بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد:
يُعدّ النظام التشريعي الإسلامي، بشقيه "الشريعة" الثابتة و"الفقه" المتطور، أحد أبرز الأنظمة القانونية العالمية التي استطاعت البقاء والتفاعل مع المتغيرات الحضارية عبر ما يزيد عن أربعة عشر قرناً. هذا النظام، الذي بدأ وحياً منزلاً في مكة والمدينة، تطور ليصبح بناءً فقهياً ضخماً استوعب ثقافات وأعراف شعوب ممتدة من الأندلس غرباً إلى الصين شرقاً. وفي العصر الحديث، واجه هذا النظام تحديات التقنين والمواءمة مع النظم القانونية الغربية، مما أنتج تجربة قانونية فريدة، لا سيما في النموذج المصري الذي زاوج بين التراث الفقهي والصياغة القانونية الحديثة.
يهدف هذا المقال إلى تفكيك مراحل هذا النظام، بدءًا من لحظة التنزيل في شبه الجزيرة العربية، مرورًا بتشكل المذاهب السنية الكبرى كمدارس قانونية متكاملة، وصولًا إلى لحظة الاصطدام بالحداثة القانونية الأوروبية في القرن التاسع عشر، وما تلاها من حركات تقنين ودسترة في الدولة الوطنية الحديثة.
الشريعة: المفهوم، الخصائص، والمقاصد
أولاً: التعريف اللغوي والاصطلاحي:
في لسان العرب، تطلق "الشريعة" على معنيين محوريين:
الأول هو "المذهب والطريقة المستقيمة".
والثاني هو "مورد الماء الجاري الذي يقصد للشرب".
وهذا الاشتقاق اللغوي يحمل دلالات عميقة؛ فالشريعة هي طريق الاستقامة، وهي في الوقت ذاته مصدر الحياة الروحية والمعنوية كما الماء مصدر الحياة المادية.
أما في الاصطلاح الشرعي، فتُعرف الشريعة بأنها: "الأحكام التي شرعها الله لعباده في الكتاب أو السنة النبوية".
ثانياً: خصائص الشريعة الإسلامية:
تتميز الشريعة بخصائص ذاتية تجعلها متفردة عن القوانين الوضعية:
1 - الربانية: مصدرها هو الوحي الإلهي، مما يضفي عليها قداسة وهيبة في نفوس المكلفين، ويجعل الالتزام بها عبادة وطاعة قبل أن يكون التزاماً قانونياً.
2 - الجزاء المزدوج: لا تكتفي الشريعة بالجزاء الدنيوي، كالحدود والتعزيرات والضمان المالي، بل تربطه بالجزاء الأخروي، مما يخلق رقابة ذاتية ووازعاً داخلياً.
3 - العموم والعالمية: جاء الخطاب القرآني عاماً لكل البشر، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، مما يعني صلاحيتها للتطبيق في مختلف البيئات.
4 - الشمول: تغطي الشريعة كافة مناحي الحياة؛ فهي تنظم علاقة الإنسان بربه (العبادات والعقائد)، وعلاقته بنفسه (الأخلاق)، وعلاقته بغيره (المعاملات والجنايات).
5 - التوازن بين الفرد والجماعة: على خلاف القوانين التي قد تنحاز للفرد (كالرأسمالية) أو للجماعة (كالاشتراكية)، توازن الشريعة بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فالأصل أن الحقوق مكفولة للجميع ما لم يقع ضرر.
6 - الأخلاقية: توصف بأنها "شريعة الأخلاق"، فلا ينفصل القانون فيها عن القيم الأخلاقية. فما هو قانوني يجب أن يكون أخلاقياً، وهي بذلك تراقب السر والعلن.
ثالثاً: مقاصد الشريعة.
تهدف الشريعة في جوهرها إلى "جلب المصالح ودرء المفاسد". وقد فصل العلماء هذه المصالح في هرمية دقيقة:
الأول: الضروريات: وهي الأمور التي لا تستقيم الحياة بدونها، وإذا فقدت انهارت منظومة الحياة. وتنحصر في الحفاظ على الكليات الخمس:
1 - حفظ الدين: (مثل حد الردة، والجهاد).
2 - حفظ النفس: (مثل القصاص، وتحريم القتل).
3 - حفظ العقل: (مثل تحريم الخمر والمخدرات).
4 - حفظ النسل: (مثل حد الزنا، وتشريع الزواج).
5 - حفظ المال: (مثل قطع يد السارق، وتحريم الربا).
الثاني: الحاجيات: وهي ما يحتاجه الناس للتوسعة ورفع الحرج، ولكن لا يؤدي فقدانها إلى الهلاك. مثال ذلك: الرخص في العبادات (كالقصر والجمع في السفر)، وإباحة أنواع البيوع والمعاملات.
الثالث: التحسينات: وهي الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، مثل الطهارة، وستر العورة، وآداب الأكل، ونوافل العبادات.
ويضاف إليها "التكميليات"، وهي أمور تشرع لتتميم وحماية المقاصد السابقة، مثل تشريع صلاة الجماعة تكميلاً لحفظ الدين، أو تحريم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة وتكميلاً لحفظ النسل.
رابعاً: الشريعة في مرآة الغرب:
إن الاعتراف بالشريعة الإسلامية تغلغل في كتابات كبار المفكرين الغربيين، وفي رمزية المؤسسات العريقة، وفي الممارسات القضائية المعاصرة في قلب العواصم الغربية.
١ - ألفريد فون كريمر (1828-1889): هو من أهم الشهود الغربيين على عبقرية النظام القانوني الإسلامي. فيصف الفقه الإسلامي بأنه "أعظم عمل قانوني في تاريخ العالم".
٢ - في جامعة هارفارد: قامت كلية القانون في الجامعة بتكريم مفهوم العدالة في القرآن الكريم فوضعت، قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾، على حائط المدخل الرئيسي لمكتبة الكلية، ووصفتها بأنها "واحدة من أعظم عبارات العدالة في العالم عبر الأزمان".
٣ - التطبيقات المعاصرة: في الواقع الغربي المعاصر، أصبحت الشريعة جزءاً من الحلول القانونية لمشكلات الأقليات المسلمة، وفي بعض الأحيان، مصدراً ملهماً للقانون الدولي:
أ - ألمانيا: أشاد وزير العدل بولاية راينلاند بفالز الألمانية، "يوخين هارتلوف"، بالشريعة الإسلامية، مصرحاً بإمكانية السماح لمسلمي ألمانيا بحل منازعاتهم الخاصة عبر محكمين مسلمين.
ب - الولايات المتحدة الأمريكية: صرح "هارولد كو"، المستشار القانوني لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بضرورة إقامة مجالس إسلامية على الأراضي الأمريكية للفصل في النزاعات بين المسلمين.
الفقه: التعريف، التطور، والعلاقة بالشريعة
أولاً: تعريف الفقه.
لغة: الفهم المطلق أو الفهم الدقيق للشيء.
اصطلاحاً: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية".
ثانياً: التطور الدلالي للمصطلح:
لم يكن مصطلح "الفقه" يعني دائماً الأحكام القانونية؛ ففي القرنين الأول والثاني الهجريين، كان يطلق على "الزهد" و"علم الكلام" (العقيدة). ولذلك سمى الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ) كتابه في العقيدة "الفقه الأكبر". وكان تعريفه للفقه حينها شاملاً: "معرفة النفس ما لها وما عليها". ثم استقر المصطلح لاحقاً ليختص بالأحكام العملية (الفرعية) المستنبطة بالاجتهاد.
ثالثاً: العلاقة بين الشريعة والفقه:
1 - العموم والخصوص: الشريعة أعم من الفقه؛ فهي تشمل العقائد، والأخلاق، والأحكام. أما الفقه فيختص بالأحكام العملية فقط.
2 - القطعية والظنية: الشريعة معصومة وثابتة، لا تقبل الخطأ ولا النسخ بعد وفاة النبي ﷺ. أما الفقه فهو عمل بشري، يحتمل الصواب والخطأ، ويقبل التغير بتغير الزمان والمكان. الشريعة واجبة الاتباع في كلياتها، أما الفقه فمنه ما هو ملزم ومنه ما هو محل اجتهاد واختلاف سائغ.
رابعاً: مجالات الفقه:
نظم الفقهاء أبواب الفقه لتشمل كافة جوانب الحياة، ويمكن تصنيفها قانونياً إلى:
1 - أحكام العبادات: (صلاة، صيام، زكاة، حج).
2 - أحكام الأسرة: (زواج، طلاق، نفقات، ميراث).
3 - أحكام المعاملات: (بيع، إجارة، شركات).
4 - الأحكام السلطانية: (نظام الحكم، علاقة الحاكم بالمحكوم).
5 - أحكام الجرائم والعقوبات: (حدود، قصاص، تعزيرات).
6 - أحكام السير: (الحرب والسلم، المعاهدات).
7 - أحكام الآداب: (السلوك الاجتماعي والأخلاقي).
التاريخ التشريعي: العصور والأطوار
مر الفقه الإسلامي بمراحل تاريخية متميزة، انتقل فيها من وحي ينزل، إلى اجتهاد يروى، ثم إلى علم يدون ويقعد.
العصر الأول: عصر النبوة.
يمتد هذا العصر من بعثة النبي محمد ﷺ (حوالي 610م) وحتى وفاته في 11 هـ (632م).
١ - سمات التشريع: كان مصدر التشريع وحيداً وهو الوحي (القرآن والسنة). كان النبي ﷺ هو المرجع للفتوى.
٢ - الاجتهاد النبوي: كان النبي ﷺ يجتهد في القضايا التي لم ينزل فيها نص، فإن كان اجتهاده صواباً أقره الوحي، وإن كان "خلاف الأولى" نزل الوحي مصحباً وموجهاً، كما حدث في قضية "أسرى بدر".
مراحل التشريع القرآني:
أ - المرحلة المكية (قبل الهجرة): نزل فيها ما يقرب من ثلثي القرآن. ركزت الآيات على بناء العقيدة، وترسيخ القيم الأخلاقية، ومجادلة المشركين. التشريعات العملية كانت قليلة ومجملة (مثل الأمر العام بالصلاة).
ب - المرحلة المدنية (بعد الهجرة): نزل فيها ثلث القرآن. تميزت بتفصيل الأحكام، وتشريع المعاملات، والحدود، وتنظيم المجتمع والدولة، وأحكام الأسرة.
الخصائص التشريعية:
١ - التدرج: مراعاة للواقع وتغييراً للعادات المتجذرة برفق، وأوضح مثال هو تدرج تحريم الخمر (من الذم، إلى المنع وقت الصلاة، إلى التحريم المطلق).
٢ - رفع الحرج: التيسير قاعدة أساسية، مثل تشريع الرخص (الإفطار في السفر والمرض، القصر في الصلاة).
٣ - النسخ: وهو رفع حكم شرعي سابق بدليل شرعي لاحق، استجابة لتطور حال المجتمع الإسلامي.
٤ - السنة كمصدر تشريعي: تنوعت السنة بين قولية، وفعلية، وتقريرية. وعلاقتها بالقرآن تكون إما "مبينة وموضحة" (مثل بيان كيفيات الصلاة)، أو "مؤكدة" لما جاء فيه (مثل بر الوالدين)، أو "منشئة لحكم جديد" سكت عنه القرآن (مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وتحريم الحمر الأهلية)، أو "ناسخة" لحكم قرآني (مثل حديث "لا وصية لوارث" الذي نسخ آية الوصية).
العصر الثاني: عصر الصحابة.
يمتد من وفاة النبي ﷺ (11 هـ)، وحتى انتهاء الخلافة الراشدة وعام الجماعة (41 هـ).
١ - المنهجية: عند حدوث واقعة، يبحث الصحابة في القرآن، ثم في السنة (بما يحفظونه منها)، فإن لم يجدوا، لجأوا إلى "الاجتهاد" والقياس.
٢ - الاجتهاد الجماعي (الشورى): تميز هذا العصر بغلبة الطابع الجماعي على الفتوى. كان الخلفاء (أبو بكر وعمر) يجمعون كبار الصحابة (أهل الحل والعقد) ويستشيرونهم في النوازل، فإذا اتفقوا قضوا به.
٣ - الاجتهاد الفردي: وقعت اجتهادات فردية في قضايا لم تجمع عليها الأمة.
نماذج تطبيقية وفلسفة التشريع:
فقه عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): تميز فقهه بنظرة مقاصدية عميقة تلتفت إلى "العلل" و"المصالح" ومن اجتهاداته:
١ - المؤلفة قلوبهم: أوقف سهمهم من الزكاة، معللاً ذلك بأن الله أعز الإسلام وأغنى عن تألفهم، فانتفت "العلة" التي شرع الحكم لأجلها.
٢ - أراضي السواد (العراق): رفض تقسيمها على الفاتحين، وقرر وقفها (بقاؤها بيد زراعها مع دفع الخراج) لتكون مورداً دائماً للأجيال القادمة وللدولة، مغلباً "المصلحة العامة".
٣ - عام الرمادة: أوقف حد السرقة للشبهة (الجوع)، تطبيقاً لقاعدة "درء الحدود بالشبهات".
أسباب الاختلاف الفقهي:
كان الاختلاف قليلاً ومحصوراً، وأسبابه:
١ - تفاوت العلم بالسنة: لم يكن كل صحابي يحفظ كل حديث. (مثال: ابن عباس أفتى بعدة الحامل المتوفى عنها زوجها بأبعد الأجلين، حتى بلغه حديث سبيعة الأسلمية أنها حلت بوضع الحمل فرجع إليه).
٢ - التثبت في الرواية: التشدد في قبول الخبر الواحد خوفاً من الخطأ. (مثال: عمر بن الخطاب رد حديث فاطمة بنت قيس في عدم وجوب السكنى والنفقة للمطلقة البائن، قائلاً: "لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت").
٣ - الاختلاف في فهم النص والعلة: (مثال: خلافهم في تفسير "القرء" هل هو الحيض أم الطهر).
٤ - الاختلاف في منهجية المصلحة: (مثال: خلاف أبي بكر وعمر في التسوية في العطاء؛ رأى أبو بكر التسوية سداً لباب الفتنة، ورأى عمر التفضيل بحسب السابقة في الإسلام مصلحةً).
حفظ القرآن:
أ - جمع أبي بكر: كان الباعث "الخوف من ضياع القرآن" بموت الحفاظ في حروب الردة (اليمامة).
ب - جمع عثمان: كان الباعث "اختلاف القراءات" وخوف الفتنة، فجمع الناس على مصحف واحد (الإمام) مرتب السور والآيات، مجرد من النقط والشكل، ومشتمل على الأحرف السبعة.
العصر الثالث: عصر التابعين.
يمتد من عام 41 هـ وحتى نهاية القرن الأول الهجري (أوائل القرن الثاني).
١ - السياق التاريخي: اتسعت الدولة الإسلامية، وتفرق الصحابة في الأمصار (الكوفة، البصرة، الشام، مصر، المدينة)، حاملين معهم علمهم وفقههم.
٢ - الظواهر الجديدة:
أ - اشتداد الخلاف: بسبب تفرق العلماء، وتعذر الإجماع لبعد المسافات، واختلاف الأعراف والبيئات الاجتماعية (بين بيئة الحجاز وبيئة العراق).
ب - ظهور الانقسام المنهجي (المدرستين):
١ _ مدرسة الحجاز (المدينة) - مدرسة الحديث: تميزت: بالوقوف عند النصوص والآثار، والتهيب من "الرأي" (القياس العقلي). ساعدهم في ذلك وفرة الحديث في المدينة واستقرار العمل بها.
من أعلامها: سعيد بن المسيب (ت 94هـ)، وعروة بن الزبير(ت 94هـ). ورثوا فقه عبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وعائشة.
٢ _ مدرسة العراق (الكوفة) - مدرسة الرأي: تميزت: بالتوسع في استخدام "القياس" و"الرأي" لاستنباط الأحكام للنوازل الجديدة التي لم يرد فيها نص، وتشددوا في قبول الحديث لانتشار الوضع (الكذب) في العراق بسبب الفتن السياسية.
من أعلامها: إبراهيم النخعي (ت 9٦هـ) وتلميذه حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠هـ). ورثوا فقه عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب.
٣ - بداية التدوين: أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) بتدوين السنة رسمياً خوفاً من ضياعها، فبدأت حركة التدوين التي مهدت لعصر التصنيف.
العصر الرابع: عصر الازدهار والتدوين.
يمتد من بداية القرن الثاني الهجري (حوالي 130هـ) وحتى منتصف القرن الرابع الهجري.
١ - السمات: هو العصر الذهبي للفقه، حيث تحول الفقه إلى علم مستقل له قواعده (أصول الفقه)، ودوّنت فيه المذاهب الكبرى.
٢ - عوامل الازدهار:
أ - اهتمام الخلفاء العباسيين (المنصور، الرشيد) بالفقه وتقريبهم للعلماء. (طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك تأليف "الموطأ" لتوحيد القضاء، وكلف الرشيد أبا يوسف بتأليف "الخراج").
ب - اتساع رقعة الدولة وتعدد الثقافات، مما ولد نوازل لا حصر لها استدعت اجتهاداً واسعاً.
ج - ظهور النوابغ من الأئمة (أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم مثل الليث بن سعد في مصر، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في الكوفة).
٣ - تطور التدوين:
المرحلة الأولى: تدوين الحديث مختلطاً بفتاوى الصحابة والتابعين (مثل "موطأ" مالك).
المرحلة الثانية: تدوين "المسانيد" (جمع حديث كل صحابي على حدة) مثل "مسند أحمد" (ت 241هـ).
المرحلة الثالثة: التصنيف المنهجي وتجريد الصحيح (الكتب الستة في القرن الثالث الهجري).
المدارس الفقهية الكبرى (المذاهب الأربعة)
شهد هذا العصر تبلور المدارس الفقهية التي كُتب لها البقاء والانتشار، وهي المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي). ويمتد هذا العصر لفترة زمنية طويلة واستثنائية في تاريخ التشريع الإسلامي، حيث يبدأ من سنة 241هـ، وهي السنة التي توفي فيها الإمام أحمد بن حنبل، آخر الأئمة الأربعة، ويستمر حتى سنة 1293هـ، وهي سنة صدور "مجلة الأحكام العدلية" التي مثلت أول تقنين رسمي للفقه الإسلامي في الدولة العثمانية.
فيما يلي تفصيل دقيق لكل مذهب من حيث التأسيس، الأصول، الأعلام، والكتب:
اﻷول: المذهب الحنفي.
الإمام المؤسس: أبو حنيفة النعمان بن ثابت (ولد بالكوفة 80هـ - توفي ببغداد 150هـ).
١ - سيرته: كان يعمل بتجارة "الخز" (الحرير)، مما أكسبه خبرة بالمعاملات والسوق. بدأ حياته العلمية بدراسة "علم العقيدة" (وسمى كتابه فيه "الفقه الأكبر")، ثم تحول إلى الفقه.
٢ -شيوخه: تتلمذ على يد حماد بن أبي سليمان (ت 120هـ)، الذي أخذ عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود.
٣ - منهجه في التدريس: اعتمد طريقة "الشورى"؛ يطرح المسألة على تلاميذه، ويناقشهم فيها، ولا يدون الحكم إلا بعد اتفاقهم أو تمحيص الآراء.
٤ - أصول المذهب:
أ - الكتاب (القرآن).
ب - السنة (مع التشدد في شروط قبول خبر الآحاد إذا خالف القياس أو الأصول العامة).
ج - أقوال الصحابة (مقدمة على القياس).
د - القياس: توسع فيه جداً واعتبره ركناً أساسياً.
ه - الاستحسان: وهو العدول عن مقتضى القياس الظاهر إلى حكم آخر لدليل أقوى (نص، إجماع، ضرورة). وهو من خصائص المذهب الحنفي.
و - الإجماع.
ي - العرف.
٥ - خصائص الفقه الحنفي:
أ - الفقه التقديري: افتراض مسائل لم تقع بعد وإيجاد حلول لها (استعداداً للبلاء قبل وقوعه).
ب - الحيل الشرعية: إيجاد مخارج شرعية للمآزق القانونية ضمن الأطر المباحة.
٦ - أبرز التلاميذ والأعلام:
١ _ أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم الأنصاري) (ت 182هـ): أول من دوّن المذهب، وتولى منصب "قاضي القضاة" في عهد الرشيد، مما ساهم في نشر المذهب عبر القضاء. أشهر كتبه: "الخراج"، و"الرد على سير الأوزاعي".
٢ _ محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): "المدوّن الأول" للمذهب. كتبه تسمى "كتب ظاهر الرواية" الستة: (المبسوط، الزيادات، الجامع الكبير، الجامع الصغير، السير الكبير، السير الصغير). جمعها الحاكم الشهيد في كتاب "الكافي".
٣ _ زفر بن الهذيل (ت 158هـ): اشتهر بحدة القياس.
٤ _ الحسن بن زياد اللؤلؤي (ت 204هـ).
٧ - أمهات الكتب:
١ _ "المبسوط": لشمس الأئمة السرخسي (ت 483هـ)، وهو شرح لكتاب "الكافي"، يقع في 31 مجلداً، ويعد موسوعة المذهب.
٢ _ "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع": للكاساني (ت 587هـ) الملقب بملك العلماء.
٣ _ "شرح فتح القدير": للكمال بن الهمام (ت 861هـ).
٤ _ "مجلة الأحكام العدلية": (صدرت 1876م) كأول تقنين مدني إسلامي.
٨ - الانتشار: العراق، تركيا، الهند، باكستان، أفغانستان، مصر، ودول البلقان.
الثاني: المذهب المالكي.
الإمام المؤسس: مالك بن أنس الأصبحي (ولد بالمدينة 93هـ - توفي بها 179هـ).
١ - سيرته: إمام دار الهجرة. جده "مالك" كان من كبار التابعين. تميز بالهيبة والوقار، وكان لا يحدث بحديث رسول الله إلا وهو على طهارة.
٢ - شيوخه: نافع مولى ابن عمر، ابن شهاب الزهري، ربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
٣ - أصول المذهب:
أ - الكتاب والسنة.
ب - الاجماع.
ت - عمل أهل المدينة: يعتبره مالك حجة قاطعة مقدمة على "خبر الآحاد"؛ لأن عمل أهل المدينة (أبناء الصحابة) هو "رواية جماعة عن جماعة" للفعل النبوي، فهو أقوى من رواية الفرد.
ج - المصالح المرسلة: المصالح التي لم يشهد الشرع لها باعتبار معين ولا بإلغاء معين، وقد توسع المالكية في هذا الأصل جداً.
د - سد الذرائع: منع المباحات إذا كانت وسيلة مفضية إلى المحرمات.
ر - فتوى الصحابي.
٥ - أبرز التلاميذ والأعلام:
١ _ عبد الرحمن بن القاسم (ت 191هـ): "أعلم الناس بعلم مالك"، وهو المصدر الرئيس لكتاب "المدونة".
٢ _ عبد الله بن وهب (ت 197هـ): لقبه مالك بـ "فقيه مصر".
٣ _ أشهب بن عبد العزيز (ت 204هـ): فقيه مصر بعد ابن القاسم.
٤ _ أصبغ بن الفرج (ت 225هـ).
٥ _ سحنون (ت 240هـ): فقيه القيروان (تونس) وناشر المذهب في المغرب، مدون "المدونة".
٦ _ أسد بن الفرات: فاتح صقلية، وجامع "الأسدية" (أصل المدونة).
٦ - أمهات الكتب:
١ _ "الموطأ": للإمام مالك، وهو كتاب حديث وفقه، ألفه بطلب من الخليفة أبي جعفر المنصور. رفض مالك إلزامه على الناس قائلاً: "إن أصحاب رسول الله تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم".
٢ _ "المدونة الكبرى": لسحنون، وهي المسائل التي سأل فيها أسد بن الفرات ابن القاسم عن رأي مالك. هي "أم المذهب" وأصدق الكتب تمثيلاً له.
٣ _ "بداية المجتهد ونهاية المقتصد": لابن رشد الحفيد (ت 595هـ)، وهو كتاب في الفقه المقارن وأسباب الاختلاف.
٤ _ "مواهب الجليل" للحطاب، و"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير".
٧ - الانتشار: المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب، ليبيا)، الأندلس (سابقاً)، صعيد مصر، السودان، ودول غرب أفريقيا، وبعض دول الخليج (الإمارات، البحرين).
الثالث: المذهب الشافعي.
الإمام المؤسس: محمد بن إدريس الشافعي (ولد بغزة 150هـ - توفي بمصر 204هـ).
١ - سيرته: قرشي النسب (يلتقي مع النبي ﷺ في عبد مناف). ولد في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة. نشأ بمكة، وحفظ الموطأ، ورحل للمدينة فلازم مالكاً. ثم رحل لليمن، ثم لبغداد حيث ناظر محمد بن الحسن الشيباني وأخذ عنه فقه العراق. استقر أخيراً في مصر.
٢ - مكانته: جمع بين "مدرسة الحديث" (الحجازية) و"مدرسة الرأي" (العراقية)، فخرج بمذهب وسطي. هو أول من دون علم "أصول الفقه" في كتابه "الرسالة".
٣ - المذهب القديم والجديد:
أ - القديم: كتبه في العراق (كتاب "الحجة").
ب - الجديد: كتبه في مصر (كتاب "الأم"). تراجع فيه عن كثير من آرائه السابقة؛ ليس فقط لتغير العرف، بل لتغير اجتهاده واطلاعه على أدلة جديدة، وكان مذهبه الجديد يميل أكثر للاحتياط والوقوف مع ظاهر النص.
٤ - أصول المذهب:
أ - الكتاب والسنة (وضعهما في مرتبة واحدة في الاستدلال، ونصر الاحتجاج بخبر الآحاد الصحيح).
ب - الإجماع.
ج - القياس (وضع له ضوابط دقيقة).
٥ - أبرز التلاميذ والأعلام:
أ - تلامذة مصر:
١ - يوسف بن يحيى البويطي (ت 231هـ): خليفة الشافعي في حلقته.
٢ - إسماعيل بن يحيى المزني (ت 264هـ): ناصر المذهب.
٣ - الربيع بن سليمان المرادي (ت 270هـ): راوي كتب الشافعي (الأم والرسالة).
ب - تلامذة العراق:
١ - أبو ثور (إبراهيم بن خالد) (ت 240هـ).
٢ - الحسن بن محمد الزعفراني (ت 260هـ).
٣ - أبو علي الكرابيسي (ت 248هـ).
ج - متأخرو المذهب:
١ - إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ): صاحب "نهاية المطلب".
٢ - النووي (ت 676هـ): محرر المذهب ومنقحه، صاحب "المجموع" و"المنهاج".
٣ - الرافعي (ت 623هـ): صاحب "المحرر".
٦ - أمهات الكتب:
١ - "الأم": للإمام الشافعي (في الفروع).
٢ - "الرسالة": للإمام الشافعي (في الأصول).
٣ - "المهذب": للشيرازي (ت 476هـ).
٤ - "المجموع شرح المهذب": للنووي (تكملة السبكي والمطيعي).
٥ - "مغني المحتاج" للشربيني، و"نهاية المحتاج" للرملي.
٧ - الانتشار: مصر (الوجه البحري)، الشام، اليمن، الحجاز، شرق أفريقيا، ودول جنوب شرق آسيا (إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين).
الرابع: المذهب الحنبلي.
الإمام المؤسس: أحمد بن حنبل الشيباني (ولد ببغداد 164هـ - توفي بها 241هـ).
١ - سيرته: إمام أهل السنة. كان إماماً في الحديث قبل أن يكون إماماً في الفقه. جمع في مسنده 40 ألف حديث. اشتهر بصبره في "محنة خلق القرآن".
٢ - شيوخه: الشافعي، أبو يوسف، وسفيان بن عيينة.
٣ - أصول المذهب:
أ - النص (من الكتاب أو السنة) مقدم على كل شيء، ولا يلتفت لغيره إذا وجد.
ب - فتاوى الصحابة (إذا لم يختلفوا).
ج - التخير من أقوال الصحابة إذا اختلفوا (بما يوافق الكتاب والسنة).
د - تقديم الحديث الضعيف (المرسل والحسن لغيره) على القياس: وهذه خصيصة للمذهب الحنبلي.
ه - الاجماع.
ن - القياس: للضرورة القصوى فقط.
و - سد الذرائع: بشكل موسع جداً.
ي - الاستصحاب: بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت العكس (الأصل في الأشياء الإباحة).
٤ - أبرز التلاميذ والأعلام:
١ _ صالح بن أحمد (ابنه) (ت 266هـ).
٢ _ أبو القاسم الخرقي (ت 334هـ): صاحب أول متن مختصر في المذهب.
٣ _ ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ): صاحب "المغني"، وشيخ المذهب.
٤ _ شيخ اﻹسلام ابن تيمية (ت 728هـ): صاحب الفتاوى الكبرى.
٥ _ ابن القيم (ت 751هـ).
٦ _ المرداوي (ت 885هـ): منقح المذهب وصاحب "الإنصاف".
٧ _ البهوتي (ت 1051هـ): خاتمة المحققين، صاحب "كشاف القناع".
٥ - أمهات الكتب:
١ _ "المسند": للإمام أحمد.
٢ _ "مختصر الخرقي": لأبي القاسم الخرقي.
٣ _ "المغني": لابن قدامة.
٤ _ "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف": للمرداوي.
٥ _ "الإقناع" للحجاوي (ت 968هـ)،
٦ _ "المنتهى" لابن النجار (ت 972هـ).
٦ - الانتشار: المملكة العربية السعودية (المذهب الرسمي)، دول الخليج، وقلة في مصر والشام.
جدلية التقليد والاجتهاد
لقد شاع وصف هذا العصر بـ "عصر التقليد" أو "عصر الجمود"، وهي تسمية تحمل في طياتها حكماً قاصراً وتعميماً مخلاً. فالحقيقة التاريخية والتحليلية تؤكد أنه لم يخلُ عصر من العصور الإسلامية من ثنائية الاجتهاد والتقليد.
حيث تميزت هذه المرحلة باستقرار الأصول الكلية للاجتهاد، وانتقال الجهد العلمي من تأسيس المناهج (تأسيس الأصول) إلى البناء عليها وتفريع الأحكام (الاجتهاد في الفروع).
وقد استمر الاجتهاد في هذا العصر على أربعة مستويات رئيسية شكلت ملامح الحياة القانونية والدينية للمجتمع الإسلامي: القضاء، والفتوى، والفقه، والتشريع.
المستوى الأول: مظاهر الاجتهاد في القضاء.
لم يكن القضاء في عصر علماء المذاهب مجرد وظيفة روتينية لتطبيق نصوص جامدة، بل كان عملية عقلية وفقهية تتطلب درجة عالية من الاجتهاد، خاصة فيما يتعلق بـ "تحقيق المناط".
وقد شهد هذا العصر حركة تأليف واسعة ومتخصصة في العلوم القضائية، حيث ظهرت مئات المصنفات تحت عناوين مثل "أدب القاضي" و"أدب القضاء"، تجاوز عددها الستين كتاباً متخصصاً، فضلاً عن الفصول والأبواب التي عقدت لهذا الغرض في كتب الفقه العام.
ومن أبرز من صنف في هذا المجال الفقيه القدوري الحنفي (ت 428هـ)، والبغوي الشافعي (ت 516هـ)، والخلال الحنبلي (ت 311هـ)، وجلال الدين المحلي الشافعي (ت 890هـ). وتعد هذه الكتب بمثابة "قوانين مرافعات" و"قوانين إجراءات" مبكرة، نظمت عمل القاضي، وصفاته، وآدابه، وكيفية سماع الدعوى، ونظام البينات والشهود.
ومن أهم المؤلفات التي عكست نضج الفكر القضائي في تلك الحقبة:
١ - كتاب "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام" لابن فرحون المالكي (ت 799هـ).
٢ - كتاب "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" لابن قيم الجوزية (ت 751هـ). وقد تميز كتاب ابن القيم بذكر ست وعشرين طريقة من طرق الحكم والإثبات.
كما برزت كتب متخصصة في التوثيق وصياغة العقود، وهو ما يعرف بـ "علم الشروط والسجلات"، ومن أبدع ما صنف فيه كتاب "جواهر العقود ومعين القضاء والموقعين والشهود" للصنهاجي (ت 880هـ). وهذا الكتاب كان له تأثير عالمي، حيث اقتبست منه القوانين البحرية الأوروبية، مثل القانون البحري الإنجليزي (1660م)، والفرنسي (1681م)، والإسباني (1893م)، مما يدل على علو كعب الفقه الإسلامي في تنظيم المعاملات المعقدة.
وكان النظام القضائي يتسم بوجود درجات للتقاضي،فكان من حق الخصوم الطعن في الحكم وعرضه على "شيخ القضاة"، أو المفتي المعين من قبل الحاكم، أو ما يعرف بـ "ديوان المظالم" في بعض الفترات.
وكان القضاة يلتزمون بـ "المعتمد" في مذهبهم، ولا يخرجون عنه إلا لضرورة أو مصلحة راجحة.
المستوى الثاني: مظاهر الاجتهاد في الفتوى (النوازل).
شكلت الفتوى القناة الحيوية الثانية لاستمرار الاجتهاد ومواكبة المستجدات. ومارس المفتون، كالقضاة، عملية "تحقيق المناط" لتكييف هذه النوازل فقهياً.
وقد وصلتنا موسوعات ضخمة من الفتاوى، منها "فتاوى ابن الصلاح الشافعي" (ت 643هـ)، و"فتاوى النووي"، و"فتاوى السبكي"، و"فتاوى الرملي"، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية التي بلغت 35 مجلداً، وكتاب "الحاوي للفتاوي" للسيوطي. وفي الغرب الإسلامي، برز كتاب "المعيار المعرب" للونشريسي، الذي جمع فتاوى علماء المغرب والأندلس، وكتاب "فتاوى البرزلي".
ولم يقتصر الأمر على جمع الفتاوى، بل صُنفت كتب في "أدب المفتي والمستفتي" لابن الصلاح وابن حمدان الحنبلي (ت 695هـ).
ومن الفتاوى المتعلقة بالمستجدات الحضارية والجغرافية: الاجتهاد في تحديد مواقيت الصلاة في المناطق القريبة من القطب الشمالي حيث يختفي الشفق، وأحكام بيع الوفاء، والنزل عن الوظائف في الأوقاف، وأحكام شرب القهوة والدخان التي أثارت جدلاً واسعاً قبل استقرار الرأي على إباحتها.
المستوى الثالث: مظاهر الاجتهاد في الفقه وعلومه.
شهد عصر علماء المذاهب نهضة علمية مؤسسية تمثلت في انتشار "المدارس الفقهية" التي أنشأها السلاطين والولاة، مثل المدرسة النظامية في نيسابور وبغداد، والمدارس التي شادها الأيوبيون والمماليك في مصر والشام.
وقد تطور التأليف الفقهي ليتجاوز مجرد سرد الفروع إلى تأسيس علوم جديدة خادمة للفقه. من أهم هذه العلوم المستحدثة "علم القواعد الفقهية"، الذي هدف إلى صياغة الأحكام الفقهية المتناثرة في قواعد كلية ضابطة، مما يسهل استحضار الفقه وضبط فروعه. ومن أشهر المصنفات في هذا الفن كتاب "الأشباه والنظائر" لابن نجيم الحنفي، و"الفروق" للقرافي المالكي، و" تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي.
كما ازدهر "علم الفقه المقارن" أو ما كان يعرف بـ "علم الخلاف"، الذي أخرج الفقيه من دائرة مذهبه الضيقة إلى رحابة الفقه الإسلامي المقارن، كما في كتاب "المغني" لابن قدامة، و"المحلى" لابن حزم، و"الإنصاف" لابن هبيرة.
كما نشطت حركة "التنقيح المذهبي"، حيث عكف العلماء على تحرير مذاهبهم وتمييز الأقوال المعتمدة للفتوى والقضاء، وظهرت كتب "المتون" و"الشروح" و"الحواشي" التي تمثل قمة التدقيق العلمي، مثل "حاشية ابن عابدين" (1252هـ) التي تعد خاتمة التحقيق في المذهب الحنفي، و"حاشية الدسوقي" (1230هـ) في الفقه المالكي، و"شروح المنهاج" في الشافعية. والإنصاف في الفقه الحنبلي.
وبرز في هذا العصر علماء مجتهدون -وإن انتسبوا للمذاهب- كالطحاوي والقدوري والماوردي والنووي وابن تيمية، الذين كانت لهم اختياراتهم وترجيحاتهم التي قد تخالف مشهور المذاهب.
المستوى الرابع: مظاهر الاجتهاد في التشريع (التقنين المبكر).
بدأت في هذا حركة التقنين، حيث تدخلت السلطة السياسية لإصدار مجموعات قانونية ملزمة لتوحيد الأحكام وضبط القضاء.
ومن أبرز النماذج على ذلك "الفتاوى الهندية" التي أمر بجمعها السلطان أورنك زيب في الهند، حيث شكل لجنة من كبار الفقهاء لصياغة أحكام المذهب الحنفي في صورة مواد قانونية سهلة التطبيق.
وفي الدولة العثمانية، صدرت "قوانين نامة"، وهي لوائح تنظيمية أصدرها السلاطين لتنظيم الشؤون الإدارية والمالية والجنائية التي لم تفصلها نصوص الشريعة، بشرط عدم مخالفتها للشرع. ومن أمثلتها قوانين السلطان محمد الفاتح، وقوانين السلطان سليمان القانوني التي صاغها بمساعدة شيخ الإسلام أبو السعود أفندي.
وقد شملت هذه التشريعات "قانون الأراضي" (1274هـ)، و"قانون نامة الجزاء" (1256هـ) للعقوبات التعزيرية، و"نظام التجارة البحرية" (1274هـ).
تاريخ النظام القضائي في مصر عبر العصور
اﻷول: النظام القضائي في مصر الإسلامية (ما قبل العصر الحديث).
شكلت مصر عبر تاريخها الإسلامي مركزاً حضارياً وقضائياً هاماً، وتطور نظامها القضائي تبعاً لتغير الدول والمذاهب الحاكمة، مع الحفاظ على جوهر "ولاية القضاء" المستمدة من الشريعة.
١ - العهد الطولوني والإخشيدي: غالباً ما كان القضاء وقفاً على علماء المذهب الشافعي، الذي كان المذهب السائد بين المصريين.
٢ - العهد الفاطمي: أنشأوا لأول مرة وظيفة "قاضي القضاة"، وكان هذا المنصب حكراً على فقهاء الشيعة الإسماعيلية ليتوافق مع مذهب الدولة الرسمي. لكنهم سمحوا بتعددية قضائية مقيدة، فعيّنوا قضاة للمذهب المالكي والشافعي بجانب القاضي الإسماعيلي والجعفري، للفصل في منازعات العامة وفق مذاهبهم.
٣ - العهد الأيوبي: القضاة من المذهب الشافعي ليصبح المذهب الرسمي للدولة والقضاء.
٤ - العهد المملوكي: تعيين أربعة قضاة للقضاة يمثلون المذاهب الأربعة (الشافعي، الحنفي، المالكي، الحنبلي).
٥ - العهد العثماني: بدخول العثمانيين مصر عام 1517م، ألغى السلطان سليم الأول نظام القضاة الأربعة المستقلين، وحصر منصب "قاضي القضاة" في المذهب الحنفي.
ورغم سيادة المذهب الحنفي، إلا أن الواقع العملي اقتضى تعيين نواب للقاضي من المذاهب الثلاثة الأخرى للفصل في القضايا التي تتطلب ذلك، خاصة في مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف.
وقد قسمت مصر قضائياً في هذا العهد إلى 36 ولاية قضائية.
الثاني: الحملة الفرنسية (1798-1801م):
شكلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت صدمة للنظام القضائي التقليدي، حيث حاول الفرنسيون إعادة هيكلة القضاء لخدمة أهدافهم الإدارية والسياسية.
١ - قام نابليون بعزل القاضي التركي، وأسند منصب قاضي القضاة إلى علماء الأزهر (الشيخ الشرقاوي)، في محاولة لاستمالة المصريين.
وقام بإنشاء "محكمة القضايا"، وهي هيئة قضائية مختلطة تتكون من 12 تاجراً (6 من المسلمين و6 من الأقباط) برئاسة القاضي القبطي "ملطي"، وأوكل إليها النظر في المنازعات التجارية والمواريث.
وقد باءت هذه التجربة بالفشل الذريع بسبب رفض المسلمين الخضوع لقاضٍ غير مسلم في مسائل المواريث، فعاد الاختصاص للمحاكم الشرعية.
٢ - في عهد الجنرال "مينو"، وضعت لوائح جديدة لتنظيم القضاء، حيث أُسس "ديوان القاهرة" ليعمل كمحكمة عليا (نقض وإبرام) تملك صلاحية مراجعة أحكام المحاكم الشرعية وإلغائها، واشترط لتقديم الطعن وجود فتوى من مفتي المذاهب.
كما أنشأ مينو محاكم خاصة للطوائف غير الإسلامية (اليهود، الشوام، الأروام) للفصل في منازعاتهم الشخصية برئاسة كبير كل طائفة، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لنظام الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة.
العصر الحديث: التقنين والتجديد
انتقل الفقه الإسلامي في العصر الحديث من "المتون والشروح" التقليدية إلى مرحلة "التقنين" (المواد القانونية)، مواجهاً تحديات الاستعمار والقوانين الغربية.
حركة التقنين في الدولة العثمانية:
١ - قوانين "نامه" (عهد سليمان القانوني):
أصدر السلطان سليمان القانوني (ت 974هـ / 1566م) مجموعات قانونية عرفت بـ "قانون نامة" لتنظيم الإدارة والأراضي، وكانت مستمدة من الفقه الحنفي (مثل كتاب "الخراج" و"السير الكبير"). صدر "قانون نامة مصر" خصيصاً بعد ضمها للدولة العثمانية.
٢ - مجلة الأحكام العدلية (1876م / 1293هـ):
تعتبر أول تقنين مدني رسمي للفقه الإسلامي على المذهب الحنفي. صدرت عن الدولة العثمانية في 16 كتاباً و1851 مادة، وشملت المعاملات المدنية والدعاوى. طبقت في المحاكم النظامية، وظلت سارية في بعض الدول العربية لفترات طويلة، مثل: الأردن، فلسطين، العراق، وسوريا والكويت.
التطور القانوني في مصر:
1. عهد محمد علي باشا (1805-1848م): التأسيس القانوني للدولة الحديثة:
استهل محمد علي عهده بخطوة حاسمة لتوحيد القضاء، حيث أصدر فرماناً يلزم القضاة في المحاكم الشرعية بالحكم بـ "أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة" فقط، ملغياً بذلك التعددية المذهبية في الأحكام، ومؤسساً لتوحيد القانون المطبق، وهو ما استمر كأساس لقوانين الأحوال الشخصية في مصر حتى اليوم.
وأنشأ محمد علي هيئات قضائية جديدة (دواوين) انتزعت اختصاصات واسعة من المحاكم الشرعية، التي انحصر دورها تدريجياً في الأحوال الشخصية والمسائل العقارية. ومن أهم هذه الهيئات "الجمعية الحقانية" (تأسست 1840م - وفي مصادر أخرى 1842م)، التي كانت بمثابة محكمة عليا ومجلس تشريعي لمحاكمة كبار الموظفين والنظر في الجنايات الكبرى.
كما أصدر محمد علي مجموعة من القوانين واللوائح التي عرفت بـ "قانون المنتخبات"، وهي تشريعات جمعت بين أحكام الفقه الحنفي واللوائح الإدارية المستحدثة، وتعتبر أول محاولة لتقنين القانون في مصر الحديثة.
2. عهد الخلفاء: التغريب القانوني (عباس، سعيد، إسماعيل)
تسارعت وتيرة التحديث القانوني واقتباس النظم الأوروبية في عهد خلفاء محمد علي، مما أدى إلى الازدواجية في النظام القضائي المصري:
أ - عهد عباس الأول (1849-1854م): تحولت الجمعية الحقانية إلى "مجلس الأحكام" (1849م)، الذي أصبح الهيئة القضائية العليا في البلاد، يراجع الأحكام الصادرة من مجالس الأقاليم ويدقق في مطابقتها للقوانين، مشكلاً بذلك نواة لمحكمة النقض.
ب - عهد سعيد باشا (1854-1863م): شهد عهده إصلاحات قانونية هامة، منها صدور "اللوائح السعيدية" (1858م) التي نظمت ملكية الأراضي الزراعية ومنحت الفلاحين حق التوريث والتملك، وهو ما يتوافق مع مقاصد الشريعة في العدل، وإن كان بصياغة قانونية حديثة. كما ألغى سعيد نظام "العدول" (الشهود المزكون) في المحاكم الشرعية عام 1858م، واستبدلهم بنظام التوثيق الحكومي، وصدرت في عهده لائحة تنظيم المحاكم الشرعية (1854م).
ج - عهد إسماعيل (1863-1879م): حدث التحول الأكبر بإنشاء "المحاكم المختلطة" عام 1875م، والوطنية (1883م)، بضغط من الدول الأوروبية، للفصل في المنازعات بين المصريين والأجانب. طبقت هذه المحاكم قوانين "مختلطة" مستمدة أساساً من القانون المدني الفرنسي (كود نابليون)، مما أدى إلى تهميش دور الشريعة في المعاملات المالية والتجارية.
د - عهد توفيق (المحاكم الأهلية): استكمالاً لمسار التغريب، أنشئت "المحاكم الأهلية" عام 1883م للفصل في المنازعات بين المصريين أنفسهم، وصدرت لها لائحة قوانين مقتبسة أيضاً من القانون الفرنسي، ليتكرس بذلك نظام قضائي مزدوج: محاكم شرعية تطبق الفقه الحنفي في الأحوال الشخصية، ومحاكم أهلية تطبق القانون الفرنسي في المعاملات المدنية والجنائية.
3. القانون المدني المصري (1948م):
رغم طغيان القوانين المستوردة، ظلت الشريعة الإسلامية كامنة في الضمير القانوني المصري، وتجلى ذلك بوضوح في القانون المدني الجديد الصادر عام 1948م، والذي صاغه الفقيه الدستوري الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا (1895-1971م).
نجح السنهوري في صياغة قانون مدني حديث يمزج بين الفقه الإسلامي والقانون الغربي، جاعلاً الشريعة مصدراً رسمياً للقانون، ومقنناً لنظريات فقهية، ومن أهم هذه النظريات:
أ - نظرية التعسف في استعمال الحق: وهي نظرية إسلامية أصيلة (حديث "لا ضرر ولا ضرار") لم تكن معروفة في القانون الفرنسي القديم.
ب - نظرية الظروف الطارئة: (مستمدة من نظرية "الجوائح" في الفقه الإسلامي).
أصبح هذا القانون نموذجاً لقوانين سوريا، العراق، ليبيا، والكويت.
منهجية السنهوري لتحديث الشريعة:
يطرح السنهوري تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت الشريعة تمتلك كل هذه المقومات، فما الذي حال بينها وبين التطبيق الكامل في العصر الحديث؟
ويرى أن العيب ليس في ذات الشريعة، بل في جمود مناهج البحث. وللخروج من هذا المأزق، يقترح السنهوري خارطة طريق واضحة المعالم:
١ - الرجوع الواجب: يؤكد السنهوري على وجوب الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية في كل الموضوعات التي يمكن الرجوع فيها إليها، مشدداً على أن مبادئها تضاهي أو تفوق أحدث المبادئ القانونية الغربية.
٢ - الحركة العلمية: يدعو إلى إطلاق حركة علمية قوية تعيد للشريعة جدتها وتنفض عنها غبار القرون.
٣ - المنهجية الحديثة: جوهر رؤية السنهوري هو دراسة الشريعة طبقاً "للأساليب العلمية الحديثة" وفي ضوء "القانون المقارن". هذا يعني إعادة صياغة الفقه بلغة قانونية منضبطة، وتقنين أحكامه في مواد واضحة، ومقارنتها بالنظريات الغربية لإبراز تفوقها أو تكاملها.
4. إلغاء المحاكم الشرعية: في عام 1955م، صدر القانون رقم 462 بإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملية وتوحيد جهات القضاء في "المحاكم الوطنية". ورغم أن هذا القرار أنهى الوجود المؤسسي المستقل للقضاء الشرعي، إلا أنه لم يلغِ الشريعة ذاتها؛ حيث نص القانون على استمرار تطبيق أحكام الشريعة (أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة والقوانين المنظمة للأسرة) في مسائل الأحوال الشخصية والوقف أمام الدوائر المتخصصة في المحاكم الوطنية.
الشريعة في الدساتير والقضاء
نصت المادة الثانية من الدستور المصري (وتعديلاتها) على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع". وقد اضطلعت المحكمة الدستورية العليا بمهمة تفسير هذا النص، ففرقت بين نوعين من الأحكام :
١ - الأحكام قطعية الثبوت والدلالة: هي الثوابت التي لا تقبل الاجتهاد ولا التغيير (مثل أصول الميراث، تحريم الربا). هذه الأحكام يلتزم بها المشرع ولا يجوز مخالفتها.
٢ - الأحكام الظنية (ثبوتاً أو دلالة): هي الأحكام التي تقبل الاجتهاد والتطور بتغير الزمان والمكان. اعتبرت المحكمة أن هذا المجال هو "مساحة الحركة" للمشرع ليختار من الآراء الفقهية ما يحقق مصلحة الناس، دون الالتزام بمذهب محدد.
في المقابل، تميل محكمة النقض أحياناً إلى تفسير "المبادئ" بأنها القواعد الكلية والمقاصد العامة للشريعة.
الاعتراف الدولي والاجتهاد الجماعي
أولاً: المؤتمرات الدولية:
شهد القرن العشرون اعترافاً عالمياً بمرونة وأصالة الفقه الإسلامي:
١ - مؤتمر لاهاي للقانون المقارن (1932م): أقر المؤتمر، لأول مرة، اعتبار الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسية للقانون المقارن، وليست مجرد نظام ديني.
٢ - مؤتمر لاهاي (1937م) ومؤتمر باريس (1951م): بناءً على بحوث رصينة قدمها وفد من علماء الأزهر وفقهاء القانون المصريين، أصدرت هذه المؤتمرات قرارات تاريخية تعلن أن "الشريعة الإسلامية نظام قانوني قائم بذاته، مستقل عن القانون الروماني، وصالح للتطور ومواكبة حاجات العصر"، مفندة بذلك مزاعم المستشرقين حول تبعية الفقه الإسلامي للقانون الروماني.
٣ - محكمة العدل الدولية: تكلل هذا الاعتراف بانتخاب الفقيه المصري الدكتور عبد الحميد بدوي باشا قاضياً في محكمة العدل الدولية عام 1946م، ليكون أول قاضٍ يمثل النظام القانوني الإسلامي في أعلى هيئة قضائية دولية، مما كرس مكانة الشريعة كأحد النظم القانونية الكبرى في العالم.
٤ - مؤتمر المحامين الدولي (لاهاي 1948م): أكد على صلاحية التشريع الإسلامي لكل زمان ومكان.
٥ - أسبوع الفقه الإسلامي (باريس 1951م): عقد في كلية الحقوق بباريس، وأصدر توصيات بضرورة الاستفادة من الفقه الإسلامي في التشريعات الحديثة، وقرر إصدار "معجم للفقه الإسلامي".
ثانياً: المجامع الفقهية (الاجتهاد الجماعي):
انتقل الاجتهاد في العصر الحديث من الفردية إلى المؤسسية لمواجهة النوازل المعقدة (طبية، اقتصادية):
١ - مجمع البحوث الإسلامية (القاهرة - تأسس 1961م).
٢ - مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة - تأسس 1981م).
٣ - المجمع الفقهي الإسلامي (مكة - تأسس 1983م).
٤ - المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (دبلن - 1997م).
تقوم هذه المجامع بإصدار قرارات جماعية في قضايا مثل: زراعة الأعضاء، التلقيح الصناعي، العملات الرقمية، والمعاملات المصرفية.
ثالثاً: الاقتصاد والمصارف الإسلامية:
شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية التي تلتزم بأحكام الشريعة. بدأت التجربة بإنشاء "بنك دبي الإسلامي" في السبعينيات.
قدم الاقتصاد الإسلامي أدوات مالية مبتكرة، كبديل للنظام الربوي، تعتمد على قاعدة "الغنم بالغرم" والمشاركة في المخاطر، ومن أهمها:
١ - المرابحة: كأداة للتمويل التجاري (شراء السلعة وبيعها للعميل بربح معلوم).
٢ - المضاربة والمشاركة: كأساس للاستثمار الإنتاجي.
٣ - الإجارة المنتهية بالتمليك: لتمويل الأصول والعقارات.
وقد أثبتت الأزمات المالية العالمية (كأزمة 2008) صلابة هذا النظام، نظراً لارتباطه بالاقتصاد الحقيقي وتحريمه لبيع الديون والمقامرة والمشتقات المالية الوهمية، مما دفع مؤسسات غربية للاقتباس من آلياته.
رابعاً: المجالس الشرعية في الغرب:
مع تزايد الوجود الإسلامي في الغرب، ظهرت الحاجة لتنظيم الأحوال الشخصية للمسلمين بما يتوافق مع دينهم ولا يتعارض مع قوانين تلك الدول. نشأت "مجالس الشريعة"، وأولها في المملكة المتحدة (مثل مجلس برمنجهام 1982م ومجلس ليتون في لندن)، لتقوم بدور حيوي في:
١ - إصدار فتاوى الطلاق والخلع والفسخ للمسلمين الذين عقدوا زواجهم دينياً فقط، أو الراغبين في إنهاء الرابطة الدينية بعد الطلاق المدني.
٢ - التحكيم في النزاعات العائلية والمالية بالتراضي.
٣ - تقديم الاستشارات للمحامين والمحاكم الغربية في قضايا الأحوال الشخصية.
وقد تعاملت المحاكم الغربية (في ألمانيا وبريطانيا) بإيجابية مع أحكام الشريعة في قضايا "تنازع القوانين"، حيث طبقت أحكام المهر والميراث الإسلامي في قضايا تخص مواطنين مسلمين أو أجانب، مما يؤكد مرونة الشريعة وقابليتها للتطبيق في بيئات قانونية مغايرة.
خامساً: الأسس لتميز ومرونة الشريعة:
لم يكن الاعتراف الدولي بالشريعة، ولا صمودها عبر القرون، وليد الصدفة. وهناك خمسة أسباب جوهرية تميز الشريعة في القانون المقارن:
السبب الأول: طبقت الشريعة الإسلامية بشكل مستمر ودون انقطاع منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن العشرين وما يليه.
السبب الثاني: شمل تطبيق الفقه الإسلامي رقعة جغرافية مترامية الأطراف، امتدت من أطراف الصين شرقاً إلى المغرب والأندلس غرباً، ومن تركيا وألبانيا شمالاً إلى نيجيريا وموزمبيق جنوباً.
السبب الثالث: يتميز النظام القانوني الإسلامي بجمعه الفريد بين نوعين من المصادر: "المصادر النقلية" المتمثلة في القرآن والسنة، و"المصادر العقلية" المتمثلة في القياس والاستحسان والمصالح المرسلة.
السبب الرابع: يحتوي الفقه الإسلامي على "نظريات فقهية" و"قواعد شرعية" كبرى (مثل: الضرر يزال، المشقة تجلب التيسير، العادة محكمة).
السبب الخامس: يعد تنوع المذاهب الفقهية وكثرة الآراء داخل المذهب الواحد ميزة استراتيجية في التشريع الإسلامي.
الجغرافيا للنظم القانونية في البلاد الإسلامية:
يمكن تصنيف الدول التي تعتمد الشريعة الإسلامية، إلى أنماط رئيسية بناءً على درجة ونوع الدمج مع الأنظمة الأخرى:
أولاً: الشريعة في صورة النظام القانوني الأوحد:
تمثل هذه الفئة الدول التي حافظت على الشريعة الإسلامية كمرجعية حصرية وأساسية للتشريع، دون دمج هيكلي مع القوانين الغربية في أصول النظام.
وتضم هذه المجموعة: المملكة العربية السعودية، وأفغانستان، وجزر المالديف.
ثانياً: النظام المدمج بين الشريعة الإسلامية والنظام اللاتيني:
يشكل هذا النمط الكتلة الأكبر والأكثر انتشاراً، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمازجت الشريعة (وغالباً ما تتركز في الأحوال الشخصية والمبادئ الدستورية) مع القانون المدني اللاتيني (المتأثر بالقانون الفرنسي والمصري).
تضم هذه القائمة الطويلة: إيران، العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، ومصر، وتمتد لتشمل دول المغرب العربي: ليبيا، الجزائر، تونس، المغرب، موريتانيا. كما تظهر في دول أخرى مثل جزر القمر.
وتعتمد بعض الدول نموذجاً مشابهاً ولكنه يضيف "العرف" كمصدر ثالث، وهي: إندونيسيا، تيمور الشرقية، الكويت، عُمان، الأردن، جيبوتي، وأريتريا.
ثالثاً: النظام المدمج بين الشريعة والنظام الأنجلوسيكسوني:
في الدول التي خضعت للنفوذ الاستعماري البريطاني، نجد دمجاً بين الشريعة ومبادئ القانون العام.
تضم هذه الفئة: السودان، باكستان، بنغلاديش، وسنغافورة.
وهناك دول تدمج مع هذين المكونين "العرف" المحلي، وهي: ماليزيا، الهند، نيجيريا، كينيا، وجامبيا.
رابعاً: الأنظمة المركبة والمعقدة:
توجد مجموعة من الدول التي تمتلك نظماً قانونية شديدة التركيب، تجمع بين الشريعة، والنظام اللاتيني، والنظام الأنجلوساكسوني، والعرف، مما يعكس تاريخاً حافلاً بالتقلبات السياسية وتعدد المؤثرات الخارجية.
تشمل هذه المجموعة: قطر، البحرين، اليمن، والصومال.
كما تنفرد الإمارات العربية المتحدة بنظام يدمج بين الشريعة والعرف بشكل بارز ومؤثر في بنيتها التشريعية.
خامساً: الامتداد التاريخي المفقود:
كانت الشريعة هي النظام القانوني السائد في أجزاء واسعة من الصين، وفي دول آسيا الوسطى التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الاتحاد السوفيتي (مثل كازاخستان، وطاجيكستان، وأذربيجان).
كما كانت تحكم الأندلس (إسبانيا والبرتغال) لقرون طويلة.
وفي تركيا، مركز الخلافة العثمانية، بلغت الشريعة شأناً عظيماً من خلال "المجلة العدلية"، وكان فقهاؤها مرجعاً للأوروبيين في المعضلات القانونية، كما شهد بذلك الوزير العثماني علي حيدر، قبل أن تتحول تركيا إلى النظام العلماني الحديث.
والحمد لله رب العاملين........