بسم الله الرحمن الرحيم تمثل معلقة زهير بن أبي سلمى المزني ذروة النضج الفكري والأخلاقي في الشعر العربي القديم؛ إذ لم تنبثق أبياتها من نوازع الفخر القبلي الأعمى أو التحريض على الثأر، بل جاءت استجابة لحدث تاريخي فارق أنهى عقوداً من الصراع الدامي. فنظمت القصيدة في سياق الإشادة بالموقف للسيدين الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريين الذبيانيين، اللذين احتفلا بإيقاف حرب داحس والغبراء المستعرة بين شقيقي غطفان: عبس وذبيان، عبر تحملهما ديات القتلى من أموالهما الخاصة، والتي قاربت ثلاثة آلاف بعير. وفتيل النزاع كاد يشتعل مجدداً إثر إقدام ورد بن حابس العبسي على قتل هرم بن ضمضم المري، فأضرمت الحادثة رغبة الثأر الكامنة في النفوس، حتى ترصد حصين بن ضمضم لرجل من قبيلة عبس فقتله غدراً. وأمام هذا المنزلق الذي كاد ينسف مساعي الهدنة، سارع الحارث بن عوف إلى احتواء الأزمة ببذل مئة من الإبل ترضية لأولياء الدم، فقطع دابر الفتنة وثبت أركان الصلح. انطلق زهير من هذه التجربة المريرة ليجعل من مقطوعة الحكمة بياناً للسلم المجتمعي؛ فالمعلقة ليست مجرد مديح مجرد، بل هي تفكيك حِكمي لويلات الحرب وتشريح لأغوار...