ)، والبغوي الشافعي (ت 516هـ)، والخلال الحنبلي (ت 311هـ)، وجلال الدين المحلي الشافعي (ت 890هـ). وتعد هذه الكتب بمثابة "قوانين مرافعات" و"قوانين إجراءات" مبكرة، نظمت عمل القاضي، وصفاته، وآدابه، وكيفية سماع الدعوى، ونظام البينات والشهود.

ومن أهم المؤلفات التي عكست نضج الفكر القضائي في تلك الحقبة: 

١ -  كتاب "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام" لابن فرحون المالكي (ت 799هـ). 

٢ - كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن قيم الجوزية (ت 751هـ). وقد تميز كتاب ابن القيم بذكر ست وعشرين طريقة من طرق الحكم والإثبات.

كما برزت كتب متخصصة في التوثيق وصياغة العقود، وهو ما يعرف بـ "علم الشروط والسجلات"، ومن أبدع ما صنف فيه كتاب "جواهر العقود ومعين القضاء والموقعين والشهود" للصنهاجي (ت 880هـ). وهذا الكتاب كان له تأثير عالمي، حيث اقتبست منه القوانين البحرية الأوروبية، مثل القانون البحري الإنجليزي (1660م)، والفرنسي (1681م)، والإسباني (1893م)، مما يدل على علو كعب الفقه الإسلامي في تنظيم المعاملات المعقدة.

وكان النظام القضائي يتسم بوجود درجات للتقاضي،فكان من حق الخصوم الطعن في الحكم وعرضه على "شيخ القضاة"، أو المفتي المعين من قبل الحاكم، أو ما يعرف بـ "ديوان المظالم" في بعض الفترات. 

وكان القضاة يلتزمون بـ "المعتمد" في مذهبهم، ولا يخرجون عنه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة.

المستوى الثاني: مظاهر الاجتهاد في الفتوى (النوازل).

شكلت الفتوى القناة الحيوية الثانية لاستمرار الاجتهاد ومواكبة المستجدات. ومارس المفتون، كالقضاة، عملية "تحقيق المناط" لتكييف هذه النوازل فقهياً. 

وقد وصلتنا موسوعات ضخمة من الفتاوى، منها "فتاوى ابن الصلاح الشافعي" (ت 643هـ)، و"فتاوى النووي"، و"فتاوى السبكي"، و"فتاوى الرملي"، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية التي بلغت 35 مجلداً، وكتاب "الحاوي للفتاوي" للسيوطي. وفي الغرب الإسلامي، برز كتاب "المعيار المعرب" للونشريسي، الذي جمع فتاوى علماء المغرب والأندلس، وكتاب "فتاوى البرزلي".

ولم يقتصر الأمر على جمع الفتاوى، بل صُنفت كتب في "أدب المفتي والمستفتي" لابن الصلاح وابن حمدان الحنبلي (ت 695هـ). 

ومن الفتاوى المتعلقة بالمستجدات الحضارية والجغرافية: الاجتهاد في تحديد مواقيت الصلاة في المناطق القريبة من القطب الشمالي حيث يختفي الشفق، وأحكام بيع الوفاء، والنزل عن الوظائف في الأوقاف، وأحكام شرب القهوة والدخان التي أثارت جدلاً واسعاً قبل استقرار الرأي على إباحتها.

المستوى الثالث: مظاهر الاجتهاد في الفقه وعلومه.

شهد عصر علماء المذاهب نهضة علمية مؤسسية تمثلت في انتشار "المدارس الفقهية" التي أنشأها السلاطين والولاة، مثل المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد، والمدارس التي شادها الأيوبيون والمماليك في مصر والشام. 

وقد تطور التأليف الفقهي ليتجاوز مجرد سرد الفروع إلى تأسيس علوم جديدة خادمة للفقه. من أهم هذه العلوم المستحدثة "علم القواعد الفقهية"، الذي هدف إلى صياغة الأحكام الفقهية المتناثرة في قواعد كلية ضابطة، مما يسهل استحضار الفقه وضبط فروعه. ومن أشهر المصنفات في هذا الفن كتاب "الأشباه والنظائر" لابن نجيم الحنفي، و"الفروق" للقرافي المالكي، و" تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي. 

كما ازدهر "علم الفقه المقارن" أو ما كان يعرف بـ "علم الخلاف"، الذي أخرج الفقيه من دائرة مذهبه الضيقة إلى رحابة الفقه الإسلامي المقارن، كما في كتاب "المغني" لابن قدامة، و"المحلى" لابن حزم، و"الإنصاف" لابن هبيرة.

كما نشطت حركة "التنقيح المذهبي"، حيث عكف العلماء على تحرير مذاهبهم وتمييز الأقوال المعتمدة للفتوى والقضاء، وظهرت كتب "المتون" و"الشروح" و"الحواشي" التي تمثل قمة التدقيق العلمي، مثل "حاشية ابن عابدين" (1252هـ) التي تعد خاتمة التحقيق في المذهب الحنفي، و"حاشية الدسوقي" (1230هـ) في الفقه المالكي، و"شروح المنهاج" في الشافعية. والإنصاف في الفقه الحنبلي.

وبرز في هذا العصر علماء مجتهدون -وإن انتسبوا للمذاهب- كالطحاوي والقدوري والماوردي والنووي وابن تيمية، الذين كانت لهم اختياراتهم وترجيحاتهم التي قد تخالف مشهور المذاهب.

المستوى الرابع: مظاهر الاجتهاد في التشريع (التقنين المبكر).

بدأت في هذا حركة التقنين، حيث تدخلت السلطة السياسية لإصدار مجموعات قانونية ملزمة لتوحيد الأحكام وضبط القضاء. 

ومن أبرز النماذج على ذلك "الفتاوى الهندية" التي أمر بجمعها السلطان أورنك زيب في الهند، حيث شكل لجنة من كبار الفقهاء لصياغة أحكام المذهب الحنفي في صورة مواد قانونية سهلة التطبيق.

وفي الدولة العثمانية، صدرت "قوانين نامة"، وهي لوائح تنظيمية أصدرها السلاطين لتنظيم الشؤون الإدارية والمالية والجنائية التي لم تفصلها نصوص الشريعة، بشرط عدم مخالفتها للشرع. ومن أمثلتها قوانين السلطان محمد الفاتح، وقوانين السلطان سليمان القانوني التي صاغها بمساعدة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي. 

وقد شملت هذه التشريعات "قانون الأراضي" (1274هـ)، و"قانون نامة الجزاء" (1256هـ) للعقوبات التعزيرية، و"نظام التجارة البحرية" (1274هـ). 


تاريخ النظام القضائي في مصر عبر العصور

اﻷول: النظام القضائي في مصر الإسلامية (ما قبل العصر الحديث).

شكلت مصر عبر تاريخها الإسلامي مركزاً حضارياً وقضائياً هاماً، وتطور نظامها القضائي تبعاً لتغير الدول والمذاهب الحاكمة، مع الحفاظ على جوهر "ولاية القضاء" المستمدة من الشريعة.

١ - العهد الطولوني والإخشيدي: غالباً ما كان القضاء وقفاً على علماء المذهب الشافعي، الذي كان المذهب السائد بين المصريين. 

٢ - العهد الفاطمي: أنشأوا لأول مرة وظيفة "قاضي القضاة"، وكان هذا المنصب حكراً على فقهاء الشيعة الإسماعيلية ليتوافق مع مذهب الدولة الرسمي. لكنهم سمحوا بتعددية قضائية مقيدة، فعيّنوا قضاة للمذهب المالكي والشافعي بجانب القاضي الإسماعيلي والجعفري، للفصل في منازعات العامة وفق مذاهبهم.

٣ - العهد الأيوبي: القضاة من المذهب الشافعي ليصبح المذهب الرسمي للدولة والقضاء.

٤ - العهد المملوكي: تعيين أربعة قضاة للقضاة يمثلون المذاهب الأربعة (الشافعي، الحنفي، المالكي، الحنبلي). 

٥ - العهد العثماني: بدخول العثمانيين مصر عام 1517م، ألغى السلطان سليم الأول نظام القضاة الأربعة المستقلين، وحصر منصب "قاضي القضاة" في المذهب الحنفي. 

ورغم سيادة المذهب الحنفي، إلا أن الواقع العملي اقتضى تعيين نواب للقاضي من المذاهب الثلاثة الأخرى للفصل في القضايا التي تتطلب ذلك، خاصة في مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف. 

وقد قسمت مصر قضائياً في هذا العهد إلى 36 ولاية قضائية.

الثاني: الحملة الفرنسية (1798-1801م): 

شكلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت صدمة للنظام القضائي التقليدي، حيث حاول الفرنسيون إعادة هيكلة القضاء لخدمة أهدافهم الإدارية والسياسية.

١ - قام نابليون بعزل القاضي التركي، وأسند منصب قاضي القضاة إلى علماء الأزهر (الشيخ الشرقاوي)، في محاولة لاستمالة المصريين. 

وقام بإنشاء "محكمة القضايا"، وهي هيئة قضائية مختلطة تتكون من 12 تاجراً (6 من المسلمين و6 من الأقباط) برئاسة القاضي القبطي "ملطي"، وأوكل إليها النظر في المنازعات التجارية والمواريث. 

وقد باءت هذه التجربة بالفشل الذريع بسبب رفض المسلمين الخضوع لقاضٍ غير مسلم في مسائل المواريث، فعاد الاختصاص للمحاكم الشرعية.

٢ - في عهد الجنرال "مينو"، وضعت لوائح جديدة لتنظيم القضاء، حيث أُسس "ديوان القاهرة" ليعمل كمحكمة عليا (نقض وإبرام) تملك صلاحية مراجعة أحكام المحاكم الشرعية وإلغائها، واشترط لتقديم الطعن وجود فتوى من مفتي المذاهب. 

كما أنشأ مينو محاكم خاصة للطوائف غير الإسلامية (اليهود، الشوام، الأروام) للفصل في منازعاتهم الشخصية برئاسة كبير كل طائفة، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لنظام الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.


العصر الحديث: التقنين والتجديد

انتقل الفقه الإسلامي في العصر الحديث من "المتون والشروح" التقليدية إلى مرحلة "التقنين" (المواد القانونية)، مواجهاً تحديات الاستعمار والقوانين الغربية.

حركة التقنين في الدولة العثمانية:

١ - قوانين "نامه"  (عهد سليمان القانوني): 

أصدر السلطان سليمان القانوني (ت 974هـ / 1566م) مجموعات قانونية عرفت بـ "قانون نامة" لتنظيم الإدارة والأراضي، وكانت مستمدة من الفقه الحنفي (مثل كتاب "الخراج" و"السير الكبير"). صدر "قانون نامة مصر" خصيصاً بعد ضمها للدولة العثمانية. 

٢ - مجلة الأحكام العدلية (1876م / 1293هـ):

تعتبر أول تقنين مدني رسمي للفقه الإسلامي على المذهب الحنفي. صدرت عن الدولة العثمانية في 16 كتاباً و1851 مادة، وشملت المعاملات المدنية والدعاوى. طبقت في المحاكم النظامية، وظلت سارية في بعض الدول العربية لفترات طويلة، مثل: الأردن، فلسطين، العراق، وسوريا والكويت.

التطور القانوني في مصر:

1. عهد محمد علي باشا (1805-1848م): التأسيس القانوني للدولة الحديثة:

استهل محمد علي عهده بخطوة حاسمة لتوحيد القضاء، حيث أصدر فرماناً يلزم القضاة في المحاكم الشرعية بالحكم بـ "أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة" فقط، ملغياً بذلك التعددية المذهبية في الأحكام، ومؤسساً لتوحيد القانون المطبق، وهو ما استمر كأساس لقوانين الأحوال الشخصية في مصر حتى اليوم. 

وأنشأ محمد علي هيئات قضائية جديدة (دواوين) انتزعت اختصاصات واسعة من المحاكم الشرعية، التي انحصر دورها تدريجياً في الأحوال الشخصية والمسائل العقارية. ومن أهم هذه الهيئات "الجمعية الحقانية" (تأسست 1840م - وفي مصادر أخرى 1842م)، التي كانت بمثابة محكمة عليا ومجلس تشريعي لمحاكمة كبار الموظفين والنظر في الجنايات الكبرى. 

كما أصدر محمد علي مجموعة من القوانين واللوائح التي عرفت بـ "قانون المنتخبات"، وهي تشريعات جمعت بين أحكام الفقه الحنفي واللوائح الإدارية المستحدثة، وتعتبر أول محاولة لتقنين القانون في مصر الحديثة.  

2. عهد الخلفاء: التغريب القانوني (عباس، سعيد، إسماعيل)

تسارعت وتيرة التحديث القانوني واقتباس النظم الأوروبية في عهد خلفاء محمد علي، مما أدى إلى الازدواجية في النظام القضائي المصري:

أ - عهد عباس الأول (1849-1854م): تحولت الجمعية الحقانية إلى "مجلس الأحكام" (1849م)، الذي أصبح الهيئة القضائية العليا في البلاد، يراجع الأحكام الصادرة من مجالس الأقاليم ويدقق في مطابقتها للقوانين، مشكلاً بذلك نواة لمحكمة النقض.

ب - عهد سعيد باشا (1854-1863م): شهد عهده إصلاحات قانونية هامة، منها صدور "اللوائح السعيدية" (1858م) التي نظمت ملكية الأراضي الزراعية ومنحت الفلاحين حق التوريث والتملك، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة في العدل، وإن كان بصياغة قانونية حديثة. كما ألغى سعيد نظام "العدول" (الشهود المزكون) في المحاكم الشرعية عام 1858م، واستبدلهم بنظام التوثيق الحكومي، وصدرت في عهده لائحة تنظيم المحاكم الشرعية (1854م).

ج - عهد إسماعيل (1863-1879م): حدث التحول الأكبر بإنشاء "المحاكم المختلطة" عام 1875م، والوطنية (1883م)، بضغط من الدول الأوروبية، للفصل في المنازعات بين المصريين والأجانب. طبقت هذه المحاكم قوانين "مختلطة" مستمدة أساساً من القانون المدني الفرنسي (كود نابليون)، مما أدى إلى تهميش دور الشريعة في المعاملات المالية والتجارية.

د - عهد توفيق (المحاكم الأهلية): استكمالاً لمسار التغريب، أنشئت "المحاكم الأهلية" عام 1883م للفصل في المنازعات بين المصريين أنفسهم، وصدرت لها لائحة قوانين مقتبسة أيضاً من القانون الفرنسي، ليتكرس بذلك نظام قضائي مزدوج: محاكم شرعية تطبق الفقه الحنفي في الأحوال الشخصية، ومحاكم أهلية تطبق القانون الفرنسي في المعاملات المدنية والجنائية.

3. القانون المدني المصري (1948م):

رغم طغيان القوانين المستوردة، ظلت الشريعة الإسلامية كامنة في الضمير القانوني المصري، وتجلى ذلك بوضوح في القانون المدني الجديد الصادر عام 1948م، والذي صاغه الفقيه الدستوري الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا (1895-1971م).

نجح السنهوري في صياغة قانون مدني حديث يمزج بين الفقه الإسلامي والقانون الغربي، جاعلاً الشريعة مصدراً رسمياً للقانون، ومقنناً لنظريات فقهية، ومن أهم هذه النظريات:

أ - نظرية التعسف في استعمال الحق: وهي نظرية إسلامية أصيلة (حديث "لا ضرر ولا ضرار") لم تكن معروفة في القانون الفرنسي القديم.

ب - نظرية الظروف الطارئة: (مستمدة من نظرية "الجوائح" في الفقه الإسلامي).

أصبح هذا القانون نموذجاً لقوانين سوريا، العراق، ليبيا، والكويت.

منهجية السنهوري لتحديث الشريعة:

يطرح السنهوري تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت الشريعة تمتلك كل هذه المقومات، فما الذي حال بينها وبين التطبيق الكامل في العصر الحديث؟

ويرى أن العيب ليس في ذات الشريعة، بل في جمود مناهج البحث. وللخروج من هذا المأزق، يقترح السنهوري خارطة طريق واضحة المعالم:

١ - الرجوع الواجب: يؤكد السنهوري على وجوب الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في كل الموضوعات التي يمكن الرجوع فيها إليها، مشدداً على أن مبادئها تضاهي أو تفوق أحدث المبادئ القانونية الغربية.

٢ - الحركة العلمية: يدعو إلى إطلاق حركة علمية قوية تعيد للشريعة جدتها وتنفض عنها غبار القرون.

٣ - المنهجية الحديثة: جوهر رؤية السنهوري هو دراسة الشريعة طبقاً "للأساليب العلمية الحديثة" وفي ضوء "القانون المقارن". هذا يعني إعادة صياغة الفقه بلغة قانونية منضبطة، وتقنين أحكامه في مواد واضحة، ومقارنتها بالنظريات الغربية لإبراز تفوقها أو تكاملها.

4. إلغاء المحاكم الشرعية: في عام 1955م، صدر القانون رقم 462 بإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملية وتوحيد جهات القضاء في "المحاكم الوطنية". ورغم أن هذا القرار أنهى الوجود المؤسسي المستقل للقضاء الشرعي، إلا أنه لم يلغِ الشريعة ذاتها؛ حيث نص القانون على استمرار تطبيق أحكام الشريعة (أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة والقوانين المنظمة للأسرة) في مسائل الأحوال الشخصية والوقف أمام الدوائر المتخصصة في المحاكم الوطنية.


الشريعة في الدساتير والقضاء

نصت المادة الثانية من الدستور المصري (وتعديلاتها) على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع". وقد اضطلعت المحكمة الدستورية العليا بمهمة تفسير هذا النص، ففرقت بين نوعين من الأحكام :

١ - الأحكام قطعية الثبوت والدلالة: هي الثوابت التي لا تقبل الاجتهاد ولا التغيير (مثل أصول الميراث، تحريم الربا). هذه الأحكام يلتزم بها المشرع ولا يجوز مخالفتها.

٢ - الأحكام الظنية (ثبوتاً أو دلالة): هي الأحكام التي تقبل الاجتهاد والتطور بتغير الزمان والمكان. اعتبرت المحكمة أن هذا المجال هو "مساحة الحركة" للمشرع ليختار من الآراء الفقهية ما يحقق مصلحة الناس، دون الالتزام بمذهب محدد.

في المقابل، تميل محكمة النقض أحياناً إلى تفسير "المبادئ" بأنها القواعد الكلية والمقاصد العامة للشريعة.


الاعتراف الدولي والاجتهاد الجماعي

أولاً: المؤتمرات الدولية:

شهد القرن العشرون اعترافاً عالمياً بمرونة وأصالة الفقه الإسلامي:

١ - مؤتمر لاهاي للقانون المقارن (1932م): أقر المؤتمر، لأول مرة، اعتبار الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسية للقانون المقارن، وليست مجرد نظام ديني.

٢ - مؤتمر لاهاي (1937م) ومؤتمر باريس (1951م): بناءً على بحوث رصينة قدمها وفد من علماء الأزهر وفقهاء القانون المصريين، أصدرت هذه المؤتمرات قرارات تاريخية تعلن أن "الشريعة الإسلامية نظام قانوني قائم بذاته، مستقل عن القانون الروماني، وصالح للتطور ومواكبة حاجات العصر"، مفندة بذلك مزاعم المستشرقين حول تبعية الفقه الإسلامي للقانون الروماني.

٣ - محكمة العدل الدولية: تكلل هذا الاعتراف بانتخاب الفقيه المصري الدكتور عبد الحميد بدوي باشا قاضياً في محكمة العدل الدولية عام 1946م، ليكون أول قاضٍ يمثل النظام القانوني الإسلامي في أعلى هيئة قضائية دولية، مما كرس مكانة الشريعة كأحد النظم القانونية الكبرى في العالم.

٤ - مؤتمر المحامين الدولي (لاهاي 1948م): أكد على صلاحية التشريع الإسلامي لكل زمان ومكان.

٥ - أسبوع الفقه الإسلامي (باريس 1951م): عقد في كلية الحقوق بباريس، وأصدر توصيات بضرورة الاستفادة من الفقه الإسلامي في التشريعات الحديثة، وقرر إصدار "معجم للفقه الإسلامي". 

ثانياً: المجامع الفقهية (الاجتهاد الجماعي):

انتقل الاجتهاد في العصر الحديث من الفردية إلى المؤسسية لمواجهة النوازل المعقدة (طبية، اقتصادية):

١ - مجمع البحوث الإسلامية (القاهرة - تأسس 1961م).

٢ - مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة - تأسس 1981م).

٣ - المجمع الفقهي الإسلامي (مكة - تأسس 1983م).

٤ - المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دبلن - 1997م).

تقوم هذه المجامع بإصدار قرارات جماعية في قضايا مثل: زراعة الأعضاء، التلقيح الصناعي، العملات الرقمية، والمعاملات المصرفية.

ثالثاً: الاقتصاد والمصارف الإسلامية:

شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية التي تلتزم بأحكام الشريعة. بدأت التجربة بإنشاء "بنك دبي الإسلامي" في السبعينيات.

قدم الاقتصاد الإسلامي أدوات مالية مبتكرة، كبديل للنظام الربوي، تعتمد على قاعدة "الغنم بالغرم" والمشاركة في المخاطر، ومن أهمها:

١ - المرابحة: كأداة للتمويل التجاري (شراء السلعة وبيعها للعميل بربح معلوم).

٢ - المضاربة والمشاركة: كأساس للاستثمار الإنتاجي.

٣ - الإجارة المنتهية بالتمليك: لتمويل الأصول والعقارات.

وقد أثبتت الأزمات المالية العالمية (كأزمة 2008) صلابة هذا النظام، نظراً لارتباطه بالاقتصاد الحقيقي وتحريمه لبيع الديون والمقامرة والمشتقات المالية الوهمية، مما دفع مؤسسات غربية للاقتباس من آلياته.

رابعاً: المجالس الشرعية في الغرب:

مع تزايد الوجود الإسلامي في الغرب، ظهرت الحاجة لتنظيم الأحوال الشخصية للمسلمين بما يتوافق مع دينهم ولا يتعارض مع قوانين تلك الدول. نشأت "مجالس الشريعة"، وأولها في المملكة المتحدة (مثل مجلس برمنجهام 1982م ومجلس ليتون في لندن)، لتقوم بدور حيوي في:

١ - إصدار فتاوى الطلاق والخلع والفسخ للمسلمين الذين عقدوا زواجهم دينياً فقط، أو الراغبين في إنهاء الرابطة الدينية بعد الطلاق المدني.

٢ - التحكيم في النزاعات العائلية والمالية بالتراضي.

٣ - تقديم الاستشارات للمحامين والمحاكم الغربية في قضايا الأحوال الشخصية.

وقد تعاملت المحاكم الغربية (في ألمانيا وبريطانيا) بإيجابية مع أحكام الشريعة في قضايا "تنازع القوانين"، حيث طبقت أحكام المهر والميراث الإسلامي في قضايا تخص مواطنين مسلمين أو أجانب، مما يؤكد مرونة الشريعة وقابليتها للتطبيق في بيئات قانونية مغايرة.

خامساً: الأسس لتميز ومرونة الشريعة:

لم يكن الاعتراف الدولي بالشريعة، ولا صمودها عبر القرون، وليد الصدفة. وهناك خمسة أسباب جوهرية تميز الشريعة في القانون المقارن:

السبب الأول: طبقت الشريعة الإسلامية بشكل مستمر ودون انقطاع منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن العشرين وما يليه. 

السبب الثاني:  شمل تطبيق الفقه الإسلامي رقعة جغرافية مترامية الأطراف، امتدت من أطراف الصين شرقاً إلى المغرب والأندلس غرباً، ومن تركيا وألبانيا شمالاً إلى نيجيريا وموزمبيق جنوباً. 

السبب الثالث: يتميز النظام القانوني الإسلامي بجمعه الفريد بين نوعين من المصادر: "المصادر النقلية" المتمثلة في القرآن والسنة، و"المصادر العقلية" المتمثلة في القياس والاستحسان والمصالح المرسلة. 

السبب الرابع: يحتوي الفقه الإسلامي على "نظريات فقهية" و"قواعد شرعية" كبرى (مثل: الضرر يزال، المشقة تجلب التيسير، العادة محكمة). 

السبب الخامس: يعد تنوع المذاهب الفقهية وكثرة الآراء داخل المذهب الواحد ميزة استراتيجية في التشريع الإسلامي. 


الجغرافيا للنظم القانونية في البلاد الإسلامية:

يمكن تصنيف الدول التي تعتمد الشريعة الإسلامية، إلى أنماط رئيسية بناءً على درجة ونوع الدمج مع الأنظمة الأخرى:

أولاً: الشريعة في صورة النظام القانوني الأوحد:

تمثل هذه الفئة الدول التي حافظت على الشريعة الإسلامية كمرجعية حصرية وأساسية للتشريع، دون دمج هيكلي مع القوانين الغربية في أصول النظام. 

وتضم هذه المجموعة: المملكة العربية السعودية، وأفغانستان، وجزر المالديف. 

ثانياً: النظام المدمج بين الشريعة الإسلامية والنظام اللاتيني:

يشكل هذا النمط الكتلة الأكبر والأكثر انتشاراً، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمازجت الشريعة (وغالباً ما تتركز في الأحوال الشخصية والمبادئ الدستورية) مع القانون المدني اللاتيني (المتأثر بالقانون الفرنسي والمصري). 

تضم هذه القائمة الطويلة: إيران، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، ومصر، وتمتد لتشمل دول المغرب العربي: ليبيا، الجزائر، تونس، المغرب، موريتانيا. كما تظهر في دول أخرى مثل جزر القمر. 

وتعتمد بعض الدول نموذجاً مشابهاً ولكنه يضيف "العرف" كمصدر ثالث، وهي: إندونيسيا، تيمور الشرقية، الكويت، عُمان، الأردن، جيبوتي، وأريتريا. 

ثالثاً: النظام المدمج بين الشريعة والنظام الأنجلوسيكسوني:

في الدول التي خضعت للنفوذ الاستعماري البريطاني، نجد دمجاً بين الشريعة ومبادئ القانون العام. 

تضم هذه الفئة: السودان، باكستان، بنغلاديش، وسنغافورة. 

وهناك دول تدمج مع هذين المكونين "العرف" المحلي، وهي: ماليزيا، الهند، نيجيريا، كينيا، وجامبيا.

رابعاً: الأنظمة المركبة والمعقدة:

توجد مجموعة من الدول التي تمتلك نظماً قانونية شديدة التركيب، تجمع بين الشريعة، والنظام اللاتيني، والنظام الأنجلوساكسوني، والعرف، مما يعكس تاريخاً حافلاً بالتقلبات السياسية وتعدد المؤثرات الخارجية. 

تشمل هذه المجموعة: قطر، البحرين، اليمن، والصومال.

 كما تنفرد الإمارات العربية المتحدة بنظام يدمج بين الشريعة والعرف بشكل بارز ومؤثر في بنيتها التشريعية.

خامساً: الامتداد التاريخي المفقود:

كانت الشريعة هي النظام القانوني السائد في أجزاء واسعة من الصين، وفي دول آسيا الوسطى التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الاتحاد السوفيتي (مثل كازاخستان، وطاجيكستان، وأذربيجان). 

كما كانت تحكم الأندلس (إسبانيا والبرتغال) لقرون طويلة. 

وفي تركيا، مركز الخلافة العثمانية، بلغت الشريعة شأناً عظيماً من خلال "المجلة العدلية"، وكان فقهاؤها مرجعاً للأوروبيين في المعضلات القانونية، كما شهد بذلك الوزير العثماني علي حيدر، قبل أن تتحول تركيا إلى النظام العلماني الحديث.



والحمد لله رب العاملين........


الجمعة، 21 نوفمبر 2025

العلة القاصرة، وموقف الحنابلة المتأخرين منها من خلال تطبيقاتهم الفقهية

 

مقدمة

​الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

​يعد علم أصول الفقه قطب الرحى في استنباط الأحكام الشرعية، وضبط مسار الاجتهاد لضمان توافقه مع مقاصد الشارع الحكيم. وفي قلب هذا العلم، ينتصب مبحث "القياس" ركناً ركيناً، ودليلاً رابعاً من الأدلة المتفق عليها عند جماهير الأمة. ولما كان القياس فرعاً عن تعقل المعنى في الأصل المقيس عليه، كان مبحث "العلة" هو جوهر القياس وروحه؛ إذ بها يعرف مناط الحكم، وبها يتعدى إلى الفروع المستجدة. ومن بين دقائق مباحث العلة التي شغلت الأصوليين واستدعت تدقيقات الفقهاء، تبرز مسألة "العلة القاصرة". وهي تلك العلة التي تلوح في أفق النص، وتومئ إليها القرائن، لكنها تأبى التعدية إلى غير محلها، فتبقى حبيسة الأصل الذي وردت فيه.

​تكتسب هذه الدراسة أهميتها القصوى من زاوية نظر محددة، وهي تسليط الضوء على "المتأخرين من الحنابلة"، تلك المدرسة الفقهية التي تميزت بالدقة المتناهية في تحرير المذهب وتنقيحه، عبر سلسلة من العلماء الأفذاذ كالمرداوي في "الإنصاف"، والحجاوي في "الإقناع"، والفتوحي في " منتهى الإرادات " والبهوتي في شرحه على الاخيرين. 

إن دراسة العلة القاصرة عند هؤلاء ليست ترفاً نظرياً، بل هي مفتاح لفهم كيفية الفتوى في المذهب الحنبلي المعتمد، وكيفية الموازنة بين "تعليل الأحكام" وبين "الوقوف عند النصوص"، لا سيما في القضايا الشائكة كالربا في الأوراق النقدية، وكفارات الصيام، ورخص السفر.

​يهدف هذا البحث إلى استقصاء ماهية العلة القاصرة، وتحرير محل النزاع فيها بين المدارس الأصولية، ثم الغوص في المدونات الفقهية المعتمدة عند متأخري الحنابلة، لاستخراج تطبيقاتهم لهذه القاعدة، وتحليل مدى اتساق تنظيرهم الأصولي مع تفريعاتهم الفقهية، وكيف أثر ذلك على بنية المذهب في العبادات والمعاملات.

​المبحث الأول: ماهية العلة القاصرة، وفيه مطالب:

​المطلب اﻷول: تعريف اللعة القاصرة:

​العلة في اللغة هي: ما يتغير به حال المحل، كالمريض يتغير حاله بالعلة (المرض). 

وفي اصطلاح الأصوليين: الوصف الظاهر المنضبط الذي علق الشارع الحكم به وجوداً وعدماً.

أما العلة القاصرة، فهي الوصف الذي يظهر للمجتهد كونه مناطاً للحكم في الأصل، ولكنه لا يتعدى محل النص إلى غيره لعدم وجوده في غير ذلك المحل. فهي علة مقصورة على دائرة النص الأصلي.

وصور القصور في العلة وحصروها في مسارات محددة تمنع التعدية، وهي:

١ - ​كون العلة هي عين محل الحكم: وهذا أشد أنواع القصور، حيث يندمج الوصف بالموصوف فلا ينفكان. 

مثال ذلك تعليل تحريم الربا في الذهب بـ "الذهبية" أي لكونه ذهباً، وتعليل تحريم الربا في البر بـ "البرية". فإذا قلنا إن العلة هي ذات الذهب، استحال عقلاً وواقعاً أن نجد "ذهباً" في غير الذهب، كالحديد أو النحاس، فتمتنع التعدية.

٢ - ​كون العلة جزءاً من محل الحكم: وهنا تكون العلة مركباً إضافياً خاصاً بالمحل. 

ومثاله الأشهر عند الأصوليين قولهم: "حرمت الخمر لكونها معتصرة من العنب". فمحل الحكم هو الخمر، وحقيقته سائل مسكر معتصر من العنب. فإذا عللنا التحريم بـ "الاعتصار من العنب" وهو جزء ماهية الخمر، فإن هذا الوصف لا يوجد في النبيذ المتخذ من التمر أو الشعير، فتقصر العلة.

٣ - ​كون العلة وصفاً خاصاً لم يثبت وجوده إلا في محل الحكم: وهو الوصف الذي ليس هو عين المحل ولا جزأه، لكنه وصف لازم له لا يفارقه إلى غيره. 

ومثاله تعليل رخصة القصر في الصلاة بـ "السفر". فالسفر وصف خاص، ورغم أنه مظنة المشقة، إلا أن الشارع أناط الحكم بالسفر نفسه لا بالمشقة المجردة. فلو وجدنا مشقة في الحضر، كعمل شاق، لا يقاس على السفر؛ لأن علة السفر قاصرة على هيئة الانتقال والضرب في الأرض.

المطلب الثاني: الفرق بين العلة القاصرة والتعبد المحض:

​ومن تمييز اﻷصوليين الدقيق التفريق بين "العلة القاصرة" و"التعبد".

  • التعبد: هو ما استأثر الله بعلمه ولم تظهر لنا حكمته بوضوح، كعدد ركعات الصلوات، أو الوضوء من لحم الإبل (عند الحنابلة). هنا لا نبحث عن علة أصلاً.
  • العلة القاصرة: هي حكم "معقول المعنى" له حكمة مدركة، لكن هذا المعنى خاص بالمحل. فحينما يعلل الحنابلة عدم وجوب الكفارة في الأكل عمداً في رمضان، ويوجبونها في الجماع فقط، فهم لا يقولون إن هذا "تعبد محض" لا معنى له، بل يقولون له علة مفهومة وهي "هتك حرمة الصوم بالجماع"، لكنهم يقصرونها على الجماع لخصوصية فيه "غلظة الشهوة" لا توجد في الأكل. هذا التمييز يخرج الحكم عن التعبدي، لكنه يمنع الانفلات القياسي.

المطلب الثالث: الفرق بين العلة القاصرة والعلة المتعدية:

​يكمن الفارق الجوهري بين العلة القاصرة والمتعدية في ما يلي:

  • العلة المتعدية: هي الوصف الذي يوجد في محل النص ويوجد بنفسه في فرع آخر مسكوت عنه. مثل "الإسكار" في الخمر، فهو وصف يوجد في نبيذ التمر، فيتعدى حكم التحريم من الأصل إلى الفرع. وهذه هي العلة التي عليها مدار القياس والاجتهاد.
  • العلة القاصرة: تفتقر إلى هذا الجسر الرابط. فهي تثبت حكم الأصل فقط، وتقف عند حدوده. وهنا يثور التساؤل الأصولي الكبير: إذا كانت العلة لا تقيس ولا تعدي حكماً، فما فائدتها؟ وهذا هو منشأ النزاع بين الأصوليين.

​الطلب الثالث: حكم التعليل بالعلة القاصرة.

​انقسم الأصوليون في هذه المسألة إلى معسكرين كبيرين، ودارت رحى النقاش حول "الجدوى" و"الفائدة".

وقبل ذكر خلاف الأصوليين اعلم أن العلة القاصرة إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها صح التعليل بها بالاتفاق، أما إذا كانت مستنبطة فقد اختلفوا إلى فريقين:

​المذهب الأول: المنع والبطلان، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد وأكثر الحنابلة.

​ذهب سادة الحنفية، كالكرخي والجصاص، إلى أن العلة القاصرة باطلة لا يصح التعليل بها أصلاً، إلا إذا كانت منصوصة فحينئذ يكون النص هو الدليل لا العلة.

أدلتهم وحججهم:

اﻷول: انتفاء الثمرة: الغرض الأسمى من استنباط العلة هو القياس - تعدية الحكم -. فإذا كانت العلة قاصرة، بطل القياس، وإذا بطل القياس صارت العلة عبثاً لا طائل تحته. والشارع منزه عن العبث.

الثاني: الاكتفاء بالنص: ثبوت الحكم في محل النص مغنٍ بالنص نفسه، فلا حاجة لتعليله بعلة لا وظيفة لها سوى إثبات ما هو ثابت أصلاً.

الثالث:الدور: قالوا إن التعدية شرط لصحة العلة، فلو أثبتنا صحة العلة ثم طلبنا التعدية لزم الدور.

المذهب الثاني: الجواز والصحة، وهو مذهب الجمهور.

​ذهب جمهور الأصوليين، ومنهم الشافعية والمالكية والرواية الثانية عن أحمد واﻷصح عند الحنابلة، إلى جواز وصحة التعليل بالعلة القاصرة، سواء كانت منصوصة أو مستنبطة، ما دامت قد استوفت شروط العلة من المناسبة والظهور والانضباط.

ردودهم وبيان الفوائد:

رفض الجمهور حصر فائدة العلة في "القياس" فقط، وساقوا فوائد علمية وتعبدية جليلة للعلة القاصرة، ذكرها النووي وابن النجار والمرداوي، ومنها :

  • الفائدة الأولى: معرفة حكمة التشريع: إن استخراج العلة القاصرة يطلع المكلف على مأخذ الحكم ومقصود الشارع، سواء كان جلب مصلحة أو درء مفسدة. وهذا يورث النفس طمأنينة، ويزيد في الإيمان بحكمة المشرع، ويدفع المكلف للامتثال عن بصيرة لا عن قهر مجرد.
  • الفائدة الثانية: قطع الطمع في القياس: هذه فائدة سلبية لكنها حيوية. فعندما يقرر المجتهد أن علة تحريم الربا في الذهب هي "كونه ذهباً" على قول، فإنه يقطع الطريق على من يحاول قياس الفلوس أو المعادن الأخرى عليه. فمعرفة القصور سياج يحمي النص من التوسع غير المنضبط.
  • الفائدة الثالثة: تقوية النص: إذا تطابق الدليل النقلي مع الدليل العقلي، ازداد الحكم قوة ورسوخاً في النفس، واجتمع عليه دليلان بدل واحد.
  • الفائدة الرابعة: إمكانية التعدية المستقبلية: لعل هذه أخطر الفوائد وأكثرها دقة. قد تكون العلة قاصرة في زمن المجتهد لعدم وجود نظير لها، لكن قد "يحدث ما يشارك الأصل في العلة" في زمن لاحق، فيلحق به. وهذا ما أشار إليه النووي والمرداوي في مسألة "الفلوس" إذا صارت أثماناً غالبة كما سيأتي تفصيله.


​المبحث الثالث: تطبيقات العلة القاصرة: 

المطلب اﻷول: الطبيقات في فقه العبادات.

​ننتقل الآن إلى التطبيق العملي في "مختبر" الفقه الحنبلي، لنرى كيف وظف المرداوي والبهوتي هذه الأداة الأصولية في بناء الأحكام.

​المسألة اﻷولى: الطهارة والماء المستعمل: بين التعبد والعلة الخفية

​في باب المياه، يرى الحنابلة أن الماء القليل إذا استعمل في طهارة واجبة، كوضوء، فإنه يصير "طاهراً غير مطهر.

  • التعليل: يميل البهوتي والحجاوي إلى أن هذا حكم تعبدي، أو معلل بعلة قاصرة هي "أداء فرض الطهارة"، مما يجعله شبيهاً بـ"العبد المعتق" الذي أدى خدمته، فلا يستعمل مرة أخرى. هذا التكييف (اعتباره علة قاصرة على الاستعمال في الفرض) يمنع قياس حالات أخرى عليه (مثل تبريد الماء، أو غسل الثوب)، فيحصر الحكم في صورة ضيقة جداً، وهو تطبيق دقيق لمنهج القصور.

​المسألة الثانية: القصر في السفر: صراع "المظنة" و"الحقيقة"

​في باب صلاة المسافر، يتفق الحنابلة مع الجمهور في توظيف العلة القاصرة لضبط الرخصة.

  • العلة: "السفر" (الضرب في الأرض لمسافة محددة).
  • الحكمة: المشقة. يقرر البهوتي في شرح منتهى الإرادات أن الحكم منوط بالعلة (السفر) لا بالحكمة (المشقة). فالسفر علة قاصرة على هيئة الانتقال، ولا تتعدى إلى المشقة في الحضر. 
  • التطبيق: لو أن حداداً أو خبازاً واجه مشقة هائلة في عمله بالحضر تفوق مشقة السفر المرفه، لا يجوز له قصر الصلاة. لماذا؟ لأن العلة (السفر) قاصرة على محلها، ولا يصح القياس عليها بمجرد وجود الحكمة (المشقة) في محل آخر، لأن الحكمة غير منضبطة.

​المسألة الثالثة: معركة الكفارة: "الجماع" بين القصور والتعدية.

​تعد مسألة "ما يوجب الكفارة المغلظة في نهار رمضان" من أظهر الأمثلة على النزاع بين العلة القاصرة والمتعدية.

  • صورة المسألة: رجل أكل أو شرب متعمداً في نهار رمضان، هل عليه كفارة (عتق رقبة أو صيام شهرين) أم قضاء فقط؟
  • موقف الحنابلة (الإنصاف): لا كفارة عليه، وإنما القضاء والتوبة فقط. الكفارة خاصة بـ "الجماع".
  • التعليل بالعلة القاصرة: ينتصر المرداوي في الإنصاف للمذهب، مستنداً إلى أن الحديث الشريف ورد في رجل "واقع" أهله. فالعلة عند الحنابلة هي "الوقاع في نهار رمضان". وهذه علة قاصرة؛ لأن الوقاع وصف خاص لا يتحقق في الأكل والشرب.
  • المخالف (الحنفية): يرون وجوب الكفارة في الأكل والشرب.
    • ​علتهم: "انتهاك حرمة الصوم بجناية كاملة". وهي علة متعدية تشمل الجماع والأكل.


​المطلب الثاني: تطبيقات في فقه المعاملات

​في أبواب المعاملات، يواجه الحنابلة تحدياً أكبر، حيث الحاجة للتعدية والقياس لمواكبة تطور الأسواق. وهنا يظهر التوتر بين التنظير الأصولي والتطبيق الفقهي، وأبرز مثال هو "الربا".

​المسألة اﻷولى: علة الربا: "الوزن" كبديل عن "الثمنية" القاصرة.

​هذه المسألة هي "أم المسائل" في باب العلة القاصرة عند الحنابلة، وفيها يظهر الخلاف الدقيق بين المذهب المعتمد وبين اختيارات شيخ اﻹسلام ابن تيمية.

تحرير محل النزاع:

نص الحديث على تحريم الربا في "الذهب والفضة". فما هي العلة؟

القول الأول (المعتمد عند المتأخرين): العلة هي "الوزن مع الجنس". فالذهب والفضة موزونات.

نتيجة التعليل: هذه علة متعدية لكل موزون (كالحديد، النحاس، الرصاص، القطن). فكل ما يوزن يجري فيه الربا إذا بيع بجنسه.

المأزق: الفلوس (العملات النحاسية) والأوراق النقدية (في عصرنا) ليست موزونة بل معدودة. إذن: لا ربا في الفلوس واﻷوراق النقدية عند معتمد المذهب، ولو صارت أثماناً.

القول الثاني (رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية، ومذهب المالكية والشافعية): العلة هي "غلبه الثمنية".

التوصيف الأصولي:

​عند الشافعية والمالكية: هذه العلة قاصرة غالباً (في زمنهم) على الذهب والفضة، لكنها قابلة للتعدية إذا وجد نقد آخر.

​عند الحنابلة (المتأخرين): رفضوا هذه العلة بحجة أنها "قاصرة" على الذهب والفضة ولا تضبط بقية الأموال، وفضلوا "الوزن" لأنه متعدٍ ويضبط أموالاً أكثر.

- نقاش المرداوي في "الإنصاف": الاعتراف بـ "التعدية المستقبلية"

يقول المرداوي: "قولنا في الروايتين الأخيرتين: العلة في الأثمان الثمنية هي علة قاصرة... ونقضت طرداً بالفلوس". أي أن الحنابلة رفضوا "الثمنية" لأنها انتقدت بالفلوس (فهي أثمان ولا ربا فيها عندهم).

لكن المرداوي ينقل نصاً عن كتاب "الانتصار" لأبي الخطاب، وعن "الفروع" لابن مفلح، يقول: "ثم يجب أن يقولوا ـ إذا نفقت [الفلوس] حتى لا يتعامل إلا بها ـ: إن فيها الربا لكونها ثمناً غالباً".

هذا النص يثبت أن الحنابلة نظرياً يدركون "الفائدة الرابعة" للعلة القاصرة (حدوث ما يشارك الأصل). فالمرداوي يقر بأن الفلوس لو تحولت إلى "ثمن غالب" وهو ما حدث في عصرنا بالأوراق النقدية، فإن العلة القاصرة الثمنية ستتعدى إليها وتوجب فيها الربا. 

إلا أن الجمود الفقهي في المتون المتأخرة (الإقناع والمنتهى) أدى إلى تثبيت الحكم على "الوزن"، فظل البهوتي يصرح: "ولا ربا في الفلوس ولو راجت رواج النقدين" ، متمسكاً بظاهر العلة التي استقرت، ومهملين لهذا الاستشراف المستقبلي الذي أثبته المرداوي في الإنصاف نقلاً عن المتقدمين.


- التطبيق في "كشاف القناع": الجمود على "الوزن"

​في كشاف القناع، يبلغ التمسك بظاهر العلة (الوزن) مداه. يرفض البهوتي قياس الفلوس على الذهب والفضة، معللاً ذلك بأن الثمنية في الذهب "خلقة" (ذاتية)، وفي الفلوس "اصطلاحية" (طارئة). وهذا نوع من التمسك بالقصور في جانب (الثمنية الخلقة) لرفض التعدية.

وهذا الموقف الفقهي أدى إلى مفارقة:

  • ​يجري الربا في "الحديد" لأنه موزون (معتمدين على علة الوزن المتعدية).
  • ​لا يجري الربا في "العملة الورقية" لأنها غير موزونة (رافضين علة الثمنية لأنها قاصرة أو غير منضبطة). وهو ما اضطر المجامع الفقهية المعاصرة لترك معتمد المذهب الحنبلي في هذه الجزئية والرجوع إلى اختيار ابن تيمية (الذي هو رواية في المذهب) القائل بالثمنية المتعدية.



الخاتمة

​ختاماً، تكشف هذه الجولة البحثية في تراث الحنابلة المتأخرين عن عقلية فقهية مركبة، تتعامل مع "العلة القاصرة" بمرونة وواقعية، لا بجمود نظري.

فقد أثبت الحنابلة (المرداوي، ابن النجار، البهوتي) صحة التعليل بالعلة القاصرة في أصولهم، ووظفوها ببراعة في فقه العبادات لحماية النصوص من تدخلات القياس العقلي، وحصر التكاليف الشاقة في مواردها.

أما في فقه المعاملات، فقد كشفت دراسة مسألة الربا عن "نقطة عمياء" نتجت عن تفضيلهم للعلة المتعدية "الحسية" (الوزن) على العلة القاصرة "المعنوية" (الثمنية)، مما أدى إلى إشكاليات تطبيقية مع تطور الزمن. إلا أن عبقرية المذهب، ممثلة في تحقيقات المرداوي في الإنصاف ومن قبله أبي الخطاب، كانت قد استبطنت الحل عبر إشارته إلى إمكانية تحول العلة القاصرة إلى متعدية إذا تغير الواقع، وهو ما يثبت حيوية هذا المذهب وقابليته للتجديد من داخله.

​إن العلة القاصرة عند الحنابلة ليست "قاصرة" في قيمتها العلمية، بل هي أداة ضبط منهجي، تمنع طغيان العقل على النقل، وتحفظ للأحكام الشرعية هيبتها وخصوصيتها، مع إبقاء الباب موارباً لتطورات المستقبل إذا توفرت شروط القياس الصحيح.


والحمد لله رب العالمين....

الاثنين، 25 أغسطس 2025

كتاب 'تقرير القواعد وتحرير الفوائد' لابن رجب الحنبلي . دراسة في منهجه، والاعمال التي عليه.


مقدمة


الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

إن الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى سنة 795 هـ)، لم يكن مجرد فقيه أو محدّث، بل كان عالماً موسوعياً جمع ببراعة نادرة بين الفقه والحديث والزهد، مما منحه رؤية تركيبية وعمقاً استثنائياً في فهم نصوص الشريعة ومقاصدها. 

وُلِد في بغداد ونشأ في دمشق، وهما منارتان للعلم في عصره، وتتلمذ على يد كبار الأئمة، وعلى رأسهم الإمام ابن قيم الجوزية الذي ترك أثراً بالغاً في تكوينه الفكري والمنهجي، حيث تعلم منه الجمع بين صرامة العلم وروحانية العمل. 

إن هذه الخلفية العلمية المتينة هي التي أهلته لإنتاج مصنفات أصبحت من عيون التراث الإسلامي، ومن أهمها كتابه في القواعد الفقهية.

يأتي كتاب "تقرير القواعد وتحرير الفوائد"، المشهور بـ "قواعد ابن رجب"، في سياق تاريخي يشهد نضجاً عميقاً في التنظير الفقهي داخل المذاهب. 

لم يكن الكتاب مجرد تجميع لقواعد فقهية متفرقة، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً هدف، بحسب عبارة مؤلفه، إلى "ضبط أصول المذهب"، و"جمع شتات المسائل" لطلاب العلم. 

إن الغاية من تأليفه تتجاوز الحصر والجمع إلى التقعيد والتأصيل، فهو محاولة جادة لرسم الخريطة الكلية التي تحكم الفروع الفقهية المنتشرة في مصنفات المذهب الحنبلي، وتقديمها في نسق منهجي متكامل.

يسعى هذا المقال إلى إثبات أن كتاب "تقرير القواعد" لم يكن مجرد عملية تجميع للقواعد، بل كان نتاج عملية "استقراء" للفروع الفقهية الحنبلية، هدف من خلالها ابن رجب إلى استنباط المبادئ الكلية والأصول الجامعة التي تحكمها وتفسرها. 

وبهذا المنهج، تحول الكتاب من مجرد مؤلَّف في القواعد إلى نص تأسيسي شكّل بوعي أو بغير وعي مسار المذهب الحنبلي في القرون اللاحقة. ويتجلى هذا التأثير العميق في اعتماده من قبل أئمة التحقيق والتنقيح كالإمام علاء الدين المرداوي، وفي كونه الأساس الذي بنى عليه عمدة المتأخرين منصور البهوتي، وصولاً إلى إعادة إحيائه وتسهيله في العصر الحديث على يد المجدد الشيخ عبد الرحمن السعدي، مما يجعله حلقة وصل حيوية في سلسلة تطور الفقه الحنبلي.


المبحث الأول: هوية الكتاب وبنيته.

المطلب الأول: التعريف بالمؤلِّف والمؤلَّف.

لفهم القيمة الحقيقية لأي عمل علمي، لا بد من فهم سياقه الذي أنتج فيه، وهذا يبدأ بالتعريف بصاحبه. الإمام ابن رجب الحنبلي (736 - 795 هـ) لم يكن شخصية عادية؛ فقد نشأ في بيت علم، وارتحل في طلب العلم، وجلس إلى كبار شيوخ عصره مثل ابن القيم الجوزية، وابن قاضي الجبل، ومحمد بن الخباز. 

وقد شهد له العلماء بالتمكن والرسوخ؛ فقال عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني: "ومهر في فنون الحديث أسماء ورجالاً وعللاً وطرقاً، واطلاعاً على معانيه". 

وقال ابن العماد الحنبلي: "كانت مجالس تذكيره للقلوب صادعة... اجتمعت الفرق عليه، ومالت القلوب بالمحبة إليه". 

هذا العمق في الحديث والفقه، مع ما عُرف عنه من زهد وورع، هو الذي صبغ مؤلفاته بصبغة خاصة تجمع بين دقة التحقيق وروحانية التذكير.

له مؤلفات قيمة: منها: «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، و«جامع العلوم والحكم - وهو شرح أربعين النووي مع الزيادات المشهور -»، و«الاستخراج الأحكام الخراج »، و«الذيل على طبقات الحنابلة - تراجم أصحاب المذهب -»

أما الكتاب نفسه، فقد اختلفت الإشارات إلى عنوانه الدقيق، لأن المؤلف لم ينص عليه صراحة في مقدمته، وهي عادة بعض المصنفين قديماً. 

اشتهر الكتاب باسم "القواعد في الفقه الإسلامي" أو "قواعد ابن رجب"، ولكن العنوان الذي استقر عليه المحققون بناءً على بعض النسخ الخطية هو "تقرير القواعد وتحرير الفوائد". 

وقد أوضح ابن رجب الغرض من تأليفه في مقدمته الشهيرة، حيث قال إنها "قواعد مهمة، وفوائد جمّة، تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيّب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيّد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد". 

ورغم إشارته إلى أنه ألفه "على غاية من الإعجال كالارتجال أو قريباً من الارتجال في أيام يسيرة وليالٍ" ، فإن عمق الكتاب ودقته جعلا منه أثراً خالداً.

أما الكتاب فهو من أنفس وأحفل الكتب الحنبلية في القواعد الفقهية، حمل من الثروة الفقهية ما يجلُّ عن الوصف والبيان. يقول صاحب كشف الظنون: "وهو كتاب نافع من عجائب الدهر". 

المطلب الثاني: البنية الهيكلية للكتاب. 

يتسم بناء الكتاب بتسلسل رقمي واضح، حيث بنى ابن رجب مادته على 160 قاعدة فقهية مرقمة. ثم أردف هذه القواعد بفصل ختامي سماه "فوائد تلتحق بالقواعد"، وقد بلغ عددها 21 فائدة. 

وعند التحقيق، يتضح أن هذه الفوائد ليست مجرد فوائد عابرة، بل هي غالباً ما تتناول مسائل مشهورة وكبيرة يكثر فيها الخلاف في المذهب، وتتشعب فيها التفريعات داخل المذهب، مما استدعى إفرادها لمزيد من البيان.

وتغطي هذه القواعد مختلف أبواب الفقه، مما يدل على شمولية نظرة المؤلف. 

فنجد قواعد تتعلق بفقه العبادات، مثل القاعدة الأولى في حكم "الماء الجاري؛ هل هو كالراكد، أو كل جرية منه لها حكم الماء المنفرد؟" ، والقاعدة الثامنة التي تبحث في "من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها؛ هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟". 

وتمتد القواعد لتشمل فقه المعاملات المالية، كما في القاعدة التاسعة والثمانين التي تحصر "أسباب الضمان" في ثلاثة: العقد، واليد، والإتلاف. 

وتصل إلى فقه الأسرة والجنايات، كما في القاعدة الثانية والخمسين بعد المئة التي تقسم "المحرمات في النكاح" إلى أربعة أنواع. 

هذا التنوع يثبت أن الكتاب لم يكن مقتصراً على باب دون باب، بل كان محاولة لتقديم نظرية كلية للفقه الحنبلي.

إن البنية الهيكلية للكتاب تكشف عن رؤية منهجية عميقة. فالكتاب ليس مدونة مرتبة على أبواب الفقه، كما أنه لا يتبع التقسيم الذي نجده في بعض كتب القواعد المتأخرة، مثل "الأشباه والنظائر" للسُّبكي الذي يقسم القواعد إلى كبرى وعامة وخاصة. 

بدلاً من ذلك، يقدم ابن رجب قواعده في سرد متسلسل. هذا الترتيب، عند اقترانه بهدفه المعلن وهو "نظم منثور المسائل" ، يشير بقوة إلى أن منهجه كان استقرائياً بالدرجة الأولى. فهو لم ينطلق من مبادئ مجردة ليطبقها على الفروع، بل انطلق من الفروع الفقهية المنتشرة في كتب المذهب، وتتبعها، ورأى الأنماط المتكررة فيها، ثم صاغ القاعدة الكلية التي تجمع شتاتها. 

وبهذا، فإن الكتاب ليس معياراً يُفرض على المذهب من أعلى، بل هو مرآة تعكس البنية المنطقية الداخلية للمذهب كما هي موجودة بالفعل في فتاوى الإمام أحمد وأقوال أصحابه. 

هذا الفهم لطبيعة الكتاب يفسر سر اعتماده الكبير لاحقاً من قبل محققي المذهب، وعلى رأسهم المرداوي، الذين كانت مهمتهم الأساسية هي "تحرير" و"تنقيح" الأقوال المعتمدة في المذهب، فوجدوا في كتاب ابن رجب الأداة المنهجية المثلى لتحقيق هذا الغرض.


المبحث الثاني: المنهجية الفقهية لابن رجب في "تقرير القواعد".

المطلب الأول: صياغة القاعدة وتطبيقها.

تتجلى عبقرية ابن رجب الفقهية في الطريقة التي صاغ بها قواعده وعرض تطبيقاتها. 

لم تكن صياغته على وتيرة واحدة، بل تنوعت لتخدم الغرض من كل قاعدة. فبعض القواعد جاءت بألفاظ موجزة ومحكمة، على غرار القواعد الفقهية الكبرى المعروفة. إلا أن السمة الأبرز في الكتاب هي وجود قواعد صيغت بعبارات طويلة ومفصلة، تكاد تكون شرحاً للقاعدة أو قواعد مندرجة فيها لا مجرد نص لها. 

وقد لاحظ بعض الباحثين أن هذه الإطالة تخرجها عن الصياغة المعهودة للقواعد التي تهدف إلى الإيجاز ليسهل حفظها، لكن يمكن تفسير ذلك بأن هدف ابن رجب الأساسي لم يكن الحفظ، بل "الضبط" الدقيق للمعنى بحيث تكون القاعدة شاملة لجميع فروعها ومستثنياتها، ولو على حساب الإيجاز الشكلي.  

كما استخدم أسلوباً آخر في القواعد التي يكثر فيها الخلاف داخل المذهب، فصاغها على هيئة سؤال يبدأ بـ "هل...؟"، مما يعكس أمانته العلمية في عرض مواطن التجاذب الفقهي دون حسمها بشكل قاطع.

أما منهجه في التطبيق، فيقوم على ربط الكلي بالجزئي بطريقة فريدة. فهو يستخرج القاعدة من استقرائه للفروع، ثم يعود فيستخدم هذه القاعدة كخيط ناظم يجمع به مسائل فقهية متناثرة من أبواب شتى، من الطهارة إلى البيوع والأنكحة والجنايات. 

هذه الطريقة تبرز قدرته الفائقة على "جمع شتات المسائل" وتكشف عن المنطق الداخلي الذي يحكم المذهب الحنبلي. 

ومن معالم منهجه الدقيقة أيضاً أنه قد يدرج ضمن شرحه للقاعدة قواعد أخرى أصغر، أو ما يمكن تسميته بـ "ضوابط فقهية"، مما يضفي على تحليله عمقاً وتفصيلاً إضافياً، ويدل على ملكة فقهية راسخة.

المطلب الثاني: التعامل مع التعددية داخل المذهب.

لم يكن المذهب الحنبلي في عصر ابن رجب جامداً، بل كان مفعماً بالحياة والتعددية الداخلية، خاصة فيما يتعلق بالروايات المتعددة المنقولة عن الإمام أحمد نفسه. وقد برع ابن رجب في التعامل مع هذه التعددية. 

فمن أبرز سمات كتابه عنايته الفائقة بذكر الروايات المختلفة عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة، وتحرير الخلاف الواقع بين الأصحاب في اعتماد أي من هذه الروايات.

والأهم من مجرد العرض، هو طريقته في فهم آلية الترجيح. لم يكن ابن رجب يسعى دائماً إلى تقديم حل نهائي وحاسم، بل كان يهدف إلى كشف منطق الفقه نفسه. 

ومن أروع ما يظهر في كتابه هو مفهوم "تدافع القواعد"، حيث يوضح كيف أن الفقيه الحنبلي قد يقدّم قاعدة على أخرى في موطن معين لوجود علة أو قرينة خاصة، ثم يفعل العكس في موطن آخر لاختلاف السياق. هذا التحليل يكشف عن فهم عميق للطبيعة الاجتهادية الفقهية، ويبين أن عملية الترجيح ليست عملية رياضية، بل هي ممارسة فكرية دقيقة تعتمد على الموازنة بين أصول متعددة في ضوء سياق كل مسألة.

المطلب الثالث: التداخل بين "القاعدة" و"الضابط".

أشار عدد من الباحثين إلى أن ابن رجب، شأنه في ذلك شأن كثير من الفقهاء قديماً، لم يلتزم بالفرق الاصطلاحي الدقيق الذي استقر عليه المتأخرون بين "القاعدة الفقهية" و"الضابط الفقهي". 

فالقاعدة، بحسب التعريف المستقر، هي حكم كلي ينطبق على جزئيات من أبواب فقهية مختلفة (مثل: "الأمور بمقاصدها"). أما الضابط، فهو حكم كلي يجمع مسائل من باب فقهي واحد فقط (مثل: "كل ما صح بيعه صح رهنه"). 

وبالنظر في كتاب ابن رجب، نجد أن كثيراً مما سماه "قاعدة" هو في حقيقته "ضابط" فقهي يختص بباب معين.

إلا أن هذا التداخل لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه قصور منهجي، بل يجب فهمه في ضوء الهدف العملي الذي سعى إليه المؤلف. لم يكن ابن رجب يكتب مؤلفاً نظرياً في القواعد، بل كان يصنع أداة للفقيه المتمرس وطالب العلم المتقدم. 

كان هدفه تزويد القارئ بالمبادئ التي تضبط له المسائل وتجمع له شتاتها، سواء انطبقت هذه المبادئ على باب واحد أو على أبواب متعددة. 

فالقيمة العملية للضابط في ضبط مسائل بابه لا تقل عن القيمة العملية للقاعدة في ربط الأبواب المختلفة. لذا، كان تركيزه على الوظيفة (وهي الضبط والجمع) أكثر من تركيزه على التصنيف الاصطلاحي الدقيق.


المبحث الثالث: المصادر المذهبية.

المطلب الأول: الاعتماد على أصول المذهب الحنبلي.

إن القيمة الكبرى لكتاب "تقرير القواعد" تكمن في كونه متجذراً بعمق في المذهب الحنبلي، ومستمداً مادته من مصادره الأصيلة. يظهر ذلك جلياً في إسهاب ابن رجب في النقل عن أئمة المذهب وكتبهم المعتمدة. فهو ينقل عن القاضي أبي يعلى، ويستفيد من "مسائل ابن منصور" التي تنقل أقوال الإمام أحمد، ويعتمد على كتب الموفق ابن قدامة التي شكلت نقطة تحول في المذهب.

هذا الاعتماد على المصادر الأساسية يثبت أن الكتاب لم يكن مجرد اجتهاد شخصي معزول، بل هو خلاصة لتراث فقهي عريق.

والأكثر أهمية من مجرد النقل هو المنهج النقدي الذي تعامل به ابن رجب مع هذا التراث. فلم يكن مجرد ناقل أو مجمع، بل كان محققاً ومدققاً.

ويتجلى هذه النفس النقدي في عنايته الخاصة بتحرير أقوال الإمام أحمد، والسعي لتصحيح ما نُسب إليه خطأً. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، تنبيهه على أن بعض المتقدمين كأبي بكر بن عبد العزيز كان أحياناً ينقل كلام الإمام أحمد بالمعنى، مما قد يؤدي إلى تغيير في دلالته الدقيقة، وكذلك ملاحظته أن القاضي أبا يعلى كان يظن بعض أقوال سفيان الثوري في "مسائل ابن منصور" من أقوال الإمام أحمد. هذا المنهج النقدي الدقيق يرفع من قيمة الكتاب ويجعله مرجعاً موثوقاً في تحرير المذهب.

المطلب الثاني: أثر مدرسة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

لا يمكن دراسة أي عالم من علماء القرن الثامن الهجري في الشام دون التطرق إلى الأثر العميق الذي تركته مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد كان ابن رجب من أبرز تلاميذ ابن القيم الجوزية، الذراع اليمنى لابن تيمية. 

هذا القرب العلمي أدى ببعض من ترجم لابن رجب إلى استكثار تأليفه لكتاب "القواعد" في مدة وجيزة، والقول بأنه "جمعه من كلام ابن تيمية".

لكن هذا القول، على وجاهته الظاهرية، يحمل تبسيطاً شديداً لطبيعة عمل ابن رجب ومنهجه. فمع تأثره الواضح بابن تيمية وابن القيم، إلا أنه حافظ على استقلاليته ومنهجه الخاص. 

فطريقة ابن تيمية في التأليف في "القواعد" كانت مختلفة، حيث كان يكتب رسائل متخصصة في قواعد معينة مثل "القاعدة النورانية"، وغالباً ما كانت كتاباته تتجاوز حدود المذهب الواحد لتناقش الأصول الكلية للشريعة. 

أما مشروع ابن رجب فكان موجهاً لخدمة المذهب الحنبلي تحديداً، وهدفه "ضبط أصول المذهب". 

كما أن ابن رجب لم يتردد في مخالفة شيخ الإسلام في بعض المسائل التي انفرد بها.

يمكن فهم علاقة ابن رجب بفكر ابن تيمية فهماً أعمق وأكثر دقة إذا نظرنا إليه ليس كمجرد ناقل أو مقلد، بل كـ "مُحَنبِل" لفكر ابن تيمية.  

لقد كان ابن رجب هو الجسر الذي عبرت عليه الأفكار التجديدية لتستقر وتتجذر في صلب المذهب.


المبحث الرابع: مكانة الكتاب والأعمال العلمية اللاحقة به.

المطلب الأول: شهادات العلماء ومكانة الكتاب.

لم يكن "تقرير القواعد" كتاباً عادياً مرّ في تاريخ الفقه الحنبلي مرور الكرام، بل حظي منذ تأليفه بتقدير استثنائي من كبار العلماء، مما رسّخ مكانته كأحد أهم المصنفات في مجاله. 

وقد أثنى عليه معاصروه ومن جاء بعدهم. فنجد حفيد ابن مفلح، وهو من أئمة المذهب، يثني عليه. 

ويصفه الإمام ابن عبد الهادي بأنه "كتاب نافع من عجائب الدهر". 

أما منقح المذهب الحنبلي، الإمام المرداوي، فيشيد بصاحبه قائلاً: "ما أكثر تحقيقه، وأغزر علمه". 

وفي العصر الحديث، يصفه الأستاذ مصطفى الزرقا بأنه "كتاب عظيم القيمة يحمل من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف".

ولم تكن هذه الشهادات مجرد ثناء عام، بل انعكست في مكانة عملية محورية للكتاب داخل المذهب. فقد أصبح الكتاب مرجعاً معتمداً في تحرير وتقعيد المذهب الحنبلي. 

وتتجلى هذه المرجعية في أبهى صورها عند الإمام المرداوي في موسوعته "الإنصاف"، حيث يضع "صاحب القواعد الفقهية" والمقصود ابن رجب، ضمن قائمة الأئمة الذين يُعتمد على ترجيحاتهم عند اختلاف الأصحاب. 

هذا التصنيف لم يكن مجرد تكريم، بل كان إعلاناً بأن كتاب ابن رجب قد انتقل من كونه مجرد مؤلَّف فقهي إلى كونه أداة معيارية يُرجع إليها في حل الإشكالات وتحرير الأقوال المعتمدة في المذهب.

المطلب الثاني: خريطة الأعمال العلمية على "تقرير القواعد".

إن حيوية أي كتاب لا تقاس فقط بما قاله مؤلفه، بل بما أثاره من نقاش وما استدعى من أعمال علمية لاحقة. ومن هذا المنظور، يعد كتاب "تقرير القواعد" نصاً حياً بامتياز، فقد توالت عليه جهود العلماء شرحاً واختصاراً وتحقيقاً على مر القرون، مما يدل على ثرائه وقيمته المستمرة. 

ويمكن تقسيم هذه الجهود إلى عدة فئات:

اﻷولى: الشروح الحديثة: استمر الاهتمام بالكتاب في العصر الحديث من خلال الشروح الصوتية والمطبوعة، مثل: 

١ - شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، صوتي ثم فرغ وطبع في مؤسسة الشيخ.  

٢ - شرح الشيخ عبد الله الغديان (ت. 1431 هـ) ويتميز بالعمق والتحقيق، صوتي ثم فرغ وطبع في دار إلاف.

٣ - شرح الشيخ محمد بن حمود الوائلي، صوتي. 

٤ -  شرح الشيخ خالد المشيقح، صوتي.

٥ - شرح الشيخ سامي الصقير، صوتي.  

٦ - كتاب "العوائد بإيضاح تقرير القواعد" للدكتور صالح بن سالم الصاهود، طبع في دار طيبة الخضراء. 

وهو من الأعمال المعاصرة البارزة التي جمعت بين الشرح والتهذيب والتحقيق، ويتميز هذا العمل بمنهجه المركب الذي لا يقتصر على الشرح فقط، بل يعيد صياغة القواعد التي ذكرها ابن رجب بصيغة استفهامية إلى صيغة جازمة متوافقة مع المعتمد عند متأخري الحنابلة، مع حذف الاحتمالات والمسائل الفرعية، وتقديم أمثلة توضيحية جديدة، مما يجعله عملاً فريداً يهدف إلى حل إشكالات الكتاب وتقريبه لمتوسطي طلاب العلم.

الثانية: الحواشي والتعليقات: بدأت خدمة الكتاب مبكراً مع تلامذة المصنف، وأبرزها: 

١ - حاشية تلميذه المباشر محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي (ت. 844 هـ)، طبعة مع الكتاب في دار ركائز. 

وهي حاشية نفيسة توضح المشكل وتستدرك وتضيف، وتعتبر من أهم الأعمال التي كشفت عن كنوز الكتاب.

٢ - تعليقات لعلاء الدين ابن اللحام، وإبراهيم ابن ضويان، في النسخ الخطية للكتاب.

 الثالثة: المختصرات والتهذيبات: نظراً لعمق الكتاب وصعوبة بعض عباراته على المبتدئين، ظهرت الحاجة إلى اختصاره وتهذيبه. ومن أبرز هذه المختصرات:

١ - " مختصر قواعد ابن رجب " لعبد الرزاق الحنبلي ت سنة (٨١٩ هـ)، غير مطبوع.

٢ - " مختصر وتهذيب قواعد ابن رجب" ليوسف بن عبد الرحمن التاذفي الحلبي الحنبلي، غير مطبوع.  

٣ - "مختصر قواعد ابن رجب" لعبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ت سنة (١١٢١ هـ)، غير مطبوع. 

٤ - "تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت. 1376 هـ)، ويقوم منهجه على تقديم نسخة ميسرة من "القواعد"، تصلح كمدخل تعليمي للكتاب الأصلي، حيث يحصل الطالب من خلالها على زبدة القواعد مع تطبيقاتها، دون الغوص في الاستطرادات والخلافات المعقدة التي يزخر بها الأصل.

وظهرت شروح متعددة على مختصر السعدي، منها: 

أ - شرح الشيخ عبد الكريم اللاحم، وهو شرح يحرر القواعد ويعيد صياغتها إلى عدة قواعد أخرى. 

ب - شرح الشيخ خالد بن علي المشيقح الذي تميز بربط القواعد بالواقع المعاصر والمسائل المستجدة. 

٢ - "نيل الأرب من قواعد ابن رجب" للشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت. 1421 هـ)، مطبوع.

يختلف مختصر الشيخ عن بقية المختصرات في كونه لا يهدف إلى شرح القواعد أو تقريب تفصيلاتها، بل إلى تجريدها وتقديمها كنصوص مركزة للحفظ، مما يجعله أداة مفيدة للمراحل المتقدمة من المراجعة والضبط.

وظهرت شروح متعددة على مختصر ابن عثيمين، منها:

١ - شرح الشيخ سعد بن ناصر الشثري، صوتي.

٢ - الشيخ عبد الله بن أحمد الخولاني، وطبع بـــدار أطلس الخضراء. 

ومنهجه: تعريف معاني كلام ابن عثيمين وابن رجب رحمهما الله، وضرب الأمثلة الشارحة على المتنين، بشكل يُمكِّن الطالب من معرفة القواعد الفقهية على المذهب الحنبلي، فيدري كيف انبنت الفروع على الأصول، وكيف انبثقت المسائل عن تلك القواعد، وأيضًا: يفهم كيف انطبقت الأصول على الفروع، وكيف اشتملت تلك القواعد على تيْكَ المسائل.

٣ - "التقريب لقواعد ابن رجب" للشيخ خالد المشيقح، مطبوع. يقدم الدكتور خالد المشيقح في كتابه "التقريب" نموذجاً لمنهج "التهذيب والتقريب"، الذي يهدف إلى تقديم نسخة منقحة، وأكثر تركيزاً من النص الأصلي، مع الحفاظ على هيكله العام. 

ويقوم منهجه على الأسس التالية:

الأول: الاختصار بالحذف الانتقائي: حافظ المختصِر على جميع القواعد والمسائل الأساسية التي أوردها ابن رجب، لكنه قام بحذف ما يراه إطالة لا تخدم المبتدئ، والمتمثل في الفروع، والتخريجات التي يقوم ابن رجب نفسه بردها وتضعيفها. هذا المنهج يركز على الخلاصة المعتمدة دون الدخول في تفاصيل المناقشات العلمية المعقدة.

الثاني: التوضيح والشرح المدمج: شرح ما يحتاج إلى بيان عبر ضرب الأمثلة، وتفسير الغريب، وتوضيح مراد المؤلف، مع وضع هذه الإضافات إما في الحواشي أو بين شرطتين في صلب النص، مما يسهل القراءة المتصلة.

الثالث: تحرير المذهب: سعى إلى تحرير المذهب عند المتاخرين في المسائل التي أطلق ابن رجب فيها الخلاف دون ترجيح.

الرابع: إعادة الصياغة للتسهيل: في بعض المواضع، قام بإعادة صياغة بعض القواعد الطويلة على هيئة أقسام وفقرات مرقمة، لتسهيل فهمها وتصورها.

٤ - "مختصر قواعد ابن رجب" لأحمد محمد الخليل، مطبوع.

يمثل عمل الدكتور أحمد الخليل "مختصراً تعليمياً" بالدرجة الأولى، حيث يرى أن المشكلة في كتاب ابن رجب ليست في المحتوى بقدر ما هي في طريقة العرض. لذا، ركز جهده على حل هذه الإشكالية مع الالتزام الصارم بالنص الأصلي. 

ويتميز منهجه بالآتي:

اﻷول: الالتزام الحرفي بالنص: السمة الأبرز في هذا المختصر هي عدم التدخل في صياغة كلام ابن رجب على الإطلاق، سواء في نص القاعدة أو في الأمثلة المضروبة عليها، حيث يتم نقلها كما هي.

الثاني: الربط المباشر بين القاعدة والمثال: ابتكر طريقة تعليمية فريدة لمعالجة تباعد القاعدة عن تطبيقاتها في الأصل، حيث يذكر أجزاء القاعدة في المتن، ويربط كل جزء بمثاله مباشرة في الحاشية. 

هذا الأسلوب يسمح للطالب بقراءة القاعدة كاملة في المتن، ثم النزول إلى الحاشية لفهم تطبيق كل جزء منها على حدة.

الثالث: الشمول والاستيعاب: حرص على ذكر جميع القواعد التي أوردها ابن رجب دون انتقاء، مما يجعله أقرب إلى "تهذيب عرض" منه إلى "اختصار انتقائي".

الرابع: التركيز على المهارات الفقهية: لم يكتفِ بذكر أي مثال، بل حرص في اختياره للأمثلة على أن تشتمل على مهارات فقهية إضافية كالتخريج الفقهي أو بيان مأخذ المسألة، مما يضيف بعداً تعليمياً أعمق.

٥ - "فتح العلي الواحد بتلخيص تقرير القواعد وتحرير الفوائد" للشيخ علاء ابراهيم الحنبلي، مطبوع.

يُعدّ عمل الشيخ علاء إبراهيم في "فتح العلي الواحد" أكثر من مجرد اختصار؛ إنه مشروع "إعادة بناء وهيكلة" للكتاب الأصلي وفق رؤية مذهبية محددة تهدف إلى تقديمه كمرجع دراسي منهجي. 

وتتجلى معالم هذا المنهج في النقاط التالية:

اﻷولى: إعادة الترتيب الكامل: قام المختصِر بإعادة ترتيب مادة الكتاب بالكامل وفق الأبواب الفقهية المعهودة، مبتدئاً بـ "قواعد العبادات" ثم "قواعد المعاملات" وما يلحق بها من أبواب كالإجارة والعقود والضمان. 

هذا التحويل الجذري ينقل الكتاب من طبيعته الموسوعية غير المرتبة إلى بنية كتاب دراسي منهجي يسهل على الطالب تتبعه.

الثانية: حنبلة القواعد والتطبيقات: وهي السمة الأبرز في هذا المختصر. فقد عمد المؤلف إلى "تخليص المذهب الحنبلي من ثنايا الأقوال، والخلافات، والتخريجات" التي ساقها ابن رجب، واقتصر على الرواية أو القول الموافق للمعتمد عند متأخري الحنابلة، معتمداً على مصادر مثل "المنتهى" و"الإقناع" وكتب المرداوي. 

هذا العمل يهدف إلى تقديم المذهب بصورة منقحة وخالية من التشعبات، وهو ما يخدم الطالب الذي يسعى لضبط المعتمد في المذهب.

الثالثة: توليد القواعد الفرعية: لم يكتفِ المؤلف بالقواعد التي نص عليها ابن رجب، بل قام بعمل استقرائي لاستخراج القواعد الفرعية والمندرجة في ثنايا الشرح، مما أدى إلى زيادة عدد القواعد من 160 قاعدة أصلية إلى 382 قاعدة مرقمة. وهذا يعكس تحولاً من "الاختصار" إلى "التوسيع المنظم" الذي يبرز البنية الهيكلية للقواعد.

الرابعة: الخدمات التعليمية المضافة: زُود الكتاب بخدمات تعليمية فائقة لخدمة الطالب، مثل تشجير القواعد الطويلة لتسهيل فهمها، والضبط الكامل للقواعد بالشكل لتيسير حفظها، وشرح الكلمات الغريبة، وتخريج الأحاديث والآثار مع الاقتصار على ما استدل به فقهاء المذهب.

الرابعة: الترتيب والربط: لم تقتصر خدمة الكتاب على الشرح والاختصار، بل امتدت إلى إعادة ترتيب مادته وربطها بكتاب فقهي آخر لتسهيل الوصول إليها. 

ومن الأمثلة على ذلك عمل بعنوان "الربط الجلي بين مسائل الروض وقواعد ابن رجب الحنبلي رحمه الله"، وهو محاولة لترتيب قواعد ابن رجب على أبواب الفقه. حيث وُضع متن "الروض المربع" في أعلى الصفحة، بينما أُدرجت فروع وقواعد ابن رجب في الحاشية السفلية، مع اعتماد نظام ترميز واضح يميز بين الفرع (ع) والقاعدة (ق). 

ومن اللافت تقديم الفرع على القاعدة في الحاشية، وهو اختيار منهجي يهدف إلى تسهيل الفهم على الطالب، حيث يقابل الفرع الفقهي المسألة المذكورة في المتن مباشرة، ثم تأتي القاعدة لتوضح الأصل الذي انبنى عليه. ولضمان الشمولية والاستقصاء، استعان فريق العمل بأدوات بحثية متخصصة، كفهرس ابن نصر الله البغدادي، وفهرس الشيخ مشهور السلمان، وهما من أهم الفهارس التي خدمت كتاب "القواعد". 

الخامسة: المنظومات الشعرية: لم يقتصر الاهتمام بالكتاب على الشرح والتهذيب النثري، بل امتد ليشمل النظم الشعري لتسهيل حفظ القواعد واستحضارها. ومن أبرز هذه المنظومات: 

١ - "نظم إبريز الذهب من قواعد ابن رجب" للشيخ محمد (حماد) بن أحمد بن سيد الجكني الشنقيطي، مطبوع. عدد الأبيات: ٤٣٩ بيتاً.

تقوم منهجية الناظم على الاختصار، فقد صرح بأنه "اقتضب تمثيله لحفظه"، كما أنه حذف قسم "الفوائد" الذي أورده ابن رجب في كتابه ليركز حصراً على "القواعد".

ولم يبدأ بالقاعدة الأولى عند ابن رجب، بل استهل منظومته بفصل جديد استعرض فيه القواعد الفقهية الكلية الخمس الكبرى، مثل قوله: "إِنَّ الْأُمُورَ بِالمَقَاصِدِ تُعَدْ".

 ٢ - "ما وجب من نظم قواعد ابن رجب" للشيخ محمد بن مقبل العنزي، مطبوع.

فقد حرص الناظم على صياغة جوهر القاعدة بأقل عدد ممكن من الألفاظ، دون الدخول في تفصيلات أو شروحات. على سبيل المثال، صاغ القاعدة الأولى في بيت واحد موجز: "هَلْ حُكْمُ جارِ المَاءِ حُكْمُ مَا رَكَدْ / أوْ حُكْمُ كُلِّ جَرْيَةٍ قَدِ انْفَرَدْ". وهذا يكاد يكون نظماً حرفياً للقاعدة النثرية، مما يؤكد على الطبيعة الوظيفية للنظم كأداة للحفظ والتذكر.

٣ - ذات الحسب بنظم قواعد ابن رجب للدكتور أنور صالح أبو زيد، مطبوع. عدد الأبيات: 650 بيتاً. 

وهدف الناظم، إلى "الاستيعاب لمحتوى مضامين القاعدة قدر المستطاع" مع تقديم "شيء من التفصيل والترتيب والتحليل لعناصر القاعدة بما قد لا يعوز الناظر فيها إلى غيرها".

ومع التزامه العام بترتيب ابن رجب، إلا أنه قام في مواضع قليلة بإعادة ترتيب بعض القواعد ليجمع بين المتشابهات موضوعياً، مع التنبيه على ذلك في شرحه، كتقديمه للقاعدة السادسة عشرة لتُذكر مع القاعدة السابعة لصلتهما الوثيقة. 

السادسة: التحقيقات العلمية: شهد العصر الحديث جهوداً متعددة لإخراج نص الكتاب محققاً ومخدوماً، ومن أبرز هذه التحقيقات:  

١ - طبعة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان. 

٢ - طبعة إياد القيسي، ومعها حاشية ابن سعدي وابن عثيمين.

٣ - طبعة الدكتور خالد المشيقح وأنس اليتامى وعبد العزيز العيدان، ومعها حاشية ابن نصر. 

إن هذه الخريطة المتنوعة من الأعمال العلمية تكشف عن مسار الكتاب عبر الزمن، وتوضح أن طبيعته المزدوجة -كونه عميقاً ومفصلاً من جهة، وصعباً على المبتدئين من جهة أخرى- أدت إلى ولادة أنواع مختلفة من الأعمال التي تستهدف إما التعمق أو التسهيل، مما يمثل قصة حية لتراث فكري أثبت قدرته على التكيف والتجدد عبر العصور.


المبحث الخامس: التأثير على أقطاب المذهب الحنبلي وخارجه.

لم يقتصر أثر كتاب "تقرير القواعد" على كونه مصنفاً يُثني عليه العلماء، بل تجاوز ذلك ليصبح عنصراً فاعلاً في تشكيل الفقه الحنبلي في مراحله اللاحقة، ويتجلى هذا التأثير بوضوح في أعمال ثلاثة من أبرز أقطاب المذهب في عصور مختلفة: المرداوي، والبهوتي، وابن سعدي، كما امتد أثره ليكون مصدراً رئيسياً في الدراسات الفقهية المقارنة.

المطلب الأول: الأثر على منقِّح المذهب: علاء الدين المرداوي (ت. 885 هـ).

يُعد الإمام علاء الدين المرداوي "محرر المذهب ومنقحه"، وعمله الضخم "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" هو المرجع الأساسي في تحرير المذهب الحنبلي المتأخر وتحديد القول المعتمد فيه. 

كانت مهمة المرداوي شاقة، إذ تطلبت منه الغوص في بحر من الأقوال والروايات المتعارضة داخل المذهب، والموازنة بينها للوصول إلى القول الأقوى والأصح. وللقيام بهذه المهمة، كان لا بد له من معايير وأدوات للترجيح.

وهنا يبرز الأثر المباشر لكتاب ابن رجب. ففي مقدمة "الإنصاف"، يضع المرداوي قائمة بالكتب والأئمة الذين يعتمد عليهم في الترجيح عند اختلاف الأصحاب، ويذكر من بينهم "صاحب القواعد الفقهية". 

إن إدراج المرداوي لكتاب ابن رجب في هذه القائمة المرجعية يعني أن موافقة قول ما لقواعد ابن رجب كانت تعتبر مرجحاً له على غيره.

وبهذا، لم يعد كتاب "تقرير القواعد" مجرد كتاب فقهي آخر في مكتبة المرداوي، بل تحول إلى "نص معياري" أو "أداة منهجية".

 كان المرداوي يستخدم المبادئ التي استنبطها ابن رجب من فروع المذهب كمسطرة يقيس بها صحة الأقوال الأخرى. 

فإذا كان مشروع المرداوي هو "تنقيح المذهب"، فإن مشروع ابن رجب كان "تقعيد المذهب"، وقد وفّر المشروع الثاني الأساس المنهجي الذي لا غنى عنه لنجاح المشروع الأول. وهذا يفسر الثناء الكبير الذي أسبغه المرداوي على ابن رجب، واصفاً إياه بالتحقيق وغزارة العلم ، فهو لم يكن يثني على مجرد عالم، بل كان يعترف بفضل صاحب الأداة المنهجية التي استعان بها في عمله العظيم.

المطلب الثاني: الأثر على عمدة المتأخرين: منصور البهوتي (ت. 1051 هـ).

إذا كان المرداوي هو منقح المذهب، فإن الإمام منصور البهوتي هو الذي صاغ المذهب في صيغته النهائية التي استقر عليها العمل والتدريس والفتوى لقرون. 

فمؤلفاته، وعلى رأسها "كشاف القناع عن متن الإقناع"، و"دقائق أولي النهى بشرح المنتهى"،  و"الروض المربع شرح زاد المستقنع"، أصبحت هي المتون المعتمدة لدى الحنابلة المتأخرين.

قد لا يظهر أثر ابن رجب على البهوتي في صورة نقولات مباشرة ومتكررة في كل مسألة؛ وذلك لأن البهوتي كان يعرض المذهب بعد أن استقر أمره على يد المرداوي. 

لكن الأثر كان أعمق من ذلك، فقد شكلت القواعد التي رسخها ابن رجب "البنية التحتية الفكرية" التي قام عليها فقه البهوتي. فالأحكام التي يقررها البهوتي في "الروض" و"دقائق أولي.." و"الكشاف" هي في معظمها تطبيقات عملية للمبادئ الكلية التي نظّر لها ابن رجب. 

وهناك إشارات صريحة تدل على اطلاع البهوتي العميق على كتاب "القواعد"، ومن ذلك استشهاده بمقدمة ابن رجب في سياق حديثه عن أهمية القواعد الفقهية. 

كما أن المشاريع العلمية الحديثة التي قامت على ربط مسائل "الروض المربع" بقواعد ابن رجب تظهر بشكل جلي مدى التطابق والتناغم بين فروع البهوتي وأصول ابن رجب، مما يؤكد أن الأول كان يبني على الأساس المتين الذي وضعه الثاني.

المطلب الثالث: الأثر على المجدِّد والمسهِّل: عبد الرحمن السعدي (ت. 1376 هـ).

في العصر الحديث، ومع تغير أساليب التعليم وحاجة الطلاب إلى مناهج أكثر تركيزاً، برز دور العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في إحياء تراث ابن رجب وتقديمه للأجيال الجديدة. 

كما في مختصره "تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب" وغيره من كتبه.

المطلب الرابع: الأثر خارج المذهب: محمد الزحيلي نموذجاً.

لم يقتصر أثر كتاب "تقرير القواعد" على حدود المذهب الحنبلي، بل امتد ليشمل الدراسات الفقهية المقارنة الحديثة. 

ويعد كتاب "القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة" للدكتور محمد مصطفى الزحيلي مثالاً بارزاً على ذلك. يهدف هذا العمل الموسوعي إلى عرض القواعد الفقهية بشكل مقارن بين المذاهب الأربعة، مما يتطلب بالضرورة الرجوع إلى المصادر الأصيلة والمعتمدة في كل مذهب.

في هذا السياق، يمثل كتاب "تقرير القواعد" لابن رجب المصدر الأساسي والأكثر شمولاً للقواعد الفقهية في المذهب الحنبلي. ولذلك، عند استعراض الدكتور الزحيلي للقواعد الكلية في المذهب الحنبلي، أو القواعد التي اختلف فيها الحنابلة، كان اعتماده على كتاب ابن رجب أمراً لا غنى عنه. 

فمنهجه القائم على عرض القاعدة، ثم شرحها، ثم ذكر تطبيقاتها في كل مذهب على حدة، استلزم استقاء المادة الخاصة بالحنابلة من معينها الصافي، وهو كتاب ابن رجب الذي يُعد المرجع الأهم في هذا الباب. 

وبهذا، ساهم كتاب ابن رجب ليس فقط في ضبط المذهب الحنبلي داخلياً، بل في تمثيله وتقديمه بشكل دقيق في ساحة الفقه المقارن المعاصر.


خاتمة

في ختام هذا المقال يمكن القول إن كتاب "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" للإمام ابن رجب الحنبلي يتجاوز كونه مجرد مصنف في القواعد الفقهية ليحتل مكانة محورية في تاريخ الفقه الحنبلي. 

لقد كان الكتاب مشروعاً فكرياً متكاملاً نجح في تحقيق الأهداف التي رسمها له مؤلفه، فقام بـ"ضبط أصول المذهب"، و"نظم منثور مسائله"، وقدم للفقيه الحنبلي رؤية كلية ومنهجية متماسكة لفهم الفروع والتخريج عليها.

لقد أثبت التحليل أن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في جمعه لـ 160 قاعدة و21 فائدة، بل في منهجه الاستقرائي الفريد الذي انطلق من الفروع الجزئية ليصل إلى الأصول الكلية، وبهذا، لم يكن الكتاب مجرد إضافة كمية، بل كان إضافة نوعية ومنهجية.

والأهم من ذلك، أن "تقرير القواعد" لعب دور "الجسر المعرفي" الذي لا غنى عنه. فقد ربط بعبقرية بين مرحلة التأسيس وجمع الروايات في المذهب عند المتقدمين، ومرحلة التنقيح والتحرير والاستقرار عند المتأخرين، التي قادها الإمام المرداوي، واستقرت على يد الإمام البهوتي. 

فكان الكتاب هو الأداة التي مكنت المحررين من القيام بمهمتهم، والأساس الذي بنى عليه المعتمدون صروحهم.

إن الأثر الممتد للكتاب، والذي تجلى في الحواشي والشروح والمختصرات التي لم تنقطع منذ القرن التاسع الهجري وحتى يومناً هذا، هو أكبر دليل على حيويته وقيمته العلمية الباقية. 

لقد أثبت "تقرير القواعد" أنه من أهم أعمدة الكتب الفقهية في المذهب الحنبلي، وشاهداً على عبقرية صاحبه، الإمام ابن رجب الحنبلي.

وفي الختام الحمد لله رب العالمين.



قائمة المصادر والمراجع:

أولاً: كتب ابن رجب والأعمال المباشرة عليها:

 ١ - ابن رجب الحنبلي، عبد الرحمن بن أحمد. تقرير القواعد وتحرير الفوائد. تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن القيم ودار ابن عفان.

 ٢ - البغدادي، محب الدين أحمد بن نصر الله. حاشية على قواعد ابن رجب، تحقيق: الشيخ خالد المشيقح، وعبد العزيز العيدان، وأنس اليتامى، دار ركائز. 

 ٣ - الجكني، محمد (حماد) بن أحمد. نظم إبريز الذهب من قواعد ابن رجب.

 ٤ - الخليل، أحمد محمد. مختصر قواعد ابن رجب. دار اللؤلؤة.

 ٥ - السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب.

 ٦ - الصاهود، صالح بن سالم. العوائد بإيضاح تقرير القواعد وتحرير الفوائد. دار طيبة الخضراء.

 ٧ - العنزي، محمد بن مقبل. ما وجب من نظم قواعد ابن رجب.

  ٨ - العثيمين، محمد بن صالح. نيل الأرب من قواعد ابن رجب.

 ٩ - اللاحم، عبد الكريم محمد. شرح تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب. دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع.

 ١٠ - المشيقح، خالد بن علي. التقريب لقواعد ابن رجب. دار الإمام الذهبي.

 ١١ - المشيقح، خالد بن علي. شرح تحفة أهل الطلب في تجريد أصول قواعد ابن رجب. دار الإمام الذهبي.

١٢ - أبو زيد، انور صالح، ذات الحسب بنظم قواعد ابن رجب.

١٣ - الحنبلي، أبو معاذ علاء ابراهيم، فتح العلي الواحد بتلخيص تقرير القواعد وتحرير الفوائد، دار الؤلؤة. 

ثانياً: كتب المذهب الحنبلي:

١ - المرداوي، علاء الدين علي بن سليمان. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية.

 ٢ - البهوتي، منصور بن يونس. كشاف القناع عن متن الإقناع. وزارة العدل، المملكة العربية السعودية.

 ٣ - البهوتي، منصور بن يونس. الروض المربع شرح زاد المستقنع.

ثالثاً: كتب القواعد الفقهية العامة والتراجم:

 ١ - الزحيلي، محمد مصطفى. القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة. دمشق: دار الفكر، 2006.

 ٢ - الطريقي، عبد الله بن محمد بن أحمد. معجم مصنفات الحنابلة من وفيات 241 - 1420 هـ. الرياض، 2001.

 ٣ - ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. مجلس دائرة المعارف العثمانية.

 ٤ - ابن العماد الحنبلي، عبد الحي بن أحمد. شذرات الذهب في أخبار من ذهب. دار ابن كثير.

 ٥ - ابن عبد الهادي، يوسف بن حسن (ابن المبرد). الجوهر المنضد في طبقات متأخري أصحاب أحمد. مكتبة العبيكان.

 ٦ - الزرقا، مصطفى أحمد. المدخل الفقهي العام.

٧ - ابن العماد، عبدالحي بن أحمد، شذرات الذهب. 

٨ - الشوكاني، محمد بن علي، البدر الطالع  

٩ - الزركلي، خير الدين، اﻷعلام.

رابعاً: دراسات ومقالات حديثة:

الوائلي، محمد بن حمود. ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه. الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 2012.


الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم وأنواعه

 بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة وعلى المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين  أما بعد: فإن اللغة في منظورها البلا...