التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

 بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين 

أما بعد 

​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها. 

​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي. 

وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه. 

​وقد اعتمد الدكتور أحمد على الرواية التي نقلها الخلال في "السنة" عن حنبل بن إسحاق، والتي سأل فيها الإمام أحمد عن أحاديث الرؤية والنزول ووضع القدم، فأجابه الإمام: "نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئاً، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق...". وقد أثبت المؤلف أن هذه الرواية متلقاة بالقبول عند أئمة الحنابلة، كالقاضي أبي يعلى، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، وأن ما وقع من تضعيف بعض العلماء، كابن شاقلا وابن حامد، إنما كان منصباً على رواية أخرى لحنبل تتضمن تأويل المجيء بإتيان القدرة، وليس على رواية "لا كيف ولا معنى". 

ومن هذا المنطلق، أحببت أن اختصر كتابه المهم، ليقف القارئ على حقيقة مذهب الإمام أحمد ومدرسته.

​أوجه الدلالة لمصطلح "المعنى" عند الإمام أحمد:

إن مصطلح "المعنى" يتشكل في لسان الإمام أحمد ضمن أربعة وجوه دلالية مختلفة، مما يبطل الزعم بأن نفيه للمعنى يقتضي نفي الفهم اللغوي للنصوص:

الأول: ​بيان مدلول اللفظ اللغوي: يُطلق المعنى ويُراد به التفسير اللغوي للألفاظ لبيان دلالتها الوضعية والعرفية. 

ومن شواهد ذلك في لسان الإمام سؤاله عن معنى حديث "زينوا القرآن بأصواتكم"، فأجاب بأن التزيين هو أن "يُحسنه". وسؤاله عن "يتغنى بالقرآن"، ففسره برفع الصوت أو الاستغناء به. وكذلك تفسيره للفظ "جعل" في القرآن بأنه يأتي بمعنى التسمية أو الفعل وليس دائماً بمعنى الخلق.

​الثاني: بيان وجه الحديث وتأويله وليس مجرد بيان معاني الألفاظ: يُطلق المعنى طلباً لمعرفة التفسير الشامل للحديث، وقد يتضمن هذا التفسير خروج عن الظاهر لمعاني أهل البدع المخالفة الخفية فينكره الإمام ويرده، 

كما أنكر تفسير المرجئة لحديث "من غشنا فليس منا" أي: ليس مثلنا، وقال إن معناه "على يجري التأكيد والتشديد". 

وكذلك رده لتأويل حديث "إني أراكم من وراء ظهري" بأنه مجرد التفات يمنة ويسرة، وتأكيده أنه يرى من خلفه حقيقة.

​الثالث: العلة أو التعليل: يُطلق المعنى ويُراد به العلة الجالبة للحكم. 

ومن ذلك سؤاله: "ما معنى وضع اليمين على الشمال في الصلاة؟" فأجاب معللاً: "ذل بين يدي عز". 

وهذا يفتح باباً لكون قوله "ولا معنى" أي "ولا تعليل" لصفات الله.

​الرابع: دليل القول أو مأخذه: يُسأل عن معنى قول معين، فيكون المقصود ما هو دليله ومستنده الشرعي الذي بُني عليه.

ومن ذلك سؤاله عن "معنى" قول ابن المبارك بأن الله على العرش "بحد"، فأجاب الإمام بذكر خمسة شواهد من القرآن الكريم تثبت هذا المعنى مثل: {إليه يصعد الكلم الطيب}.

​وعلى هذا فإن قول الإمام "ولا معنى" لا ينفي دلالة الألفاظ على حقائقها، بل ينفي "المعاني المبتدعة" التي يتأولها أهل الأهواء، أو ينفي "التعليل" و"تكييف المعنى" بما يتجاوز حدود النص الشرعي. 

​المبحث الأول: تحليل الرواية التي ذكرت فيها عبارة «لا كيف ولا معنى»

​تمثل رواية حنبل بن إسحاق حجر الزاوية في هذا البحث، ونصها أن حنبلاً سأل الإمام أحمد عن الأحاديث التي تروى "إن الله ينزل كل ليلة"، و"إن الله يرى"، و"إن الله يضع قدمه"، فأجاب الإمام بالتصديق والإيمان "بلا كيف ولا معنى".

​فقد جمع الإمام أحمد في حكمه بين أحاديث الصفات، كالنزول ووضع القدم، وبين أحاديث الرؤية، ومن المعلوم أن أحاديث رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة معلومة المعنى، ولا يدعي أحد من أهل السنة تفويض معناها اللغوي، فلو كان مراد الإمام بقوله "ولا معنى" نفي تحصيل المعنى بالكلية، لانسحب هذا النفي على أحاديث الرؤية أيضاً، وهو ما لم يقل به أحد، هذا التشريك في الحكم يبرهن على أن المنفي هو المعاني الباطلة والتأويلات الجهمية، وليس المعاني الظاهرة التي تدركها العقول وتعرفها لغة العرب.

​وقد يعزز هذا الفهم بما ورد في مسائل الكوسج، حيث سأل الإمام أحمد عن أحاديث النزول، والرؤية، وخلق آدم على صورته، واشتكاء النار ووضع القدم فيها، فأجاب الإمام: "كل هذا صحيح". وعقب إسحاق بن راهويه قائلاً: "ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي". فهذا التصحيح لا يقتصر على الأسانيد، بل يتعداه إلى إثبات الحقائق والمعاني التي تضمنتها تلك المتون.

​المبحث الثاني: بيان العبارات المشابهة لعبارة «لا كيف ولا معنى» مثل: «أمروها كما جاءت»، «لا تفسر»

​اعتاد السلف الصالح استخدام عبارات منهجية لضبط التعامل مع نصوص الصفات، مثل "أمروها كما جاءت" و"لا تفسر". 

وقد عمد المفوضة إلى تفسير هذه العبارات على أنها تجهيل تام للنصوص. إلا أن  استنطاق السياقات التي قيلت فيها هذه العبارات تنقض هذا التصور، وهي كما يلي:

​عبارة "أمروها كما جاءت"

​استعمل الإمام أحمد هذه العبارة في مواضع لا علاقة لها بأخبار الصفات، بل تتعلق بنصوص معلومة المعنى بالضرورة. على سبيل المثال:

​1 - سأله المروذي عن تفسير حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، فقال الإمام: "اسكت عن هذا لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء".

​2 - سأله أبو طالب عن حديث (من كنت مولاه فعلي مولاه)، فقال: "لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء".

3 - ​وقال في أحاديث أولاد المشركين: "نمر هذه الأحاديث على ما جاءت ونسكت لا نقول شيئاً".

​4 - وفي الأحاديث التي تتضمن وعيداً وتكفيراً للمرتكبين لبعض الذنوب (مثل: ثلاث من كن فيه فهو منافق)، قال الإمام: "ولكنا نرويها كما جاءت ولا نفسرها". رغم أنه بيّن أن هذه الأحاديث وردت "على التغليظ".

​من هذه الشواهد، يتضح أن عبارة "كما جاءت" تعني إبقاء اللفظ على دلالته الظاهرة المتبادرة في لغة العرب، دون الدخول في تأويلات متعسفة أو تفريعات كلامية تُفرغ النص من دلالة ومقصده الشرعي (سواء كان إثبات فضل، أو زجراً عن معصية، أو إثباتاً لصفة). 

وقد حسم الإمام أحمد هذا المقصد حين سأله عبد الله ابنه عن قوم ينكرون أن الله كلم موسى بصوت، فقال: "بلى إن ربك تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت"، فجمع بين إثبات حقيقة الصوت وبين إمرار الحديث كما جاء، مما يثبت أن الإمرار هو عين الإثبات للمعنى.

عبارة "لا تفسر" ولا "تأول"

​إن التفسير المنفي في لغة السلف هو "التفسير البدعي" الذي يصرف اللفظ عن ظاهره، وقد اتسقت كلمة أئمة الحديث على ذلك:

1 - ​وكيع بن الجراح: قال في أحاديث الكرسي وموضع القدمين: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا يقول كيف كذا ولا لم كذا". وعلق البخاري على كلام وكيع بأن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتل بعلل ليقوي هواه.

​2 - أبو عبيد القاسم بن سلام: قال في أحاديث الرؤية والكرسي ووضع القدم: "هذه الأحاديث صحاح... ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا ولا سمعنا أحداً يفسره". وقد فسر الإمام الأزهري كلام أبي عبيد هذا بقوله: "أراد أنها تُترك على ظاهرها كما جاءت".

3 - ​إسحاق بن راهويه: قدم إسحاق تأصيلاً حين قال: إن الله وصف نفسه بصفات استغنى الخلق بها عن وصفه، وإن من جهل معرفة ذلك حتى يقول: "إنما أصف ما قال الله ولا أدري ما معاني ذلك، حتى يفضي إلى أن يقول بمعنى قول الجهمية: يده نعمة... فقد ضل سواء السبيل". 

وهذا نص قاطع في أن إنكار المعنى والتفويض التام يؤديان حتماً إلى مذهب الجهمية المعطلة، وأن السلف كانوا يعقلون معاني الصفات على ما تحتمله عقول ذوي الألباب، وإنما يجهلون الكيفية ومنتهى الصفات.

​المبحث الثالث: استدلال الإمام في إثباته لبعض الصفات بإيراد أخبار صفات أخرى، أو إثباته للوازم الصفة= دال على العلم بمعاني الصفات

​من أقوى اﻷدلة التي تثبت إدراك السلف لمعاني الصفات هو استدلالهم بمنطوق صفة لإثبات صفة أخرى، أو الاستدلال بلوازم الصفات. فإن هذا المسلك المنهجي يستحيل عقلاً ومنطقاً أن يصدر عمن يفوض معاني الألفاظ؛ إذ لا يمكن للمستدل أن يستنبط حكماً أو يثبت صفة من خلال لفظ يجهل معناه.

​تجلى هذا في كلام الإمام أحمد وأصحابه عبر عدة محاور:

الأول: ​الاستدلال بإثبات الأصابع والقبضة على إثبات اليد الحقيقية: عندما واجه الإمام أحمد من يتأول "اليد" بالنعمة، رد عليهم بقوله: "من زعم أن يده نعماه كيف يصنع بقوله تعالى: {خلقت بيديً}، وحين خلق آدم فقبض من جميع الأرض، و(القلوب بين أصبعين). هذا الرد يعتمد على إثبات معاني القبض والأصابع لتقرير أن اليد هنا يد حقيقية وليست مجازاً عن النعمة. 

وقد سلك هذا المسلك ابن شاقلا الحنبلي حين استدل بآية {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} للرد على من كذّب بحديث الأصابع.

​الثاني: الاستدلال بآيات المجيء والإتيان على إثبات الرؤية: استدل الإمام أحمد بآيات كقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} و{وجاء ربك والملك صفاً صفا} على جواز رؤية الله يوم القيامة. 

وعقب القاضي أبو يعلى بأن هذا استدلال بمجيء الذات على جواز الرؤية. ولا يتحقق هذا الاستدلال إلا بفهم لمعنى المجيء المضاف إلى الله تعالى.

​الثالث: الاستدلال بالمجيء والصعود على النزول: استدل الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن أسلم الطوسي، وعثمان بن سعيد الدارمي بآيات المجيء والإتيان لإثبات صفة "النزول" الواردة في الأحاديث. بل إن الإمام يحيى بن معين أسس مقابلة منطقية حين قيل له: كيف ينزل؟ فقال: "كيف صعد؟". وكذلك فعل خشيش بن أصرم حين جعل "الصعود إلى السماء" دليلاً على إمكان النزول. 

هذا التشابك الاستدلالي بين الصعود، والنزول، والمجيء، والإتيان يبرهن على إدراك تام للمعاني اللغوية والشرعية لهذه الصفات، وليس مجرد إمرار لأصوات لا مدلول لها.

​المبحث الرابع: موقف الإمام أحمد من تشنيع أهل الأهواء على أهل الحديث دال على إثبات معاني الصفات

​فقد دأبت المعتزلة والجهمية على تشنيع أهل الحديث واتهامهم بـ "التشبيه والتجسيم". وبتدبر نصوص هؤلاء الخصوم، يتبين أن مبعث التشنيع لم يكن راجعاً إلى مجرد تلفظ أهل الحديث بالألفاظ القرآنية والنبوية، بل كان راجعاً إلى "إثباتهم لمعانيها الظاهرة" التي ترفضها المدارس الكلامية.

​وقد تجلى هذا بوضوح في محنة الإمام أحمد، حيث قرأ عليهم الآية: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، فاتهموه بأنه شبه الله بخلقه؛ لأنه أثبت السمع والبصر حقيقة، فرد عليهم بأنه لم يزد على ما وصف الله به نفسه. 

وقال الإمام في نصوصه: "ولا نزيل عنه تعالى صفة من صفاته بشناعة شُنعت... التحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره".

لقد حشد المفضل بن سلمة - (وهو من معتزلة القرن الثالث الهجري وممن عاصر الإمام أحمد وتلاميذه). - في كتابه "جلاء الشبه في الرد على المشبهة"  قائمة من التشنيعات التي وجهها لأهل الحديث (الذين يسميهم المشبهة)، ومنها:

​1 - الاستواء: شنع عليهم بأنهم يحملون الاستواء على العرش على الجلوس، وقال إنهم يذهبون إلى أحاديث مفتعلة، والواقع أن أئمة السنة كخارجة بن مصعب، وعبد الله بن أحمد، وحرب الكرماني أثبتوا أن الاستواء لا يكون إلا بجلوس.

2 - ​اليد والقبضة والأصابع: شنع عليهم بأنهم رفضوا تأويل اليد بالنعمة، وذهبوا إلى أنها "اليد المحدودة ذات الأصابع" -(معتبرين كلمة "المحدودة" من زيادات الخصم للتشنيع) -، وأنهم اعتقدوا أن القبضة هي قبضة الكف، وأن الأصابع هي أصابع اليد حقيقة.

​3 - النزول والعلو: شنع عليهم بإثباتهم الانتقال والزوال المفهومين من لفظ النزول، وبأنهم زعموا أن الله في السماء وعلمه في الأرض وأن هذا محال في العقل المعتزلي.

​4 - الساق والقدم: ذكر أنهم حملوا كشف الساق في الآية على ظاهرها، واعتبروها "الساق ذات القدم" معتمدين على الحديث المرفوع. كما شنع عليهم إثبات القدم في جهنم معتبراً إياها "القدم ذات الأصابع".

5 - ​اللقاء والوجه: شنع عليهم بتفسير اللقاء بالمواجهة والمعاينة، ورفضهم لتأويلات الجهمية للوجه.

​وهذا يدل أن المدارس الكلامية كانت تدرك تماماً أن مذهب أهل الحديث هو "إثبات المعاني اللغوية الظاهرة" لنصوص الصفات، ولأجل هذا المعنى بالتحديد رموهم بالتجسيم والتشبيه، ولو كان أهل الحديث مجرد مفوضة للألفاظ لا يفهمون لها معنى، لما استقام توجيه هذه الاتهامات التفصيلية إليهم.

​المبحث الخامس: تحرير معنى التشبيه عند الإمام أحمد يدل على العلم بمعاني أخبار الصفات

​للرد على اتهامات الخصوم، برزت الحاجة لضبط مصطلح "التشبيه" عند أهل السنة، ففي الرواية التي نقلها حنبل، سأل الإمام أحمد: "والمشبهة ما يقولون؟"، فأجاب الإمام: "بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي = فقد شبه الله بخلقه، وهذا كلام سوء".

​هذا التحرير يضع فاصلاً بين "الإثبات" و"التشبيه". فالإمام أحمد أدرج صفات اليد والقدم والبصر في نسق واحد، مبيناً أن التشبيه يقع عند إثبات "الكيفية المماثلة" للمخلوق، وليس في إثبات أصل الصفة بمعناها الحقيقي.

​وقد توافق هذا مع ما نقله الإمام الترمذي عن إسحاق بن راهويه الذي أوضح أن الجهمية تأولوا اليد بالقوة، بينما التشبيه الحقيقي هو أن يقال "يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع". أما من قال "يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع... فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء}". 

وهذا الانضباط في تحرير مصطلح التشبيه، كما صرح نعيم بن حماد وابن شاقلا، يعفي أهل السنة من الالتزام بلوازم الجهمية، ويتيح لهم إثبات الحقائق والمعاني على ما يليق بجلال الله دون الوقوع في تمثيل المخلوقات.

​المبحث السادس: الإشارة عند ذكر الصفة تدل على العلم بمعناها

​إن الإشارة باليد أو الأصابع عند رواية الحديث تدل على ثبوت المعنى في الذهن،  عندهم  لا ترديد للكلمات وحروف جامدة.

​لقد أورد الإمام أحمد في مسنده، وروى عنه تلامذته، مشاهد متعددة لهذه الإشارات:

1 - ​حديث تجلي الله للجبل: روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك في قوله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل) قال: "هكذا، يعني: أنه أخرج طرف الخنصر". وقد نقل الرواة كابن خزيمة وصف هذه الإشارة بدقة (أخرج أول مفصل خنصره، وضع إبهامه على طرف خنصره). بل نقل الإمام أحمد أن ثابتاً البناني ضرب حميداً الطويل حين استنكر عليه هذه الإشارة، مبيناً أن هذه الإشارة متلقاة عن رسول الله ﷺ.

​2 - حديث الحبر واليهودي: روى الإمام أحمد من حديث ابن مسعود أن الله يمسك السماوات على أصبع والأرضين على أصبع. وقد روى عبد الله بن أحمد، والمروذي، وأبو طالب، وحنبل، أن الإمام أحمد حكى إشارة شيخه يحيى بن سعيد بأصابعه، بل إن الإمام أحمد نفسه جعل يشير ويضع إصبعه على إصبع، واضعاً الإبهام على إصبعه الرابعة، حتى عقد حنبل ثلاثين إشارة.

​هذه الإشارات المتواترة في طبقات الرواة، والتي تنتهي إلى رسول الله ﷺ، تدل على إثبات المعنى. 

وقد رد القاضي أبو يعلى على الرواية الضعيفة المنقطعة (رواية يعقوب بن زاذان) التي تزعم أن الإمام أحمد غضب من الإشارة، مبيناً أنه إن صحت فهي محمولة على من قصد التشبيه، أما إثبات المعنى بالإشارة فقد نص عليه الإمام أحمد صراحة وتناقله كبار تلامذته.

​المبحث السابع: تعريف المتشابه عند الإمام يدل على معرفة المعنى

​استند دعاة التفويض إلى مقولة إن نصوص الصفات تُعد من "المتشابه" الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وفي نصوص اﻹمام أحمد وكتب أصول الحنابلة ما يرد هذه الادعاء

فلقد عرف الإمام أحمد "المتشابه" في رواية ابن هانئ بأنه: "الذي يكون في موضع كذا، وفي موضع كذا؛ مختلف، والمحكم: الذي ليس فيه اختلاف". 

هذا التعريف ينفي أن يكون المتشابه هو ما جُهل معناه بالكلية، بل هو ما احتمل عدة دلالات لغوية تحتاج إلى ردها للمحكم لتحديد المعنى المراد، ويتجلى هذا بوضوح في كتاب الإمام أحمد "الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله"، فإن عنوان الكتاب بحد ذاته يثبت أن الزنادقة تأولوا المتشابه بغير معناه الصحيح، مما يلزم منه أن الإمام يعلم "التأويل الصحيح". وقد أورد الإمام في كتابه هذا آيات عديدة سماها من "المتشابه" وقام بتفسيرها وبيان معناها، مثل:

1 - ​تفسيره لآية {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} بأن الناضرة هي: الحسن، والناظرة هي: المعاينة في الجنة.

2 - ​تفسيره لآية {إنا جعلناه قرآناً عربياً} مبيناً أن "جعل" هنا من المتشابه وأنها لا تعني "خلق" بل تعني "صير" أو "سمى".

​3 - رده على الجهمية الذين تلوا آية من المتشابه { لا تدركه الأبصار } لإنكار الرؤية، فرد عليهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم"، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف معنى هذه الآية المتشابهة ولم يفهم منها نفي الرؤية في الآخرة.

​اعتمد هذا المنهج متقدمو الحنابلة كحرب الكرماني وابن بطة، حيث صرح ابن بطة أن المتشابه يعلم الراسخون تأويله. غير أن الإشكال دخل على المدرسة الحنبلية المتأخرة عبر تعريفات القاضي أبي يعلى للمتشابه بأنه ما لا يعقل معناه، مما أدى إلى تناقضات منهجية حينما أرادوا إثبات العقائد - كالعلو مثلا - بآيات الاستواء التي عدوها من المتشابه.

​المبحث الثامن: معنى الظاهر عند الإمام دال على معرفة المعنى

​يُمثل تحرير دلالة "الظاهر" نقطة محورية في ضبط آليات التلقي عند الإمام أحمد. ومن خلال استقراء المسائل يتضح أن "الظاهر" عند الإمام أحمد، وعند علماء الأصول من الحنابلة، - كالقاضي أبي يعلى والكلوذاني وابن عقيل، - هو: "ما احتمل معنيين أحدهما أظهر وأحق باللفظ من الآخر".

​فعندما يقول الإمام أحمد أو أصحابه: "يُجرى على ظاهره"، فإنهم يقصدون إثبات المعنى المتبادر من اللفظ في لغة العرب، وليس إمرار حروف مهملة. 

وقد طبق الإمام أحمد هذا في الفقه، كقوله في حديث الحج عرفة: "لو كان هذا على ظاهر الكلام...". 

وفي العقيدة، كقوله في أحاديث الرؤية: "نؤمن به كما جاء على ظاهره".

​وقد لخص ابن حامد قاعدة الإمام بقوله: "في الأخبار إذا احتج بظاهرها وجب إجراء مذهبه بموجب الظاهر، إلا إن يقارن ذلك تفسير"، والتفسير هنا في مقابلة الظاهر يعني التأويل الدال على غير الظاهر.

​وقد ساق القاضي أبو يعلى أمثلة كثيرة تؤكد أن الإمام أحمد أخذ بالظاهر، منها:

​1 - قوله في أحاديث وضع القدم في النار: "صحيح، ونؤمن به ولا نرد على رسول الله"، فاعتبر القاضي ذلك نصاً على الأخذ بالظاهر.

​2 - سؤاله عن حديث: "يدنيه ويضع كنفه عليه"، فقال الإمام: "كما قال ونقول به"، فاعتبره القاضي نصاً في الأخذ بظاهره من غير تأويل.

3 - ​أخذ الإمام بظاهر حديث "الرحم شجنة آخذة بحقو الرحمن".

​هذا اﻷمر جعل ابن عقيل وابن الجوزي يوجّهان نقداً لاذعاً لمن يجمع بين ادعاء تفويض المعنى باعتباره من المتشابه، وبين قول: "أحمله على ظاهره"، متسائلين باستنكار: "أي ظاهر يتحقق مع عدم العلم؟". وهذا النقد يثبت أن مصطلح "الظاهر" عند الحنابلة كان مرتبطاً بإثبات المعنى اللغوي الحقيقي.

​المبحث التاسع: رواية أخبار الصفات بالألفاظ المترادفة تدل على إثبات العلم بالمعنى

 إن استبدال اللفظ النبوي الدال على الصفة بلفظ آخر مرادف له في اللغة هو دليل قاطع على أن الرواة كانوا يدركون "المعنى المشترك" ويتفاعلون معه، ولم يكونوا مجرد نقلة لأصوات وحروف مجهولة المعنى، وهذا يجتث جذور التفويض، ومن اﻷمثلة: 

1 - صفة القَدَم والرِّجْل: رُوي حديث اختصام الجنة والنار بألفاظ متعددة، منها قول النبي ﷺ: "حتى يضع الله فيها رجله" و"حتى يضع قدمه". وقد أخرج الإمام أحمد كلا اللفظين في مسنده. وحين جادل الناشئ المعتزلي ابن شاقلا الحنبلي معترضاً بلفظ "الرجل"، رد عليه ابن شاقلا بأن رواة الحديث - كهمام والأعرج - نقلوا اللفظين وأن "كلاهما واحد"، مما يدل على أن الرواة كانوا يروون الحديث بالمعنى لفهمهم لدلالة الصفة في اللغة.

2 - ​صفة النزول والهبوط: رُويت أحاديث النزول الإلهي بألفاظ متعددة كـ "ينزل" و"يهبط" و"يتدلى". وقد أورد الإمام أحمد هذه الألفاظ في مسنده. وعلق ابن الجوزي على ذلك بقوله: "إن قوماً رووه بما يظنونه المعنى من النزول فقالوا: يهبط"، مما يقرر حقيقة أن الرواة فهموا المعنى فاستعملوا الألفاظ المترادفة للتعبير عنه.

3 - ​حديث الرحم: روي بلفظ "آخذة بحجزة الرحمن" وبلفظ "آخذة بحقو الرحمن"، وقد اعتبر القاضي أبو يعلى ذلك صفة ذات وأخذ بظاهر الحديث كما فعل الإمام أحمد.

​المبحث العاشر: كلام تلاميذ الإمام أحمد في أخبار الصفات دال على علمهم بالمعنى وإثباتهم له

​لا يمكن فهم عبارة الإمام أحمد إلا بالرجوع إلى فهم أقرب تلامذته وأقرانه؛ إذ التلامذة الملازمون هم الترجمة الحية لمقاصد شيخهم. 

ومن بعض هؤلاء الأئمة:

​1 - عبد الوهاب بن عبد الحكم الورّاق (ت 251 هـ)

​وهو من أجلّ أصحاب الإمام أحمد وأكثرهم حظوة عنده، حتى إن الإمام كان يحيل المستفتين إليه ويقول: "موفق لإصابة الحق". 

صرح الوراق في نصوصه بإثبات المعاني، فقد فسر "الاستواء" بالقعود، كما أخرج الخلال. وعندما سئل عن أحاديث الرؤية والنظر إلى الله، حلف بأغلظ الأيمان أنها حق. وقد روى أحاديث تتضمن إثبات الأصابع، وصوت الله، بل وروى حديث إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش وقال: "من رد هذا فهو جهمي".

​2 - الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)

​أحد كبار من تلقى عن الإمام أحمد. 

تبدو براهين الإثبات جلية في تبويباته في "صحيح البخاري" مثل كتاب التوحيد، وكتاب "خلق أفعال العباد". فقد أورد البخاري مقولة يزيد بن هارون التي تُجَهّم من يتأول الاستواء "بخلاف ما يقر في قلوب العامة". كما أنه بوب لصفة العين واستدل بأحاديث الدجال (إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه) ليثبت إدراك معنى العين الحقيقية. وبوب لصفة اليد مستدلاً بأحاديث طي السماوات والقبض، وهذا كله إثبات صريح للمعاني الظاهرة.

​3 - أبو زرعة الرازي (ت 264 هـ)

​الحافظ الذي قال فيه الإمام أحمد: "ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق، ولا أحفظ من أبي زرعة". 

فقد غضب أبو زرعة غضباً شديداً حين سئل عن تفسير {الرحمن على العرش استوى}، وقال: "تفسيره كما تقرأ، هو على عرشه وعلمه في كل مكان". وهذا التفسير ينقض التفويض. وأكد في نصوص أخرى أن المبتدعة يتأولون الصفات بآرائهم المنكوسة وينسبون رواتها إلى التشبيه، مبيناً أن نفي التفسير عندهم إنما هو نفي لتأويلات الجهمية وليس نفياً لأصل المعنى اللغوي.

​4 - أبو بكر المَرُّوذِي (ت 275 هـ)

​أجلّ أصحاب الإمام أحمد وناشر علمه. صنف المروذي في إثبات "المقام المحمود" وإقعاد النبي على العرش. وفي رسالته العقائدية التي صححها الإمام أحمد بيده، أكد المروذي أن المؤمنين يوم القيامة "يعاينون ذلك منه، وينظرون إليه، ويسمعونه منه"، وهذا الإثبات للمعاينة والسمع يقتضي العلم بالمعنى. 

وكما حكى المروذي إشارات الإمام أحمد بإصبعه في حديث الحبر.

​5 - أبو داود السجستاني (ت 275 هـ)

​صاحب السنن وأحد كبار الآخذين عن الإمام. بوب في سننه "باب في الرد على الجهمية"، وأورد فيه أحاديث العلو، والنزول، واليمين. بل وصرّح بأن رواية أبي هريرة التي فيها وضع النبي ﷺ إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه عند تلاوة {إن الله كان سميعاً بصيراً} هي "رد على الجهمية". فالإشارة وإثبات المعنى كانا سلاح أبي داود لدحض التعطيل.

​6 - أبو حاتم الرازي (ت 277 هـ)

​قرين أبي زرعة، صرح بقوة في إثبات المعنى، حيث نقل عنه ابنه عبد الرحمن في كتاب "الرد على من زعم أن الله في كل مكان" تكفيره لمن قال إن النزول هو "غير النزول" أي من تأول النزول بنزول الأمر والرحمة ولم يثبت نزول الذات. 

وهذا التشديد يثبت أن أئمة السلف كانوا يقررون المعاني الذاتية الحقيقية ويرفضون التفريغ الدلالي للصفات.

​7 - حرب بن إسماعيل الكرماني (ت 280 هـ)

​من أهم الموثقين لمسائل الإمام أحمد. نقل إجماع علماء الأمصار (الحجاز والعراق والشام) في عقيدته المشهورة، وصرح بسرد مجموعة من الصفات مع إثبات معانيها الحقيقية: "يفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء". 

بل وأثبت صفة "الحركة" التي لم ينكرها عليه أحد من علماء الحنابلة المتقدمين، مما يؤكد سعة إدراكهم وعمق إثباتهم لحقائق الصفات.

​8 - الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 هـ)

​يُعد كتابه "النقض على المريسي" درعاً حصيناً في إثبات المعاني. نص الدارمي صراحة على أن نصوص الصفات "مفهومة المعقول عند جميع المسلمين"، ورفض بشدة دعوى أن معاني المجيء والإتيان تخالف المتبادر. وقال: "تُصرف معانيها إلى أغلب ما تعرفه العرب"، وأكد أن اليدين تعني يدان حقيقيتان ولا تحتمل التأويل بالنعمة. كلام الدارمي يمثل قراءة واضحة لمذهب أهل الأثر في إبطال كل من التعطيل والتفويض.

​9 - إبراهيم الحربي (ت 285 هـ)

​لغوي بارع ومحدث ملازم للإمام أحمد. 

سُئل عن تفسير حديث "يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه"، ففسر الكنف لغوياً بأنه "الستر والرحمة"، مع إثبات حقيقة القرب والدنو والمناجاة بين العبد وربه. فجمعه بين التفسير اللغوي وإثبات الصفة. 

​10 - الإمام اللغوي أحمد بن يحيى "ثعلب" (ت 291 هـ)

​من أصحاب الإمام أحمد وإمام أهل الكوفة في اللغة. ساهم ثعلب في دحض التأويلات الجهمية من منظور لغوي. 

فسر قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} بأن اللقاء هاهنا "لا يكون إلا معاينة ونظراً بالأبصار" بإجماع أهل اللغة. 

كما فسر "الاستواء" بالعلو، وتكليم الله لموسى بالتكليم الحقيقي. 

هذا التماشي بين الإمام اللغوي والإمام أحمد يثبت أن عقيدة السلف بنيت على قواعد لسان العرب دون تحريف أو تجهيل.


وقد تم هذا المختصر وصواريخ ومسيرات العدو تضرب في بلادي الحبيية فأسأل الله أن يرد كيده في نحره ونعوذ بالله من شروره أنه حسبنا ونعم الوكيل.

وأسأل الله أن يكون المختصى نافعاً لقارئه، كما نفع بأصله إن جوادٌ كريم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

الإمام صفي الدين البغدادي وكتابه "قواعد الأصول" [دراسةٌ في منهجه، ومقارنًة بمنهج ابن قدامة في كتابه روضة الناظر]

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد: تمثل دراسة المناهج الأصولية حجر الزاوية في فهم التطور الفكري للمذاهب الفقهية؛ إذ لا يقتصر التحليل العميق على معرفة ما قاله العالم، بل يمتد إلى كيفية بناء حجته، وترتيب مادته، وتحديد غايته من التصنيف. إن هذا المنهج التحليلي، الذي يتجلى بوضوح في الدراسات المعاصرة، يكشف عن الأولويات العلمية للمصنف، وجمهوره المستهدف، وموقعه الدقيق ضمن خريطة التراث العلمي الذي ينتمي إليه. وفي هذا السياق، شهد التأليف في أصول الفقه داخل المذهب الحنبلي تطورًا لافتًا. فيقف هذا البحث على معلمين رئيسيين تمثل مسارًا فكريًا متصاعدًا في هذا التطور: أولها الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 620 هـ) وكتابه "روضة الناظر وجنة المناظر"، الذي يمثل مرحلة من مراحل التأسيس المنهجي في صلب الفكر الأصولي الحنبلي.  وثانيها الإمام صفي الدين البغدادي (المتوفى سنة 739 هـ) وكتابه "قواعد الأصول ومعاقد الفصول"، الذي يمثل مرحلة التجريد والتقطير التعليمي، حيث تم استخلاص القواعد العملية من رحم النقاشات النظرية المعقدة. وعليه، يهد...