بسم الله الرحمن الرحيم عدنا إلى رب السيف والقلم محمود سامي البارودي (1839–1904م)، في قصيدة من عيون الشعر العربي الحديث التي استعادت ديباجة الشعر القديم في أوج ازدهاره. وتعود مناسبة نظم هذه القصيدة وقصتها إلى واقعة شهدها الشاعر أثناء إرساله ضمن بعثة عسكرية رسمية إلى إنجلترا، حيث تلقى وأعضاء البعثة دعوة خاصة من أحد النبلاء الإنجليز للخروج في رحلة صيد وقنص على صهوات الجياد في الريف. وثّق البارودي تفاصيل هذه الرحلة بأسلوب قصصي سردي يرتبط بتقاليد الشعر العربي؛ فصوّر ركوب الخيل واستكشاف مواطن الطرائد، واستعانة القوم بالرقيب أو الطليعة لرصد أسراب الصيد، وإطلاق الصقور الجارحة والكلاب السلوقية المدرّبة، ثم طهي اللحم وتناوله في الخلاء، وأعقب ذلك ارتياد مجلس شراب ونزل ريفي دارت فيه كؤوس المدام العتيقة بين الندماء حتى مالت الشمس للغروب وشارفت الليلة على الانتهاء. وظّف البارودي هذه المناسبة الواقعية لتشييد معمار شعري تقليدي؛ حيث استهل القصيدة بالفخر الذاتي والترفع عن حياة الدعة والابتذال مقارناً نفسه بأهل اللهو، ثم عرج على فروسيته وبسالته في ميادين الوغى، مقتفياً أثر فحول الشعراء ال...
المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم ترتبط هذه القصيدة بواحدة من أبرز المحن التاريخية والأدبية في العصر العباسي الثاني، والتي تمثل تجربة الحبس والابتلاء للشاعر أبي الحسن علي بن الجهم بن بدر السامي القرشي. كان علي بن الجهم مقرباً من الخليفة العباسي جعفر المتوكل على الله، وكان ذا مكانة رفيعة في بلاطه وحظوة كبرى لديه لما يتميز به من رقة الشعر وحسن المنادمة. غير أن البيئة في بغداد وسامراء في ذلك العصر كانت تموج بالمصانعات والدسائس، سيما مع الصراع المحتدم بين فئات المتكلمين وأصحاب الحديث والمقربين من السلطة.وقد أسفرت هذه الخلافات عن غضب الخليفة المتوكل على الشاعر بسعي من أعدائه وخصومه، كطاهر بن الحسين ومروان بن أبي الجنوب والمتكلمين المعتزلة الذين طالهم هجاء الشاعر. أدى هذا الغضب إلى سجن علي بن الجهم وتقييده، بل ونفيه لاحقاً إلى خراسان. وفي أثناء فترة حبسه وضيقه، وجد الشاعر نفسه أمام اختبار حقيقي لمروءته وعزة نفسه، فلم يتضعضع أو ينهدم كبرياؤه، بل عمد إلى القلم ليعبر عن فلسفته الصلبة في الحياة الصابرة. أنشأ علي بن الجهم هذه المقطوعة البليغة ضمن قصيدة طويلة تبلغ ستة وعش...