بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فيُعدّ
هذا النص وثيقة أدبية وروحية بالغة الأثر، يمازج فيها الفرزدق جلال العبارة والولاء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ترجمة
الشاعر:
هو
همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وينتهي
نسبه إلى تميم.
كان
جده صعصعة عظيم القدر في الجاهلية حيث اشترى ثلاثين موءودة فداهن بالمال لمنعهن من
القتل، وقد افتخر الفرزدق بجده هذا كثيراً. وأبوه غالب كان سيداً في تميم عُرف بشدة
الكرم والعطاء والفضل والجاه.
ولد
الفرزدق بالبصرة في خلافة عثمان بن عفان (وقيل: عمر بن الخطاب).
ولُقب
بالفرزدق لجهومة وجهه وغلظه وآثار الجدري المنطبعة عليه؛ واختلف اللغويون في الكلمة
فقيل: هي الرغيف الساقط في التنور، أو قطعة العجين، أو فتات الخبز، أو الخبزة الغليظة
التي تتخذ منها النساء الفتوت للتسمن، واللفظ معرب من الفارسية.
نشأ
بالبصرة وعاش حياة مجون وفسوق وسكر في شبابه، وكان جافي الطبع طويل اللسان فاحشاً قادراً
على جرح المشاعر، وكان سيئ العشرة لزوجاته (مثل النوار) وعاقاً لأولاده الذين عقوه
بدورهم ورثاهم بجفاء عاطفي. وتاب ذات مرة توبة وهجا إبليس، وذهب للحسن البصري معلناً
توبته، فقال له الحسن البصري: "اسكت فإنك على لسانه تنطق".
توفي
حوالي سنة 110هـ أو 114هـ بالبصرة بسبب داء في الأضلاع مع سعال وحمى، مخلفاً ديواناً
ضخماً.
وعُرف
بجنوحه الواضح لآل البيت بتشيع وجداني ظل ثابتاً في قلبه حتى وفاته.
وشعره
يمثل جزالة اللغة الأموية وديباجتها الفريدة، وقيل فيه بحق: "لولا الفرزدق لضاع
ثلث اللغة"، ووصْف النقاد له بأنه "ينحت من صخر" تمييزًا له عن جرير
الذي "يغرف من بحر"، ودامت حرب الهجاء (النقائض) بينهما أربعين عاماً.
شرح
القصيدة:
البيت
الأول:
هذَا
الَّذِي تَعْرِفُ البَطْحَاءُ وَطَّأَتَهُ... والْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلَّ وَالْحَرَمُ
البطحاء هي الأرض المنبسطة مكة، والوطأة موضع القدم
(والمراد بها هنا السطوة والهيبة)، والبيت هو الكعبة، والحل ما جاوز الحرم، والحرم
مكة وما حولها.
الشرح:
هذا الإمام هو الرجل المشهور الذي لا يجهله أحد، بل تعرفه الدنيا قاطبة وتعرف موضع
قدمه الأماكن المقدسة تعظيماً ومهابة.
البيت
الثاني:
هَذَا
ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللهِ كُلِّهِمُ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ
العلم
هو كبير القوم وسيدهم.
الشرح:
هذا الإمام سليل خير البرية جمعاء، فهو أفضل أهل زمانه تقوى ونقاءً وطهارة وسيادة،
وليس ذلك لعلاقة النسب والدم فقط بل لصفاته الذاتية.
البيت
الثالث:
هَذَا
ابْنُ فَاطِمَةٍ ، إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ... بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا
فاطمة
هي الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشرح:
يوبخ الشاعر هشاماً على تجاهله المصطنع للإمام، مؤكداً نسبه الشريف بكونه ابن بنت محمد
خاتم النبيين.
البيت
الرابع:
وَلَيْسَ
قَوْلُكَ : مَنْ هَذَا ؟ بِضَائِرِهِ... العُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ
ضائره
أي مضر به ومقلل من شأنه.
الشرح:
إن تجاهلك وإنكارك للإمام لا يضر بمنزلته السامقة؛ فالأمة قاطبة بعربها وعجمها تعرف
قدره العظيم.
البيت
الخامس:
كِلْتَا
يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا... يُسْتَوْكَفَانِ ، وَلَا يَعْرُوهُمَا عَدَمُ
غياث
هو الغوث والمطر المنقذ، ويستوكفان أي يستمطران ويطلب عطاؤهما، ويعروهما أي يحل بهما،
والعدم هو الفقر.
الشرح:
يدا الإمام غياث يعم خيرهما الخلق، ويستمطر الناس جودهما بصفة أصيلة ومستمرة دون توقف
أو فقر.
البيت
السادس:
سَهْلُ
الْخَلِيقَةِ ، لَا تُخْشَى بَوَادِرُهُ... يَزِينُهُ اثْنَانِ: حُسْنُ الْخَلْقِ وَالشَّيَمُ
الخليقة
هي الطبع، وسهل الخليقة أي لين لطيف، والبوادر هي الغضب والحدة، والشيم هي الأخلاق
الفاضلة.
الشرح: هو حليم مأمون الجانب لا يخشى أحد غضبه، يجمع بين بهاء الطلعة وجمال الأخلاق الراسخة التي لا تتبدل بالظروف.
البيت
السابع:
حَمَّالُ
أَثْقَالِ أَقوامٍ، إِذَا افْتُدِحُوا... حُلْمُ الشَّمَائِلِ، تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ
افتدحوا
أي أثقلوا بالمصائب والديات، والشمائل هي الطباع والخصال، ونعم تعني الاستجابة للسائل.
الشرح:
هو رجل مروءة يحمل عن الناس أثقالهم ومصائبهم، ويستلذ بالبذل وقول "نعم"
كما يستلذ الآكل بالطعام الشهي.
البيت
الثامن:
مَا
قَالَ : لَا قُطُّ ، إِلَّا فِي تَشَهُدِهِ... لَوْلَا التَّشَهُدُ كَانَتْ لَأَؤُهُ
نَعَمُ
التشهد
هو قول "أشهد أن لا إله إلا الله".
الشرح:
إن زين العابدين لا ينطق بكلمة المنع "لا" أبدًا في تعامله مع الخلق، والمرة
الوحيدة التي يقول فيها "لا" هي في كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"
لنفي الشريك عن الباري جل وعلا.
البيت
التاسع:
عَمَّ
الْبَرِيَّةَ بِالْإِحْسَانِ ، فَانقَشَعَتْ... عَنْهَا الْغَيَاهِبُ والإِمْلَاقُ
وَالْعَدَمُ
البرية
هي الخلق، وانقشعت أي زالت، والغياهب هي الظلمات، والإملاق هو الفقر المدقع.
الشرح:
شمل إحسانه الخلق جميعاً، وببركته وجوده انجلت ظلمات الجهل والفقر والعدم عن الأمة.
البيت
العاشر:
إِذَا
رَأَتْهُ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهَا... إلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ
الشرح:
يعترف أشراف قريش بأنه منتهى الفضل والكرم، وهو تعريض واضح بكرام بني أمية وتفضيل صريح
للإمام عليهم في شؤون الخلافة والإمامة.
البيت
الحادي عشر:
يُغْضِي
حَيَاءً، وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ... فَمَا يُكَلِّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
يغضي
أي يخفض طرفه حياءً.
الشرح:
يغض الإمام طرفه حياءً من ربه وخالقه عز وجل لانشغاله بعبادته في حواسه وضميره، ويغض
الناس أطرافهم هيبة وإجلالاً له، فلا يخاطبه أحد حتى يبتسم تلطفاً وإيناساً بهم.
البيت
الثاني عشر:
بِكَفِّهِ
خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ... من كف أَرْوَعَ ، فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ
العبق
الفواح بالطبيب، والأروع الجميل الشجاع، والعرنين هو الأنف، والشمم ارتفاع الأرنبة
وهو كناية عن العزة والإباء.
الشرح:
تكتسب عصا الخيزران من يده ريحاً طيبة، وهو الإمام الشجاع ذو المجد والأنف الأشم.
البيت
الثالث عشر:
يَكَادُ
يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ... رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ
الراحة
هي الكف، والحطيم هو جدار الكعبة أو الحجر الأسود، ويستلم أي يلمس للتبرك.
الشرح: يكاد الحجر الأسود في ركن الكعبة يتعلق بكف الإمام ليتبرك بها عند استلامه إياها لعلو منزلته وقدسيته عند الله تعالى.
البيت
الرابع عشر:
الله
شَرَّفَهُ قِدْمًا ، وَعَظَمَهُ... جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَمُ
اللوح
هو كتاب القضاء والقدر المحفوظ، والقلم هو قلم القدرة الإلهية.
الشرح:
إن شرف الإمام وتعظيمه مكتوبان ومقدران منذ الأزل في علم الله وقدره.
الأبيات
من الخامس عشر إلى الثامن عشر:
أَيُّ
الْخَلائِقِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهِمُ... لأوَّلِيَّةِ هَذَا ، أَوْ لَهُ نِعَمُ؟
مَنْ
يَشْكُرِ اللَّهُ يَشْكُرْ أَوْلِيَّةَ ذَا... فَالدِّينُ مِنَ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ
الْأُمَمُ
يُنْمَى
إِلَى ذُرْوَةِ الدِّينِ الَّتِي قَصُرَتْ... عَنْهَا الأَكُفُ ، وَعَنْ إِدْرَاكِهَا
الْقَدَمُ
مَنْ
جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ... وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهُ الْأُمَمُ
أوليته
أي جده الرسول، ودان أي خضع وانقاد.
الشرح:
يتناول الشاعر فيها حق آل البيت؛ فلهم في رقاب الخلائق نعم طائلة لكونهم سبب نشر الدين
وعقيدة التوحيد، وشكر الله لا يتم إلا بالإقرار بفضلهم الروحي السابق الذي قصرت عن
إدراكه الأيدي والأقدام، مستندين لشجرة جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي خضعت
له الأمم والأنبياء.
البيت
التاسع عشر:
مُشْتَقَّةٌ
مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ... طَابَتْ مَغَارِسُهُ وَالْخِيمُ والشَّيَمُ
النبعة
شجرة عظيمة صلبة تصنع منها القسى، والخيم هي السجية والطبيعة.
الشرح: أصل الإمام مشتق من شجرة النبوة، فورث سجايا الرسول وطابت مغارسه وأخلاقه.
البيت
العشرون:
يَنْشَقُّ
ثَوْبُ الدُّجَى عَنْ نُورِ غُرَّتِهِ... كَالشَّمْسِ تَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِهَا
الظُّلَمُ
الغرّة
هي الوجه، وتنجاب أي تنكشف وتزول.
الشرح:
وجه الإمام مصدر للهداية والنور تتبدد به ظلمات الشرك والجهل كالشمس المشرقة.
الأبيات
من الحادي والعشرين إلى السابع والعشرين:
مِن
مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ ، وَبُغْضُهُمُ... كُفْرٌ ، وَقُرْبُهُمْ مَنْجِي وَمُعْتَصَمٌ
مُقَدَّمٌ
بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهُ ذِكْرُهُمُ... فِي كِلِ بَدْءٍ ، وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ
إِنْ
عُدَّ أَهْلُ التَّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ... أَوْ قِيلَ: مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ؟
قِيلَ: همُ
لا
يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بَعْدَ جُودِهِمُ... وَلَا يُدَانِيهِمْ قَوْمٌ ، وَإِنْ كَرُمُوا
هُمُ
الْغُيُوثُ ، إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ... وَالْأَسْدُ أُسْدُ الشَّرَى ، وَالبَأْسُ
مُحْتَدِمُ
لا
يُنْقِصُ الْعُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكْفِهِمُ... سِيَّانِ ذَلِكَ : إِن أَثَرَوْا وَإِنْ
عَدِمُوا
يُسْتَدْفَعُ
الشَّرُّ وَالْبَلْوَى بِحُبِّهِمُ... وَيُسْتَرَبُّ بِهِ الإِحْسَانُ والنَّعَمُ
معشر
(قوم)، معتصم (ملجأ)، الغيوث (الأمطار)، الأزمة (الشدة)، أزمت (اشتدت)، الشرى (مأسدة
الفرات)، البأس (الحرب).
الشرح:
يختتم الفرزدق قصيدته بتقرير حق أهل البيت الديني والشرعي؛ فحبهم دين وبغضهم كفر وقربهم
منجى ومعتصم من العذاب. ويقترن ذكرهم بالصلاة والسلام بعد ذكر الله في أول كل كلام
وآخره. وهم الغيوث المنقذة في السلم، والأسود الكاسرة في الحرب. ولا ينقص العسر بسط
كرمهم المتأصل. وبحبهم يدفع الله الشرور والبلاد ويستزاد الإحسان والنعم.
التجربة:
نابعة
من موقف حسي حقيقي في الحرم المكي الشريف؛ إذ حج هشام بن عبد الملك وعجز عن استلام
الحجر الأسود لشدة الزحام فنصب له كرسي يجلس عليه، وأقبل الإمام علي بن الحسين زين
العابدين يطوف، فانفرج له الناس هيبة وإجلالاً حتى استلم الحجر بيسر. وسأل رجل شامي
هشاماً: "من هذا؟" فأنكر هشام معرفته تجنياً وسياسة وخوفاً من ميل الشاميين
إليه، فاندفع الفرزدق وارتجل هذه القصيدة الصادقة معرفاً بالإمام ومقرراً فضائل آل
البيت وحقوقهم الشرعية.
بناء
القصيدة:
بدأ
الشاعر قصيدته بدءاً مباشراً دون مقدمات طللية تلبيةً لسرعة الموقف وتوقيراً له.
وجاءت
القصيدة في "بحر البسيط التام"، على قافية واحدة هي "الميم المضمومة"
(روي مطلق).
وتحققت
فيها الوحدة العضوية والترتيب الفكري والترابط العاطفي الجارف الموحد بالحب والولاء.
اللغة:
- جاءت واضحة سهلة على غير عادة الفرزدق في
الغريب.
- ووظف الشاعر أسماء الإشارة بكثافة "هذا"
للتعظيم والتنبيه، والإيحاءات الدلالية المشرقة كـ "ابن فاطمة"، ونسبة الكرم
لـ "كلتا يديه غياث"، وصيغة المبالغة "حمال أثقال أقوام" لبيان
كثرة تحمله أعباء الناس.
- كما يشير قوله "يغضي حياء" إلى خلوص النية والحياء من الله تعالى.
الأسلوب:
١
- غلب عليه الأسلوب الخبري التقريري لتقرير الفضائل.
٢
- وظف الشاعر الحذف البلاغي؛ فحذف المسند إليه في مواضع الصفات المتعددة للتركيز عليها
(سهل الخليقة، حمال أثقال، من معشر)، وحذف المتعلق في "يغضي حياء" (أي من
الله)، وحذف المفعول به في "لا يستطيع جواد" لإطلاق الخيال.
٣
- وظف أسلوب التقابل الطبيعي غير المتكلف لتوكيد المعاني (العرب والعجم، لا ونعم، الدجى
والشرق، حبهم دين وبغضهم كفر، أثروا وعدموا).
٤
- استخدم أسلوب التقديم والتأخير للتوكيد والتخصيص (مثل تقديم الجار والمجرور والظرف
والخبر على الفاعل والمبتدأ في مواضع شتى مثل "فانقشعت عنها الغياهب" و"إلى
مكارم هذا ينتهي الكرم").
٥
- استعمل الإطناب والاعتراض البلاغي.
الصورة
الشعرية:
وظف
الصورة التشخيصية (منح الحياة والإدراك لغير العاقل: تعرف البطحاء، البيت يعرفه، يمسكه
ركن الحطيم).
ووظف
الصورة التجسيدية في تجسيد المعاني المجردة وتذوق الكلام عبر تراسل الحواس (حلو الشمائل،
تحلو عنده نعم، وتجسيد الحب بجرام مادي يدفع الشر).
واعتمد
الصور التشبيهية (تشبيه اليدين بالمطر الغياث، وتشبيه وجه الإمام بالشمس التي تنجاب
عنها الظلمات عبر تشبيهين بليغين مضافين "ثوب الدجى" و"نور غرته").
كما
استخدم الاستعارة التصريحية (شبه أصول الإمام بالنبعة الشجرة الصلبة ورشحها بـ
"طابت مغارسه").
تعليقات
إرسال تعليق