بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
تُمثّل
هذه القصيدة نموذجًا فريدًا لبعث القصيدة الكلاسيكية متانةً وتراكيب في العصر الحديث،
مستلهمة تجربة الاغتراب والنفي المريرة التي عاناها رب السيف والقلم محمود سامي البارودي.
ترجمة
الشاعر:
ولد
محمود سامي البارودي سنة 1255هـ في أسرة جركسية ذات جاه ونسب ينتمي لحكام مصر المماليك.
توفي والده وهو في السابعة من عمره، فدخل المدرسة الحربية وتخرج فيها سنة 1854م. عكف
على قراءة التراث والأدب العربي، وعمل بوزارة الخارجية في الآستانة، وعين بسلاح الفرسان،
واشترك في فرقة مصرية لمساعدة تركيا في جزيرة كريت (1866م) وحرب البلقان (1878م)، ورُقي
لرتبة اللواء. تقلد مناصب سياسية رفيعة كوزير للأوقاف ثم الحربية ثم رئيسًا للوزراء.
انضم
للثورة العرابية وكان أحد أبطالها، وعقب إخفاقها نُفي لجزيرة سرنديب لمدة سبعة عشر
عاماً وبضعة أشهر (1882 - 1900م). توفي سنة 1904م مخلفاً ديواناً ومختارات شعرية طُبعت
بعد وفاته.
تكمن ريادته وميزته التاريخية في وثبته بالعبارة الشعرية وثبة واحدة من الضعف والركاكة في عصر الانحطاط إلى الصحة والمتانة الكلاسيكية، وصار بحق رائد مدرسة البعث والإحياء والقمة الشاهقة في مسيرة الأدب المصري والعربي الحديث.
شرح
القصيدة:
البيت
الأول:
لِكُلِّ
دَمْعٍ جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ سَبَبُ... وَكَيْفَ يَمْلِكُ دَمْـعَ الْعَيْنِ مُكْتَنِبُ
جرى
(سال)، ومقلة (حدقة العين)، مكتئب (حزين منكسر).
الشرح:
يبدأ ببداية منطقية يبرر بها حزنه رداً على عذاله؛ فالدموع لا تسيل عبثاً بل لأسباب
قاهرة أقواها الاكتئاب والحزن الذي يعجز صاحبه عن كبحه.
البيت
الثاني:
لَوْلا
مُكَابَدَةُ الْأَشْوَاقِ مَا دَمَعَتْ... عَيْنٌ وَلَا بَاتَ قَلْبٌ فِي الْحَشَا
يَجِبُ
مكابدة
(مقاساة)، الحشا (ما حواه مجوف الأمعاء)، يجب (يضطرب).
الشرح:
يبين أن سبب الاكتئاب هو معاناة أشواق الحب والوطن، فلولاهما ما بكت العيون ولا خفقت
القلوب اضطراباً في الصدور.
البيت
الثالث:
فَيَا
أَخَا الْعَذْلِ لَا تَعْجَلْ بِلائِمَةٍ... عَلَيَّ؛ فَالْحُبُّ سُلْطَانٌ لَهُ الغَلَبُ
العذل
(اللوم)، لائمة (ملامة)، سلطان (قوة وقهر)، الغلب (الفوز).
الشرح:
يرجو من عاذله التريث وعدم اللوم، فهو يستحق الإشفاق لوقوعه تحت سلطان الحب القاهر.
البيت
الرابع:
لَوْ
كَانَ لِلْمَرْءِ عَقْلٌ يَسْتَضِيءُ بِهِ... فِي ظُلْمَةِ الشَّكِ لَم تَعْلَقَ بِهِ
النُّوَبُ
يستضيء
(يستنير)، النوب (المصائب).
الشرح:
يبرر هزيمته بقوة الدهر وخلو كفيه من أسلحة المواجهة، فالبشر لا يملكون عقلاً كافياً
يهديهم في ظلمات الشك والحيرة.
البيت
الخامس:
وَلَوْ
تَبَيَّنَ ما في الْغَيْبِ مِنْ حَدَثٍ... لَكَانَ يَعْلَمُ ما يَأْتِي، وَيَجْتَنِبُ
يأتي
(يفعل)، ويجتنب (يترك).
الشرح:
لا يملك الإنسان علم الغيب ليتجنب ما يضره ويقبل على ما ينفعه، مما يجعله عاجزاً أمام
تصاريف القدر.
البيت
السادس:
لَكِنَّهُ
غَرَضٌ لِلدَّهْرِ يَرْشُقُهُ... بِأَسْهُم مَا لَها رِيشٌ، وَلَا عَقَبُ
الغرض
(الهدف)، يرشقه (يرميه)، ريش (ما يلصق بالسهم لتسديده)، العقب (العصب المحيط بالأوتار
لتثبيتها).
الشرح:
الإنسان هدف وسهم (غرض) يرميه الدهر بسهام مصائبه العشوائية الخالية من الريش والعقب
التي توجهها، مما يجعل الهزيمة محتومة وتجنبها مستحيلاً.
البيت
السابع:
فَكَيْفُ
أَكْتُمُ أَشْوَاقِي وَبِي كَلَفٌ... تَكَادُ مِنْ مَتِهِ الْأَحْشَاءُ تَنْشَعِبُ؟
الكلف
(الولع والتعلق)، تنشعب (تنشق وتتمزق وتفترق).
الشرح: يتعجب كيف يُطلب منه كتمان لواعجه ونيران جوى حبه تكاد تمزق أحشاءه الداخلية وتفتتها من شدة الهيام والوجد.
البيت
الثامن:
أَمْ
كَيْفَ أَسْلُو وَلِي قَلْبٌ إِذَا الْتَهَبَتْ... بِالْأُفُقِ لَمْعَةُ بَرْقٍ كَادَ
يَلْتَهِبُ؟
أسلو
(أنسى).
الشرح:
يتعجب كيف يُطلب منه النسيان والسلو وقراره القلبي يكاد يشتعل لهيباً لمرأى وميض البرق
اللامع في أفق السماء جهة الوطن.
البيت
التاسع:
أَصْبَحْتُ
فِي الْحُبِّ مَطْوِيًّا عَلَى حُرَقٍ... يَكَادُ أَيْسَرُهَا بِالرُّوحِ يَنْتَشِبُ
الحرق
(الاحتراق)، ينتشب (يعلق ويقضي على الروح).
الشرح:
صار الشاعر يطوي حناياه على نيران وجدانية ملتهبة، لو أن أهونها مس روحه لقضى نحبه
واقتلع حياته.
البيت
العاشر:
إِذَا
تَنَفَّسْتُ فَاضَتْ زَفْرَتِي شَرَرًا... كَمَا اسْتَنَارَ وَرَاءَ الْقَدْحَةِ اللَّهَبُ
الزفرة
(التنفس الممدود الناتج عن الهم)، الشرر (ما يتطاير من النار)، القدحة (ضرب الزند لإيقاد
النار).
الشرح:
إذا تنفس تخرج زفراته حارة ملتهبة كشرر يتطاير فيضيء الظلمة كما يضيء لهب ضرب الزند.
البيت
الحادي عشر:
لَمْ
يَبْقَ لِي غَيْرَ نَفْسِي مَا أَجُودُ بِهِ... وَقَدْ فَعَلْتُ فَهَلْ مِنْ رَحْمَةٍ
تَجِبُ؟
الشرح:
لقد جاد بكل ما يملك في الحياة من منصب وجاه ومال ونعيم فداءً لوطنه ولم يبقَ سوى روحه
ونفسه وقد جاد بها في معترك الدفاع، ويرجو أن تشمله رحمة الله لتخفيف وطأة المحنة.
البيت
الثاني عشر:
كَأَنَّ
قَلْبِي إِذَا هَاجَ الْغَرَامُ بِهِ... بَيْنَ الْحَشَا طَائِرٌ فِي الْفَخِّ يَضْطَرِبُ
هاج
الغرام (اشتد)، الحشا (مجوف الأمعاء)، الفخ (مصيدة الطيور).
الشرح:
يشبه حال قلبه عند اشتداد الشوق بطائر سقط في حبائل المصيدة فهو يخفق ويضطرب دون جدوى.
البيت
الثالث عشر:
لا
يَتْرُكُ الْحُبُّ قَلْبِي مِنْ لَواعِجِهِ... كَأَنَّمَا بَيْنَ قَلْبِي وَالْهَوَى
نَسَبُ
اللواعج
(حرق الشوق)، الهوى (العشق)، النسب (القرابة).
الشرح:
لا تفارق لواعج الجوى فؤاده أبدًا، كأن هناك صلة قرابة ونسباً متأصلاً بين قلبه وبين
الهوى.
البيت
الرابع عشر:
فَلا
تَلُمْنِي عَلَى دَمْعِ تَحَدَّرَ في... سَفْحِ الْعَقِيقِ فَلِي فِي سَفْحِهِ أَرَبُ
تحدر
(سال)، العقيق (اسم وادٍ ارتبط بذاكرة المحبين)، سفح العقيق (عرضه وناحيته)، الأرب
(الحاجة).
الشرح:
يرجو الشاعر عاذله ألا يلومه على انصباب دموعه جهة وادي العقيق؛ لأن له هناك مآرب وحاجات
وجدانية.
البيت
الخامس عشر:
مَنَازِلٌ
كُلَّمَا لَاحَتْ مَخَايِلُهَا... فِي صَفْحَةِ الْفِكْرِ مِنِّي هَاجَنِي طَرَبُ
منازل
(ديار الوطن في مصر)، مخايلها (صورها)، الطرب (خفة تصيب لشدة فرح أو حزن).
الشرح:
صور ديار الوطن ومصر الحبيبة كلما مرت بمخيلته وفكره اهتزت روحه شوقاً وحزناً وطربت
فرحاً بذكراها.
البيت
السادس عشر:
لي
عِنْدَ سَاكِنِهَا عَهْدٌ شَقِيتُ بِهِ... وَالْعَهْدُ ما لَم يَصُنَّهُ الْوُدُّ مُنْقَضِبُ
العهد
(الميثاق والوفاء)، منقضب (منقطع).
الشرح:
يربطه بسكان تلك الديار ميثاق حب عظيم شقي وتحمل بسببه آلام النفي، ولكنه ينقطع إذا
لم يصنه الود المتبادل.
البيت
السابع عشر:
وَعادَ
ظَنِّي عَلِيلاً بَعْدَ صِحَّتِهِ... وَالظَّنَّ يَبْعُدُ أَحْيَانًا وَيَقْتَرِبُ
الشرح:
كان يرجو من رفاقه وأهل بلده نصرته ومؤازرته بظن قوي صحيح، ولكن تخاذلهم جعل ظنه يمرض
ويضعف، فالظنون قد تصح تارة وتخيب تارة أخرى.
البيت
الثامن عشر:
فَيَا
سَرَاةَ الْحِمَى مَا بَالُ نُصْرَتِكُمْ... ضَاقَتْ عَلَيَّ وَأَنتُمْ سَادَةٌ نُجُبُ؟
السراة
(الشرفاء)، الحمى (الوطن المحمي)، نجب (الكرماء الأفاضل).
الشرح:
يتعجب الشاعر مستنكراً تخلي شرفاء الوطن وسادته الأفاضل عن نصرته ومؤازرته في أوقات
الشدة الضيقة.
البيت
التاسع عشر:
أضَعْتُمُونِي
وَكَانَتْ لِي بِكُمْ ثِقَةٌ... مَتَى خَفَرْتُمْ ذِمَامَ الْعَهْدِ يَا عَرَبُ؟
خفرتم
(نقضتم)، الذمام (الحرمة والعهد).
الشرح:
يتحسر بمرارة على تضييعهم له على الرغم من ثقته المطلقة بهم، مستفهماً بإنكار: متى
عُرف عن شرفاء العرب نقض العهود والحرمات؟
البيت
العشرون:
أَلَيْسَ
فِي الحَقِّ أَنْ يَلْقَى النَّزِيلُ بِكُمْ... أَمْنًا إِذا خَافَ أَنْ يَنْتَابَهُ
الْعَطَبُ؟
النزيل
(الضيف)، ينتابه (يصيبه)، العطب (الهلاك).
الشرح:
أليس من شيم العرب وحقوق المروءة توفير الأمن للنزيل واللاجئ إذا داهمه خطر الهلاك؟
البيت
الحادي والعشرون:
فَكَيْفَ
تَسْلُبْنِي قَلْبِي بِلا تِرَةٍ... فَتَاةُ خِدْرٍ لَهَا فِي الْحَيِّ مُنْتَسَبُ؟
تسلبني
قلبي (تستولي عليه)، ترة (ثأر)، فتاة خدر (مصر المصونة)، منتسب (النسب والقرابة).
الشرح:
يتعجب كيف تستهوي لبه وتأسر قلبه دون ثأر أو عداء تلك الفتاة المصونة (مصر).
البيت
الثاني والعشرون:
مَرَّتْ
عَلَيْنَا تَهَادَى فِي صَوَاحِبِهَا... كَالْبَدْرِ فِي هَالَةٍ حَفَّتْ بِهِ الشُّهْبُ
تهادى
(تتمايل)، الهالة (الدارة حول القمر)، الشهب (الكواكب المضيئة).
الشرح:
يذكر مشهد مرورها بين صواحبها متمايلة كالبدر الذي تحيط به الشهب والكواكب المضيئة
في وسطه.
البيت
الثالث والعشرون:
تَهْتَزُّ
مِنْ فَرْعِهَا الْفَيْنَانِ في سَرَقٍ... كَسَمْهَرِي لَهُ مِنْ سَوْسَنِ عَذَبُ
فرعها
(شعرها الطويل)، الفينان (الحسن الطويل)، سرق (الحرير الأبيض)، سمهري (الرمح المعتدل)،
سوسن (نبات مشموم)، عذب (طرف الغصن).
الشرح:
تهتز بقوامها المعتدل وشعرها الطويل الناعم كالحرير كاهتزاز رمح معتدل ثبتت بطرفه زهور
السوسن.
البيت
الرابع والعشرون:
كَأَنَّ
غُرَّتَهَا مِنْ تَحْتِ طُرَّتِها... فَجْرٌ بِجَانِحَةِ الظُّلْمَاءِ مُنْتَقِبُ
الغرة
(الجبهة المشرقة)، الطرة (شعر مقدم الرأس)، جانحة (إدبار الليل)، منتقب (مغطى بالنقاب).
الشرح:
يشبه إشراق جبهتها البيضاء من تحت خصلات شعرها الفاحم بالفجر الذي ينبثق متلثماً بنقابه
من بين حنايا الليل المظلم.
البيت
الخامس والعشرون:
كَانَتْ
لَنَا آيَةً فِي الْحُسْنِ فَاحْتَجَبَتْ... عَنَّا بِلَيْلِ النَّوَى وَالْبَدْرُ
يَحْتَجِبُ
النوى
(البعد).
الشرح:
يتحسر البارودي على احتجاب محبوبته (مصر) بليل النوى والبعد الطويل، واحتجاب البدر
أمر طبيعي حقيقي.
البيت
السادس والعشرون:
فَهَلْ
إِلَى نَظْرَةٍ يَحْيَا بِهَا رَمَقٌ... ذَرِيعَةٌ تَبْتَغِيهَا النَّفْسُ أَو سَبَبُ؟
الرمق
(بقية الروح)، ذريعة (الوسيلة).
الشرح:
يتمنى الشاعر نظرة واحدة تبقي في جسده رمق الحياة الأخير.
البيت
السابع والعشرون:
أَبِيتُ
في غُرْبَةٍ لا النَّفْسُ رَاضِيَةً... بِها وَلا الـمُلْتَقَى مِنْ شِيعَتِي كَتَبُ
الملتقى
(وقت اللقاء)، شيعتي (أتباعي)، كتب (قرب).
الشرح:
يعاني وحشة الغربة في ليل سرنديب الدائم المظلم، فلا صديق يسعد برؤيته، ولا رفيق يحزن
ويأسى (يكتئب) لحاله.
البيت
الثامن والعشرون:
فَلا
رَفِيقٌ تَسُرُّ النَّفْسَ طَلْعَتُهُ... وَلا صَدِيقٌ يَرَى ما بِي فَيَكْتَنِبُ
الشرح:
يعاني من منغصات الغربة بفقد الأنيس والمحب الذي يشاطره لوعته وحزنه ويأسى لحاله.
البيت
التاسع والعشرون:
وَمِنْ
عَجَائِبِ مَا لَاقَيْتُ مِنْ زَمَنِي... أَنِّي مُنِيتُ بِخَطْبٍ أَمْرُهُ عَجَبُ
منيت
(بليت)، الخطب (الأمر الشديد).
الشرح:
يستغرب من وقوع هذا الخطب الفظيع المتمثل بنفيه دون ارتكابه لأي زلة أو خطيئة توجب
العقاب وسلب الأموال والتشريد.
البيت
الثلاثون:
لَم
أَقْتَرِفْ زَلَّةً تَقْضِي عَلَيَّ بِمَا... أَصْبَحْتُ فِيهِ فَمَاذَا الْوَيْلُ
وَالْحَرَبُ؟
أقترف
(أرتكب)، زلة (الخطأ)، الويل (العذاب)، الحرب (السلب).
الشرح:
لم يرتكب الشاعر أي ذنب يبرر ما نزل به من عذاب النفي وسلب المال والوطن.
البيت
الحادي والثلاثون:
فَهَلْ
دِفَاعِيَ عَنْ دِينِي وَعَنْ وَطَنِي... ذَنْبٌ أُدَانُ بِهِ ظُلْمًا وَأَغْتَرِبُ؟
أدان
(أعاقب).
الشرح:
يتساءل بإنكار: هل يعتبر الذود عن الدين والوطن ذنباً وجرماً يعاقب عليه الإنسان بالنفي
القسري؟
البيت
الثاني والثلاثون:
فَلا
يَظُنَّ بِيَ الْحُسَّادُ مَنْدَمَةً... فَإِنَّنِي صَابِرٌ فِي اللهِ مُحْتَسِبُ
مندمة
(الندم والأسف)، محتسب (يدخر الأجر عند الله).
الشرح:
يوجه خطابه للحساد بأنه صابر محتسب أجره عند الله وحده، وغير نادم على مواقفه الشريفة.
البيت
الثالث والثلاثون:
أَثْرَيْتُ
مَجْدًا فَلَمْ أَعْبَأَ بِمَا سَلَبَتْ... أَيْدِي الْحَوادِثِ مِنِّي فَهُوَ مُكْتَسَبُ
أثريت
(استغنيت)، مكتسب (العارض الذي يزول ويأتي).
الشرح:
يفاخر بمجده العظيم الذي حققه، وهو يغنيه عن المال الذي سلبته الحوادث؛ فالمال عارض
زائل والمجد باقٍ.
البيت
الرابع والثلاثون:
لا
يَخْفِضُ الْبُؤْسُ نَفْسًا وَهْيَ عَالِيَةٌ... وَلا يُشِيدُ بِذِكْرِ الْخَامِلِ
النَّشَبُ
يخفض
(يضع)، البؤس (الفقر)، يشيد (يرفع)، الخامِل (الضعيف الساقط)، النشب (المال والعقار).
الشرح:
يعرض بخصومه مبيناً أن الفقر لا يحط من عزة النفس العالية، والمال لا يرفع خامل الذكر
الساقط الحقير.
البيت
الخامس والثلاثون:
إِنِّي
امْرُؤٌ لَا يَرُدُّ الخَوْفُ بِادِرَتِي... وَلا يَحِيفُ عَلَى أَخْلاقِيَ الْغَضَبُ
البادرة
(حدة الغضب)، يحيف (يجور).
الشرح:
هو امرؤ لا يعرف الجبن قلبه وقت الشدة، ولا يجور الغضب على أخلاقه الرصينة فيخرجه عن
وقاره وحلمه.
البيت
السادس والثلاثون:
مَلَكْتُ
حِلْمِي فَلَمْ أَنْطِقَ بِمُنْدِيَةٍ... وَصُنْتُ عِرْضِي فَلَم تَعْلَقُ بِهِ الرِّيبُ
الحلم
(العقل وضبط النفس)، المندية (الكلمة المخزية)، الريب (التهم والشكوك).
الشرح:
يفاخر بعفته وضبط لسانه ونزاهته وصونه لعرضه عن الشبهات والظنون.
البيت
السابع والثلاثون:
ومَا
أُبَالِي ونَفْسِي غَيْرُ خَاطِئَةٍ... إِذا تَخَرَّصَ أَقوامٌ وَإِنْ كَذَّبُوا
تخرص
(افترى واختلق الأكاذيب).
الشرح:
لا يبالي ولا يكترث بافتراءات الكاذبين وحقدهم ما دام واثقاً من طهارة نفسه وسلامة
موقفه.
البيت
الثامن والثلاثون:
ها
إِنَّهَا فِرْيَةٌ قَدْ كانَ باءَ بِها... في ثَوْبِ يُوسَفَ مِنْ قَبْلِي دَمْ كَذِبُ
فرية
(تهمة كاذبة)، باء (رجع بالوزر).
الشرح:
تهمة خيانته فرية ملفقة تشبه التهمة التي لفقها إخوة يوسف عليه السلام حين جاءوا على
قميصه بدم كذب، وكما كشف الله الغمة عن يوسف ومكنه، فإن الشاعر يتفاءل بتبدل حاله.
البيت
التاسع والعشرون:
فَإِنْ
يَكُنْ سَاءَنِي دَهْرِي وغَادَرَنِي... في غُرْبَةٍ لَيْسَ لِي فِيها أَخٌ حَدِبُ
غادرني
(تركني)، حدب (عطوف).
الشرح:
إن يكن الدهر قد أساء بنفيه وحرمانه من الأهل والأصدقاء في بلاد المنفى...
البيت
الأربعون:
فَسَوْفَ
تَصْفُو اللَّيَالِي بَعْدَ كُدِّرَتِها... وَكُلُّ دَوْرٍ إِذَا مَا تَمَّ يَنْقَلِبُ
الكدرة
(القتامة)، دور (الأمر والحدث)، ينقلب (يرجع).
الشرح:
فإن الشاعر واثق بأن الليالي ستصفو بعد كدرتها، وأن دوام الحال من المحال، وكل دورة
زمنية إذا تمت فلابد لها من الانقلاب والرجوع للبداية السعيدة والفرج.
التجربة:
تجربة
ذاتية حقيقية نابعة من وجدان الشاعر الوطني الكبير محمود سامي البارودي عقب إخفاق ثورة
عُرابي (1882م) ونفيه إلى جزيرة سرنديب.
وعبر
فيها بصدق عن معاناته الذاتية وأشواقه لمصر، وهي تحمل ملامح الشعر الوطني السياسي الساخط
على الاستعمار، وتظهر فيها عزة النفس والجلد والتعالي على المحنة والتفاؤل بالفرج والعودة.
بناء
القصيدة:
اعتمد
البارودي قالبًا تقليديًا يفتتح فيه قصيدته بالنسيب العاطفي الذي يماثل البدء التقليدي
عند القدماء، ولكنه وظف هذا النسيب للتعبير عن حبه لمصر وشوقه إليها وحسرته لحرمانه
منها.
وتعددت
الموضوعات في القصيدة بين النسيب، الحكمة، الفخر، والشكوى الاغترابية.
وجاءت
القصيدة في " بحر البسيط التام "، على قافية "الباء المضمومة"
(روي مطلق ممدود).
وتفتقد القصيدة للوحدة العضوية الصارمة لتعدد موضوعاتها، ولكن يربطها خيط عاطفي شعوري موحد وهو الحنين والتجلد.
اللغة:
- تميزت بقوتها ومتانتها الكلاسيكية واستعمال
الألفاظ التراثية الرصينة (الحشا، سمهري، سوسن، عذب...).
- واستخدم ألفاظاً إيحائية دالة (جرى، مكتئب)
وتنكير الأسماء لإفادة العموم والشيوع والشمول.
- ونُقد الشاعر في استعمال لفظ "الحشا"
(الأمعاء) في البيت الثاني والبيت الثاني عشر؛ لأن دقات القلب مكانها الصدر وليس الحشا.
- ووظف معاني الشرط بـ "لو" و"لولا"
لبيان امتناع الخلاص من النوب والحسرة.
الأسلوب:
جمع
بين الأسلوب الخبري التقريري والإنشائي الطلبي وغير الطلبي لإبراز قلقه النفسي واضطرابه
في المنفى.
وتنوعت
دلالات الاستفهام والنهي والنداء (مثل النفي والتعجب والإنكار والتمني والتقرير واللوم
والاستنكار).
واستعمل
التقابل لتوكيد المعاني (مثل: تصفو وكدرتها، أثريت وسلبت، يخفض ويشيد، البؤس والنشب...).
كما
وظف أسلوب التقديم والتأخير للاهتمام والتخصيص والتوكيد.
ونُقد
الشاعر في البيت الثامن عشر لوقوع ضعف التأليف (ثقل التركيب) بسبب الفصل الطويل بالجار
والمجرور والظرف بين الفعل "باء" وفاعله "دم كذب".
الصورة
الشعرية:
وظف
التشبيهات المبتكرة والتقليدية (تشبيه الهوى بالسلطان، وتشبيه القلب بطائر خافق في
الفخ، وتشبيه المحبوبة بالبدر تحفه الشهب، وتشبيه قوامها بالرمح المزين بالزهور، وغرتها
بالفجر المنقشع من الظلمة).
والاستعارات
المكنية التجسيدية (تجسيد الدم بالجريان، وتجسيد الشك بالظلمة، والدهر بالصائد الراشق
لسهامه، والعهد بالخيط المنقضب المقطوع).
والكنايات
التراثية الأصيلة (أخا العذل، فتاة خدر).
تعليقات
إرسال تعليق