بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
تعد اللغة العربية أحد ركائز علم
الأصول ومنطلق الاستنباط الفقهي، إذ هي الوعاء الذي نزل به الوحي، ومن هنا كان لا
بد للأصولي من سبر أغوارها وفهم سنن العرب في كلامها لتمييز مراد الشارع.
وإن مبحث الحقيقة والمجاز من أهم مباحث
الدلالة اللفظية في أصول الفقه؛ إذ به يتحدد فهم خطاب الشارع، ويميز بين مراداته الأصلية
وما يُحمَل على غير ظاهره، فيترتب على ذلك اختلاف واسع في الفروع الفقهية والأحكام
العملية.
وقد اعتنى الأصوليون بهذا الباب عناية
كبيرة، حتى أفرد بعضهم فيه مصنفات خاصة، وبسط آخرون القول فيه ضمن مباحث الألفاظ، وأثروا
البحث بتحريرات دقيقة ومناقشات لغوية وشرعية.
تتجلى إشكالية البحث في تساؤلات عدة، من
أبرزها: ما حقيقة الحقيقة والمجاز عند الأصوليين؟ وهل المجاز ثابت في الألفاظ الشرعية
أو منفيّ؟ وما أدلة كل فريق؟ وما سبب اختلافهم؟ ثم ما أثر هذا الخلاف في الفقه الإسلامي؟
وينبني على ذلك أهمية هذا البحث من جهتين:
- جهة نظريّة تتصل بضبط مصطلحي الحقيقة
والمجاز وتقاسيمهما وضوابطهما عند الأصوليين.
- وجهة تطبيقية تتصل بأثر هذا الباب في
استنباط الأحكام من النصوص، وما ينشأ عنه من خلاف فقهي.
منهج البحث المعتمد: الاستقراء لما قرره
الأصوليون في مظانّه، مع التحليل والمقارنة والترجيح حيث يتبيّن وجهه، والاستفادة من
الدراسات المعاصرة التي عنيت بمسألة الحقيقة والمجاز وأثرهما في اختلاف الفقهاء.
وتنقسم خطة البحث إلى تمهيد وثلاثة مباحث
وخاتمة:
- التمهيد: في التعريف اللغوي والاصطلاحي
للحقيقة والمجاز.
- المبحث الأول: مفهوم الحقيقة والمجاز
عند الأصوليين وأنواعهما.
- المبحث الثاني: الخلاف في ثبوت المجاز
وأدلته ومناقشتها وبيان سبب الخلاف.
- المبحث الثالث: أثر الخلاف في الحقيقة
والمجاز في الفقه الإسلامي.
ثم خاتمة بأهم النتائج والتوصيات.
التمهيد: التعريف اللغوي والاصطلاحي.
أولاً: تعريف الحقيقة:
في اللغة: تدور مادة «حقق» على الثبوت
ونقل إلى الاعتقاد المطابق؛ يقال: حقّ الشيء يَحِقُّ حَقًّا وحقيقةً إذا ثبت ووجب،
ومنه سمي الحق ضد الباطل.[1]
وفي الاصطلاح: «اللفظ المستعمل فيما وضع
له أولًا»، وهذا تعريف جمهور الأصوليين.[2]
فيخرج به المجاز لأنه مستعمل في غير ما
وضع له ابتداء.
ثانياً: تعريف المجاز:
- في اللغة: من «جاز» الشيء إذا تعدَّاه؛
فكأن اللفظ في المجاز يتعدى من معناه الأول إلى معنى آخر لعلاقة، والعبور من حال
إلى حال أو من مكان إلى آخر، ومنه قولهم: "جاز فلان النهر" إذا قطع ضفته
وعبر إلى الأخرى.[3]
- في الاصطلاح: «اللفظ المستعمل في غير
ما وضع له أولًا، لعلاقة».[4]
والعلاقة تكون بين المعنى الأصلي
والمعنى المنقول إليه، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي.
فالمجاز ليس مجرد عبث لغوي أو إطلاق عشوائي، بل هو تصرف بياني
محكوم بشروط صارمة تضمن عدم ضياع المعاني، ومن أهمها وجود "العلاقة"
التي تسوغ الانتقال الذهني، و"القرينة" التي تصرف اللفظ عن أصله.
بهذا يظهر أن معيار التمييز بين الحقيقة
والمجاز عند الأصوليين هو «الوضع الأول» للفظ، مع ملاحظة العلاقة والقرينة، وأن المجاز
يتوقف على سبق حقيقة سابقة له.
المبحث الأول: مفهوم الحقيقة والمجاز عند
الأصوليين وأنواعهما.
المطلب الأول: مفهوم الحقيقة عند الأصوليين.
الأصوليون لا يبحثون الحقيقة والمجاز بوصفهما
مجرد ظاهرة بلاغية، بل بوصفهما طريقًا لضبط الدلالات التي تُستنبط منها الأحكام.
لذلك توسعوا في أنواع الحقيقة؛ فذكروا
ثلاثة أقسام رئيسة:[5]
1. الحقيقة اللغوية:
هي استعمال اللفظ في المعنى الذي وضعه
له أهل اللغة أولًا؛ مثل استعمال لفظ «الصلاة» في الدعاء، و«الزكاة» في النماء، «الشمس»
للكوكب النهاري المضيء، و«الإنسان» للحيوان الناطق.
وهذه هي الأصل الذي ترجع إليه كافة
الاستعمالات عند غياب المخصصات أو القرائن.
2. الحقيقة الشرعية:
هي اللفظ الذي نقله الشارع من معناه اللغوي
إلى معنى شرعي خاص، بحيث صار أول ما يتبادر منه عند أهل الشرع هو هذا المعنى الخاص؛
كلفظ «الصلاة» فهي في اللغة "الدعاء"، لكن الشارع خصصها بالعبادة المخصوصة
ذات الركوع والسجود، و«الزكاة» التي تعني في اللغة "النماء" ونقلها
الشرع للقدر المعلوم من المال على وجه مخصوص.
3. الحقيقة العرفية:
هي ما نُقل من معناه اللغوي إلى معنى آخر
اصطلح عليه أهل عرفٍ معين (عام أو خاص)، مثل استعمال «الدابة» في العرف العام لما يمشي
على أربع من الحيوان، مع أن مدلولها اللغوي أوسع من ذلك.
واصطلاحات أصحاب المهن والعلوم،
كاصطلاح النحاة على "الفعل" و"الفاعل" واصطلاح الفقهاء على
"الفسخ" و"الإقالة".
واختلف الأصوليون في مدى ثبوت الحقائق
الشرعية والعرفية وتقدمها على اللغوية، لكن الجمهور يثبت هذه الأنواع الثلاثة، ويجعل
لها أثرًا في باب الترجيح عند تعارض الاحتمالات في اللفظ.[6]
المطلب الثاني: أنواع المجاز عند الأصوليين.
قسّم الأصوليون المجاز بحسب جهات متعددة،
أهمها:
1. من حيث النقل:[7]
- مجاز لغوي: كإطلاق «الأسد» على الرجل الشجاع.
- مجاز شرعي: كإطلاق «الإيمان» على الأعمال في بعض النصوص عند من يجعل ذلك من
باب المجاز لا الحقيقة الشرعية.
- مجاز عرفي: كإطلاق «الراوية» على المزادة في عرف العرب.
2. من حيث العلاقة بين المعنى الحقيقي
والمجازي:[8]
استعار الأصوليون تقسيم البلاغيين للمجاز اللغوي إلى:
- استعارة: كقوله تعالى: «كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور»؛
فإطلاق «الظلمات» و«النور» على الضلال والهدى مجاز لعلاقة المشابهة.
- مجاز مرسل بعلاقات متعددة (السببية، المسببية، الجزئية، الكلية، اعتبار ما
كان، اعتبار ما سيكون، إلخ)؛ وله علاقات متعددة منها :
أ - السببية والمسببية: كما في قوله تعالى: "وينزل لكم من
السماء رزقاً"، فالنازل مطر (سبب) والرزق (مسبب).
ب - الجزئية والكلية: كإطلاق "الرقبة" وإرادة
الإنسان كله في الكفارة، أو إطلاق "الأصابع" في قوله تعالى:
"يجعلون أصابعهم في آذانهم" وإرادة الأنامل فقط، لا الأصابع كلها.
ج - المحلية والحالية: كقوله تعالى: "واسأل القرية"،
والمراد أهلها الذين يحلون فيها.
د اعتبار ما كان وما سيكون: كإطلاق لفظ "اليتامى"
على البالغين الذين كانوا يتامى، أو قول الرجل: "عصرت خمراً" والمراد
عنباً يؤول إلى خمر.
س - مجاز الحذف والزيادة: كقوله تعالى: "ليس كمثله
شيء"، حيث اعتبر بعض الأصوليين الكاف زائدة للتأكيد، أو قوله: "واسأل
القرية" بتقدير حذف المضاف "أهل".
3. من حيث متعلَّقه:[9]
- مجاز في الإسناد (مجاز عقلي): كقولهم
«بنَى الأميرُ القصر» والإسناد في الحقيقة لعمّاله.
- مجاز في المفرد: وهو السابق ذكره.
هذه الأقسام وإن بدت بلاغية، إلا أن استحضارها عند الأصوليين ضروري؛ لأنها تحدد مدى إمكان حمل لفظ شرعي على غير ظاهره، وحدود ذلك وشروطه.
المبحث الثاني: الخلاف في المجاز وأدلته
وسبب الخلاف.
المطلب الأول: أقوال العلماء في ثبوت المجاز.
يمكن إجمال مواقف الأصوليين – ومن يلتحق
بهم من المتكلمين واللغويين – في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
1. القول بإثبات الحقيقة والمجاز في اللغة
والقرآن والسنة.
وهو قول جمهور الأصوليين من الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة، وعلماء اللغة، إلى أن المجاز واقع في اللغة
والقرآن والسنة، وهو من أساليب العرب الراقية في التعبير.[10]
2. القول بإثبات المجاز في اللغة مع نفيه
في القرآن.
نُقل عن بعض الظاهرية كداود وابنه أبي
بكر، وعن بعض الحنابلة كابن حامد، وعن أبي الحسن الجزري.[11]
3. القول بنفي التقسيم إلى حقيقة ومجاز
من أصله.
اشتهر هذا الاتجاه عند ابن تيمية وابن القيم، ومن قبله أبي إسحاق الإسفراييني في أحد قوليه، حيث ينفون هذا التقسيم الاصطلاحي، ويقولون: الألفاظ موضوعة لمعانٍ متعددة، أو أن ما يُسمى مجازًا ليس إلا حقيقة عرفية أو شرعية أو مقيدة بالسياق.[12]
المطلب الثاني: أدلة القائلين بالمجاز
ومناقشتها.
استدل مثبتو المجاز في النصوص الشرعية
واللغة بأدلة، منها:
1. الاستقراء من لسان العرب، فإن استعمال
العرب للألفاظ على وجه الحقيقة والمجاز متواتر لا يُنكر، مما يدل على أن السلف كانوا
يقرون وجود المجاز، وإن اختلف الاصطلاح.[13]
2. ورود ألفاظ يستحيل حملها على الحقيقة
الحسية، مثل قوله تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها}؛ فالقرية لا تُسأل، فلابد من
تقدير «أهل القرية»؛ فهذا مجاز مرسل بعلاقة المحلية.
ومثل: «يجعلون أصابعهم في آذانهم»؛ إذ
المدخول الأنامل، ومثل الاستعارات الكثيرة في القرآن كإطلاق «الظلمات» على الكفر و«النور»
على الإيمان.
وقولهم: "قامت الحرب على
ساق"، و"فلان على جناح سفر"، و"شابت لمة الليل".
فإن إنكار هذه الاستعمالات يعد مكابرة
للواقع اللغوي، إذ لو حملت على حقيقتها لفسد المعنى وصار ضحكاً.[14]
3. إجماع العقلاء على التفريق بين الاستعمالين.
إذ يقال لمن قال عن الرجل الشجاع «أسد»:
ليس بأسد حقيقة، بل كأنه أسد، وهذا يقتضي وجود فرق معهود بين الحقيقة والمجاز في الاستعمال.[15]
المناقشة:
- هذه الأدلة قوية من جهة الاستقراء اللغوي،
ومبناها على إثبات أن لسان العرب يعرف الاستعارة والمجاز، وهذا لا يجحده إلا مكابر
في علم اللغة.
- يبقى الإشكال الأصولي في مدى مشروعية
نقل هذه القاعدة على نصوص الصفات الإلهية ونحوها، وهو موضوع عقدي أكثر منه أصولي، لذلك
يقيّد كثير من أهل السنة استعمال المجاز في نصوص الوحي بالضوابط الشرعية، وعدم مصادمته
لفهم السلف.[16]
المطلب الثالث: أدلة النافين للمجاز ومناقشتها.
استدل النافون للمجاز في القرآن أو النافون
للتقسيم من أصله بعدة وجوه:
1. أن التقسيم حادث اصطلاحي لم يعرف عن
السلف الأول، فلم يرد عن الصحابة والتابعين تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وإنما هو
اصطلاح متأخر، والأصل الوقوف عند ألفاظ النص بلا تكلّف تقسيمات فلسفية.[17]
2. أن القول بالمجاز ذريعة للتأويل الباطل،
حيث اتخذت طوائف من أهل الباطل دعوى المجاز وسيلة لصرف نصوص الصفات، وكثير من نصوص
الأحكام، عن ظاهرها، بحجة المجاز.[18]
3. أن تعدد الاستعمالات لا يستلزم القول
بالمجاز، فأن اللفظ قد يوضع لمعان متعددة، أو يضيق ويوسع معناه بالسياق والعرف، وما
يُسمى مجازًا هو في الحقيقة استعمال حقيقي في عرف معين أو تركيب معين، فلا حاجة لتقسيم
جديد.[19]
المناقشة:
- ما ذكروه من سوء استعمال المجاز في التأويل
الباطل صحيح واقعًا، لكن لا يقتضي نفي أصل وجود المجاز في اللغة والنصوص، كما قرر ذلك
كثير من الباحثين المعاصرين من أهل السنة.
- أما دعوى أن التقسيم حادث فلا تضر ما
دام الاصطلاح لا يغيّر الحقائق، فكثير من التقسيمات الأصولية حادثة اصطلاحًا، لكنها
وسيلة لضبط المعاني لا أكثر.
- جوهر الخلاف هنا ليس في وقوع المجاز
لغة، بل في جعله «أداة تأويل مفتوحة» للنص الشرعي، وهذا ما يخشاه النافون؛ ولذلك نجد
بعضهم يقر بوجود الاستعارة والمجاز البلاغي، لكنه يتحفّظ في إطلاق لفظ «المجاز» على
نصوص الوحي، أو يضيق مجاله فيها.[20]
المطلب الرابع: سبب الخلاف.
يمكن ردّ سبب الخلاف إلى جملة عوامل متداخلة:
1. اختلافهم في تصور «الوضع» اللغوي:
هل اللفظ موضوع لمعنى واحد فقط (فيكون
غيره مجازًا)، أم لمجموعة من المعاني بنوع من الاشتراك أو التواطؤ، فيسهل رد كثير من
الصور إلى حقائق متعددة لا إلى مجاز؟ [21]
2. اختلافهم في منهج التعامل مع النصوص
الشرعية:
- فطائفة تجعل الأصل التوسع في المجاز،[22]
خاصة في نصوص القصص والوعظ، وطائفة أخرى تجعل الأصل الوقوف مع الظاهر إلا لقرينة قطعية،
خشية الانفلات التأويلي.[23]
3. أثر الموقف العقدي:
موقف المتكلمين من آيات الصفات، وموقف
الحنابلة وأهل الحديث، أثّر بقوة في الموقف من باب المجاز، فجماعات من أهل السنة حاولوا
سد الذريعة بنفي المجاز أو تضييقه، في مقابل متكلمين وسعت دائرة التأويل عندهم، فتمسّكوا
بإثبات المجاز.[24]
4. تداخل الاصطلاحات بين اللغويين والبلاغيين
والأصوليين:
فكل طائفة وضعت حدًّا للحقيقة والمجاز بحسب غرضها، ما أدى إلى نوع من الاضطراب في النقل بين هذه العلوم.[25]
المطلب الخامس: الترجيح:
بعد ذكر أدلة الفريقين والتدقيق في حججهم،
يظهر أن جزءاً كبيراً من النزاع هو "خلاف لفظي". فقد أجاب المثبتون على
شبهة "النفي" بأن المراد بنفي المجاز هو نفي "المعنى الحقيقي"
لا نفي "المعنى المراد"، فإذا قلت عن الشجاع: "ليس بأسد"،
فأنت تنفي كونه الحيوان المفترس وهذا صدق، ولا تنفي كونه شجاعاً. كما أن ابن قدامة
وغيره[26]
أشاروا إلى أنه إذا اتفق الجميع على أن هذه الأساليب اللغوية (كحذف المضاف أو
الاستعارة) مستعملة وموجودة، فلا مشاحة في الاصطلاح، سواء سميناها مجازاً أو
توسعاً. ومع ذلك، يبقى الخلاف جوهرياً في "نظرية الوضع"؛ فالمثبتون
يفترضون سبقاً زمنياً لوضع اللفظ لمعنى معين، بينما يرفض النافون هذا الافتراض
لعدم قيام الدليل التاريخي عليه.
والذي يظهر من اﻷقوال هو القول اﻷول: القول بإثبات الحقيقة والمجاز في اللغة والقرآن والسنة، فهو قول الشافعي[27] وإن لم سمه مجازاً، ولا يمكن نفي المجاز فيما هو طافح بكتب أهل اللغة المتقدمين.
المبحث الثالث: أثر الخلاف في الفقه الإسلامي.
المطلب الأول: أثر التردد بين الحقيقة
والمجاز في الفروع.
بحث الأصوليون حالة «تردّد اللفظ بين الحقيقة
والمجاز» وأثر ذلك في الحكم، فهل يُقدَّم المعنى الحقيقي، أو المعنى المجازي، أو يُجعل
النص مجملًا يتوقف فيه حتى تأتي قرينة أخرى؟
من الصور التطبيقية:
1. الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد:
مثاله: من يمنع الجمع، فيحمل لفظًا كـ
«الصيام» في قوله تعالى «كتب عليكم الصيام» على الحقيقة الشرعية فقط، ومن يجيز الجمع
قد يستدل على اعتبار معناه اللغوي وهو الامتناع مطلقًا في بعض السياقات، مما يؤثر في
سعة مدلول الحكم.
2. التردد في آيات الأحكام:
بعض الألفاظ في الطهارة والعبادات والمعاملات
قد تحتمل الحقيقة والمجاز، كلفظ «اللمس» في آية الوضوء، قوله تعالى: "أو
لامستم النساء"، وقع الخلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة:
فالشافعية: حملوا "اللمس" على حقيقته اللغوية وهو التقاء
البشرتين، فأوجبوا الوضوء من مجرد اللمس.
والحنفية: حملوا "اللمس" على المجاز وهو الجماع؛ لأن
الحقيقة مهجورة في هذا السياق لوجود أحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يقبل نساءه ثم
يصلي ولا يتوضأ، ولأن المجاز هنا أليق بكرامة الخطاب الشرعي في الكناية عن الأمور
المستقذرة.
وهذا الخلاف مبني جزئيًا على باب الحقيقة والمجاز، بالإضافة إلى قرائن أخرى.[28]
المطلب الثاني: نماذج من أثر الخلاف في
أبواب الفقه.
أشارت عدة دراسات إلى أن فهم الحقيقة والمجاز
له أثر بيّن في اختلاف الفقهاء في أبواب متعددة، منها أحكام الأسرة والمعاملات والعبادات.
١. في أبواب المعاملات.
استعمال ألفاظ كالبيع، والربا، والقرض،
والهبة، وغيرها، في بعض الصيغ المعاصرة، يثير سؤالاً: هل هذه العقود داخلة تحت الحقيقة
الشرعية/ العرفية لتلك الألفاظ أم هي من باب المجاز؟ ومن ثم هل يترتب عليها حكم العقد
الشرعي الكامل أم لا؟[29]
٢. في أحكام الأسرة.
إن اختلاف الفقهاء في تفسير بعض ألفاظ
الطلاق والظهار واليمين، بين الحقيقة والمجاز، أدى إلى اختلافهم في وقوع الطلاق أو
عدمه، وفي مقدار الكفارة، ونحو ذلك، فمثلاً: ألفاظ الكناية في الطلاق، هل تُحمل على
حقيقتها اللغوية أم على مجازها الاصطلاحي في البيئة العرفية؟ يترتب عن ذلك اختلاف في
اعتبار هذه الألفاظ مُنجِزة للطلاق أو لا.
وفي لفظ "النكاح"، فهل هو
حقيقة في "العقد" أم في "الوطء"؟ يترتب على ذلك أن الرجل إذا
حلف: "لا ينكح امرأة"، فإنه يحنث بمجرد العقد عند من يراه حقيقة فيه،
ولا يحنث إلا بالوطء عند من يراه مجازاً فيه.
وفي قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم"،
اختلفوا هل يحرم ما عقد عليه الأب فقط أم لا بد من الدخول؟ والجمهور على تحريم ما
عقد عليه الأب إعمالاً للمجاز الشائع أو الحقيقة الشرعية.[30]
الخاتمة
يتضح من هذا العرض أنّ مبحث الحقيقة والمجاز
عند الأصوليين مبحث مركزي في علم أصول الفقه، يتداخل فيه اللغوي بالشرعي، والبلاغي
بالعقدي، وينعكس بقوة على الفروع الفقهية.
الحقيقة – عند جمهور الأصوليين – هي اللفظ
المستعمل في ما وضع له أولًا، وتنقسم إلى لغوية وشرعية وعرفية، بينما المجاز هو استعمال
اللفظ في غير موضوعه الأصلي لعلاقة مع قرينة، بأنواعه المختلفة.
الخلاف في المجاز ليس في أصل وقوعه في
لسان العرب، وإنما في مدى اعتباره في نصوص الوحي وكيفية ضبطه، وقد انقسمت الاتجاهات
إلى مثبت للمجاز مطلقًا، ومثبت له في اللغة دون القرآن، ونافٍ للتقسيم من أصله، ولكل
فريق أدلته ومناقشاته التي ارتبط أكثرها بمسألة تأويل النصوص.
وارْتبط سبب الخلاف بتصورات مختلفة للوضع
اللغوي ومنهج التفسير، وبالاعتبارات العقدية وسدّ الذرائع إلى التأويل الفاسد.
أمّا من جهة الأثر الفقهي، فقد أثبتت الأبحاث
المعاصرة أن التردد بين الحقيقة والمجاز، وإمكان الجمع بينهما، والتوسع أو التضييق
في المجاز، كان له أثر ظاهر في اختلاف الفقهاء في أبواب الأسرة والمعاملات والعبادات
وغيرها، مما يجعل إحكام هذا الباب ضرورة لطالب الأصول والفقه المعاصر.
[1] انظر المحكم لابن سيده (٢
/ ٣٣٣) مادة (حق)، القاموس المحيط، مادة (حقق).
[2] انظر بيان المختصر
للأصفهاني (١ / ١٨٣)، واﻹبهاج شرح المنهاج للسبكي (١/ ٢٧١)، البحر المحيط للزركشي
(٣ / ١٤٠٦).
[3] انظر القاموس المحيط مادة
(جوز).
[4] انظر العدة ﻷبي يعلى (١ /
١٧٢)، المحصول للرازي (١ / ١ / ٣٩٥)، شرح تنقيح الفصول للقرافي (ص: ٤٢)، كشف
الأسرار للبخاري (١ / ٦١).
[5] انظر التمهيد لابي الخطاب
(٢ / ٢٥٢ ، ٢٦١)، شرح تنقيح الفصول (ص: ٤٢)، شرح الكوكب المنير للفتوحي (١ / ١٤٩)
[6] انظر البحر المحيط (٣ /
١٤٠٩)، والتحبير شرح التحرير (١ / ٣٨٩).
[7] اتظر روضة الناظر وجنة
المناظر لابن قدامة (٢ / ٣٣١)، الفائق للصفي الهندي (١/ ١٢٦ – ١٣٣).
[8] انظر اﻹبهاج شرح المنهاج
لابن السبكي (١ / ٢٩٩ – ٣١١)، التحبير شرح التحرير للمرداوي (١ / ٣٩٤)
[9] انظر المثل السائر لابن
اﻷثير (٢ / ٩٣)، التمهيد للإسنوي (ص: ١٨٦).
[10] أنظر أصول السرخسي (١ /
١٠٣)، ومنتهى الوصول لابن الحاجب (ص: ٢٣)، شرح اللمع للشيرازي (١/ ١٦٩) المسودة
(ص: ٥٦٤).
[11] انظر اﻹحكام لابن حزم (١
/ ٤١٣)، المحصول للرازي (١ / ٤٦٢١)، والتمهيد
لابي الخطاب (٢ / ٢٦٥).
[12] انظر المخول للغزالي (ص:
٧٥)، اﻹحكام للآمدي (١ / ٤٥)، مجموع الفتاوى لشيخ اﻹسلام ابن تيمية (٧/ ٨٨ – ٢٠ /
٤٠٠)، مختصر الصواعق (ص: ٢٣١).
[13] انظر التمهيد لابي الخطاب
(٢ / ٢٦٥)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٣ / ٥٦٩).
[14] انظر اﻹحكام للآمدي (١ /
٤٥).
[15] انظر إرشاد الفحول
للشوكاني (ص: ٢٣).
[16] انظر مجموع الفتاوى لشيخ اﻹسلام ابن تيمية (٧/ ٨٨ – ٢٠ / ٤٠٠)، مختصر
الصواعق (ص: ٢٣١).
[17] المرجع السابق.
[18] المرجع السابق.
[19] المرجع السابق.
[20] انظر إتحاف ذوي البصائر
بشرح روضة الناظر للدكتور عبدالكريم النملة (٢ / ٦٣٧)، تيسير الوصول إلى قواعد اﻷصول
لعبدالله الفوزان (ص: ٨٠).
[21] انظر الصواعق المرسلة لابن
القيم (٢٤١).
[22] انظر الخصائص لابن جني (٢
/ ٤٤٧).
[23] انظر شرح الكوكب المنير
للفتوحي (١ / ١٩١)
[24] انظر مجموع الفتاوى لشيخ
اﻹسلام ابن تيمية (٢٠ / ٤٠٠).
[25] انظر دلائل اﻹعجاز (ص:
٢٨١)
[26] انظر روضة
الناظر وجنة المناظر لابن قدامة (٢ / ٣٣١).
[27] انظر الرسالة للشافعي (ص:
٦٢ ، ٦٣).
[28] انظر البحر المحيط للزركشي
(٢ / ٤٠٠).
[29] انظر التردد بين الحقيقة والمجاز عند الأصوليين وأثره في الفروع الفقهية. لعبد الله فتحي سعد (ص 1309–1400).
[30] المرجع السابق.
تعليقات
إرسال تعليق