التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلخيص كتاب إبطال الحيل لابن بطة العكبري

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. 
أما بعد:

​فإن كتاب «إبطال الحيل» للإمام المحدث الفقيه عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي (ت 387 هـ)، هو جواباً عن نازلة عُرضت عليه مستنكراً فيها تساهل بعض المفتين في زمانه.

​وتكمن الفائدة من هذا المصنف في كونه يؤسس لمنهج السلف في محاربة "الحيل الفقهية" التي تُتخذ ذريعة لإبطال الأيمان الشرعية وتحليل المحرمات. ويؤصل لمعالم الفتيا وصفات المفتي والفقيه الذي يجوز تقليده، مع بيان حقيقة الخلع الشرعي وشروطه التي حددها الكتاب والسنة والآثار، مفرداً باباً تطبيقياً لبطلان الحيل وعودة الأيمان حتى بعد الخلع الصوري وإعادة العقد.

​يأتي تلخيص هذا الكتاب لتقريب مادته العلمية وتيسير الوقوف على أدلته ومسائله الفقهية كما وضعها المصنف في أصل كتابه، مع صياغة فقهية معنون مباحث الكتاب إلى ثماني نقاط:

​أولاً: ورود النازلة الفقهية وبيان الحيلة المخترعة فيها.

​ورد إلى الإمام ابن بطة العكبري كتاب من سائل يسأله فيه عن حال رجل "حلف بالطلاق ثلاثاً أنه لا بد أن يقتل رجلاً مسلماً بغير حق لأجل خصومة جرت بينهما". 

وقد استفتى هذا الرجل بعض من نصب نفسه للفتيا، فأفتى له هذا المفتي بحيلة للتخلص من يمين الطلاق وتجنب الحنث، وهي: "أن يطالب زوجته بأن تختلع منه على عوض تعطيه من مالها، فإذا قبل الفدية خلعها بتطليقة لتسقط اليمين، ثم يعود في الوقت فيخطبها من وليها ويتزوجها تزويجاً جديداً، ويسقط عنه الوفاء بما حلف عليه".

​وينكر ابن بطة على هؤلاء المتصدرين الذين يعلمون الناس المخادعة والمماكرة في دين الله، ويدلونهم على مسالك الحيل لإسقاط حقوق الزوجية والالتفاف على أحكام الطلاق.

​ثانياً: معالم الفقيه والآثار الدالة على اقتران الفقه بخشية الله.

​يبدأ المصنف كتابه بذكر صفة الفقيه الذي يجوز تقليده والفزع إليه عند المشكلات، وينتقد بشدة انتشار لقب "الفقيه" و"العالم" في عصره حتى كثر المتسمون به من عامة الناس وكافتهم، لكونهم يعولون على الاسم دون المعنى وعلى المنظر دون الجوهر. مستشهد قول علي بن أبي طالب في ذم المتجاسرين على الفتوى بغير علم: "سماه أشباه النَّاس عالماً ولم يَغْنَ في العلم يوماً سالماً".

​ويقرر المصنف تعريف الفقه لغة بأنه: الفهم. 

ويذكر أن الله سبحانه أظهر معجزاته وفصل آياته للعلماء والفقهاء لأنهم فقهوا معنى مراده، فلصق ما فقهوه بقلوبهم فأزعجها وباعدها عن معاصيه وحركها لطاعته. 

ولذلك رفعهم الله فوق خلقه وأمر بمسألتهم والنزول عند طاعتهم، وألصق طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وقد فسرها العلماء بأنهم "الفقهاء".

​ومن اﻷدلة الدالة على اقتران الفقه بالخشية والاستقامة وعزوف النفس عن الدنيا:

  • تحذير علي بن أبي طالب: فقال: "يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، من عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود".
  • قول مجاهد: "إنَّما الفقيه مَنْ يَخَاف الله عزَّ وجلَّ".
  • وصف علي بن أبي طالب للفقيه الكامل: فقال: "ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره".
  • كلمة ابن مسعود الجامعة: قال: "كفى بخشية الله علماً وكفى بالاغترار بالله جهلاً".
  • رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: "إنَّ الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهذر وكثرة الرواية، وإنما الفقه خشية الله عز وجل".
  • قول سعد بن إبراهيم: لما سئل عن أفقه أهل المدينة قال: "أتقاهم".
  • أثر عن بعض القرشيين في كمال علم العالم: فقال: "إنَّ كمال علم العالم ثلاثة: ترك طلب الدنيا بعلمه، ومحبته الانتفاع لمن يجلس إليه، ورأفته بالناس".
  • غضب الحسن البصري ومراجعته لمطر الوراق: سأل مطرٌ الحسنَ عن مسألة فأفتاه فيها، فقال مطر: "يا أبا سعيد، يأبى عليك الفقهاء"، فغضب الحسن وقال: "ثكلتك أمك يا مطر، وهل رأيت بعينك فقيهاً قط؟! أتدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد، المقيم على سنة رسول الله ﷺ الذي لا يسخر بمن أسفل منه، ولا يهزأ بمن فوقه، ولا يأخذ على علم علمه الله إياه حطاماً". وعنه أيضاً: "الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في دينه، المجتهد في العبادة".
  • قول الحسن البصري: "ما رأيت فقيهاً قط يداري ولا يماري، إنَّما يفشي حكمته، فإن قُبلت حمد الله، وإن رُدَّت حمد الله".
  • قول وهب بن منبه: "الفقيه: العفيف، المتمسك بالسنة، أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان".
  • قول سفيان الثوري: "الفقيه الذي يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وأفقه منه مَنْ لم يجترئ على الله عزَّ وجلَّ في شيء لِعِلَّةٍ به".
  • قول الحارث بن يعقوب: "إنَّ الفقيه كل الفقه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان".
  • قول أبي الدرداء: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثُمَّ يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا". وقال أيضاً: "إن من فقه المرء ممشاه ومدخله ومجلسه (مع أهل العلم)". وقال: "إنَّك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً".
  • قول الفضيل بن عياض: "إنَّما الفقيه الذي أنطقته الخشية وأسكتته الخشية. إن قال قال بالكتاب والسنة، وإن سكت سكت بالكتاب والسنة، وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ورده إلى عالمه". وعقب وكيع بن الجراح على كلام الحسن في صمته: "أسكتته الخشية".
  • تواضع الشعبي وإنكاره للتصدر: سأله رجل: "أيها العالم أفتني"، فقال الشعبي مستنكراً: "يا معشر العلماء، يا معشر الفقهاء!! لسنا بعلماء ولا فقهاء، ولكننا قوم قد سمعنا حديثاً فنحن نحدثكم بما سمعنا، إنَّما الفقيه من ورع عن محارم الله، والعالم مَنْ خَافَ الله عزَّ وجل". وقال أيضاً: "إنَّما العالم مَنْ يخاف الله".
  • تفسير جابر بن عبد الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فقال: "العالم الذي عقل عن الله أمره فعمل بطاعة الله واجتنب سخطه".
  • مناظرة سفيان بن عيينة وأبي مسلم المستملي بمنى: قال سفيان: "العالم بالله الخائف منه وإن لم يحسن فلان عن فلان، ومن لم يحسن العلم والخوف من الله فهو جاهل وإن كان يحسن فلان عن فلان... المسلمون شهود أنفسهم عرضوا أعمالهم على القرآن فما وافق القرآن تمسكوا به، وإلا استعتبوا من قريب".
  • علامة العالم عند عبد الله بن المبارك: لما سئل كيف يُعرف العالم الصادق؟ قال: "علامة العالم مَنْ عَمَلَ بعلمه، واستقل كثير العلم والعمل مِنْ نفسه، ورَغِبَ فِي عِلْمٍ غيره، وقَبِلَ الحقَّ مِنْ كُلِّ مَنْ أتاه به، وأخذ العلم حيث وجده". وأقره الإمام أحمد على ذلك قائلاً: "نعم. كذا نريد أن يكون".
  • قول الزهري - في التلازم بين العلم والعمل -: "لا يوثق للناس بعمل عامل لا يعلم، ولا يرضى لهم بعلم عالم لا يعمل".
  • قصة العقلاء في محاسبة النفس بالعلم: عوتب أحد العقلاء على تركه مجالس الحديث فقال: "قد سمعت حديثين فأنا محاسب نفسي بهما، فإذا علمت أني قد عملت بهما كتبت غيرهما: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» و«حب الدنيا رأس كل خطيئة»".
  • تأثر السلف بالعلم: قال الحسن: "كان الرجل إذا طلب باباً من العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده وصلاته وبدنه".
  • تواضع العالم: قال أيوب السختياني: "ينبغي للعالم أن يضع التراب (أو الرماد) على رأسه تواضعاً لله عز وجل". وقال سفيان بن عيينة: "العلم إذا لم ينفع ضر".

والخصال الخمس للفتوى التي نص عليها الإمام أحمد بن حنبل لمن ينصب نفسه للفتيا:

  1. النية: أن يكون له نية، فإنه إن لم تكن له فيه نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
  2. الأخلاق: أن يكون له خُلق (وفي رواية: حلم) ووقار وسكينة.
  3. القوة العلمية: أن يكون قوياً على ما هو فيه وعلى معرفته.
  4. الكفاية المالية: الكفاية، وإلا مضغه الناس.
  5. معرفة أحوال المجتمع: معرفة أعراف وعادات الناس.

​ويعلق ابن بطة قائلاً: "لو أنَّ رجلاً أنعم نظره، وميز فكره... طالباً خصلة واحدة في أحد من فقهاء وقتنا والمتصدرين للفتوى لما وجدها، بل لو أراد أضدادها لوجد ذلك متكاثفاً متضاعفاً".

​ويختم هذا القسم بذكر كلام والد ابن أبي أويس عن فقهاء المدينة: "لا يجوز أن ينصب نفسه للفتوى، ولا يجوز أن يستفتي إلا الموثوق في عفافه وعقله وصلاحه ودينه وورعه وفقهه وحلمه ورفقه وعلمه بأحكام القرآن... فمن كان طعمته من الناس وحاجاته منزلة بهم وهو محمول عليهم، فليس بموضع الفتوى". 

وينقل مثل عيسى بن مريم للحواريين: "كذلك العلماء ملح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم، وإذا فسد العلماء فسدت الأرض". 

وقول عبيد الله بن عمر لطلبة العلم الكبار المجتمعين عليه: "شنتم العلم وأذهبتم نوره. لو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا ضرباً".

​وينبه ابن بطة العكبري إلى خطورة "زلل العالم"، ويفسر مقولة السلف: "ما أرى أن يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء"، بأن العالم إذا زل، زل الناس بزلله مسرعين في أثره على وجه القدوة، فكانت ذنوبهم بحجة، فصاحب الفتوى الحيلية كالسفينة إذا غرقت غرق بغرقها خلق كثير وجوهر خطير.

​ثالثاً: حكم يمين الحالف وعزمه على المعصية.

إن التكييف الفقهي لمسألة اليمين الحالف بالطلاق ثلاثاً على قتل امرئ مسلم بغير حق، تقع الحنث وتصح اليمين قبل الإقدام على الفعل أو بعده عبر القواعد التالية:

  • حالة بقاء اليمين معلقة دون حنث:  فإن الحالف إذا حلف يميناً غير مؤقتة بوقت محدد أو غاية معينة فهو غير حانث ما كان مجتهداً في إنفاذ ما حلف عليه، مع مواظبة الأوقات لمواظبة عزمه، وتصحيح نيته على ذلك، وطالما أن عزمه مستمر ونشط في قلبه، فإن العصمة الزوجية تظل قائمة ظاهراً.
  • حكم الإقامة على عزم المعصية: فإن بقاء الزوج مستمراً في عزمه على ارتكاب معصية قتل امرئ مسلم بغير حق هو مبارزة لله عز وجل في تعدي حدوده، ومخالفة أمره واستجلاب غضبه ولعنته، والخلود في أليم عذابه.
  • حالة وقوع البينونة الفورية لفتور العزم: لأنه إن تلاومت نيته أو وقف عزمه، وحل عقد الإصرار من قلبه وعزم أن لا يفعل ذلك أبداً فساعته بانت امرأته، وانقطعت العصمة بينهما، وحرمت عليه، فلم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. فانحلال عقد الإصرار في القلب على فعل تلك المعصية يوجب تفعيل شرط الحنث فوراً ووقوع البينونة الكبرى.
  • الدليل على تلاوم نية الحالف ووقوع الحنث: فأن هذا الحالف بعينه قد انحلت نيته ووقف عزمه بالفعل، بدليل سلوكه؛ إذ إن تردده في يمينه وضربه عرض البلاد وملاقاة الرجال يلتمس المخرج من يمينه والخلاص من حنثه من غير الوفاء بيمينه، وهو عين المبرهن على تلاوم نيته وفتور قلبه عما حلف عليه، وبذلك صار هذا السلوك والتردد صريح الحنث به، فتبين امرأته منه بائناً بينونة كبرى لا رجعة فيها.

​رابعاً: حقيقة الخلع الشرعي وبطلان فتوى الخلع الحيلية.

وفي بيان بطلان رد فتوى المفتي بالخلع ومخالفتها لأصول الشريعة والكتاب والسنة ما يلي:

  • تجريد الفتوى من مشروعيتها: أن هذا الجواب لا يجري مجرى الفتوى، ولا يقال لقائله مفت، ولا فقيه؛ لأن الفتوى عند أهل العلم تعليم الحق والدلالة عليه، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ أي: يعلمكم الحق، وقوله: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾.  أما من يعلم الناس الحيل والمماكرة والخديعة في دين الله ليخرج الباطل في صورة الحق فلا يقال له مفتٍ؛ لأن شريعة الإسلام تأبى المخادعة.
  • الخلع الشرعي وحكمته وموضعه: إن الله جعل الرجال قوامين على النساء وجعل عقدة النكاح بأيديهم، والنساء كالأمانات والأسيرات عندهم. ولما كان قد يقع بين الزوجين نفار وبغض ونشوز وتنافر في العشرة يخشى معه التقصير في طاعة الله، ولم يكن للمرأة سبيل لحل العصمة بنفسها، وكان المهر يحبس الزوج عن تخلية سبيلها؛ جعل الله الخلع مخرجاً شرعياً للمرأة لتبذل الفدية وتملك بها نفسها ويبرأ الزوج من صداقها. وسمى الله الخلع "حداً من حدوده" وجعله مشروطاً بوجود المشاقّة وخوف عدم إقامة حدود الله، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. فالاختلاع بلا سبب أثام على المرأة، وأخذ الفدية منها دون نشوز حرام على الرجل.

​ومن أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين التي توضح شروط الخلع ووجوب كونه من جهة المرأة لعلة البغض والنشوز:

  1. قول عطاء بن أبي رباح: "لا يحل الخلع إلا أن تقول المرأة لزوجها: إني أكرهك وما أحبك، وقد خشيت أن آثم في جنبك ولا أؤدي حقك، وتطيب نفسًا بالخُلْعِ".
  2. قول عروة بن الزبير: "لا تحل الفدية ولا يتم الخُلع حتى يكون الفساد من قبلها". وكان يقول: لا يحل الخلع "حتَّى تقول: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما".
  3. أثر هشام بن عروة عن أبيه: "لا يصلح الخُلع إلَّا أن يكون الفساد من قبل المرأة".
  4. رواية حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد: "الخلع لا يكون إلا من قبل المرأة لأنها هي المطالبة".
  5. قول عامر الشعبي: لما سئل متى يجوز الخلع وتطيب الفدية؟ قال: "إذا کرهته وعَصَت الله فيه". وقال أيضاً: "إذا كان من قبلها فلا بأس، وإذا كان من قبله فلا ولا نُعمى عين".
  6. قول عبد الرحمن بن أبي ليلى: "ما أقام الزوجان على إقامة حدود الله بينهما فالخلع غير جائز، والفدية لا تحل".
  7. قول عطاء والزهري وعمرو بن شعيب: "لا يجوز الخلع إِلَّا مِنَ الناشر".
  8. قول عمرو بن دينار: "لا يجوز الخلع حتى يكون من قبل المرأة، وإذا كان مِنْ قِبل الرجل لم يتم".
  9. قول الحسن البصري: في تفسير آية الفدية قال: "ذلك في الخلع إذا قالت: والله لا أغتسل له من جنابة".

  • دلالة السنة في قصة جميلة بنت سلول مع زوجها ثابت بن قيس بن شماس، حين أتت النبي فقالت: "والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خُلُق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضاً". فأمرها النبي برد حديقته وأمر ثابتاً بقبولها وأخذه "ما ساق ولا يزداد". وهذا يثبت أن الخلع رخصة للحاجة والنفار لا للحيلة.
  • نقض الحيلة وبطلانها لمخالفة قصد الشارع: إذا كان بدء المسألة من الرجل لزوجته أن تنخلع منه وأن تفتدي منه نفسها على شريطة عقد النكاح بينهما بعقد؟!. فهذا وضع للخلع في غير موضعه واستعماله في غير ما أمر الله به، واشتراط عقد النكاح بوقوعه يجعله لغواً وتلاعباً شنيعاً بحدود الله واستهزاءً بآياته، ويدخل فاعله في الوعيد الشديد في حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته! خَلَعْتُكَ، رَاجَعْتُكَ، طَلَّقْتُكِ".
  • تنظير الحيلة بالمعاملات الفاسدة والمحرمة: إن تهافت الفتوى الحيلية ببيان أن الخلع المشروط بنية إرجاع المرأة نكاحاً جديداً لا يختلف عن:
    1. نكاح التحليل: الذي يقع بشرط الطلاق لتعود للزوج الأول، وقد لعن رسول الله فيه المحلِل والمحلَل له.
    2. الربا في الصرف: كمن يبيع دراهمه المكسرة من صيرفي بدينار على أن يعطيه بالدينار دراهم صحاحاً على صرف مقطوع في عقد واحد.
    3. بيوع العينة والحيل المالية: كمن يستسلف في سلعة إلى أجل على أن يعود البائع فيشتريها بسعر مقطوع، أو يبيع سلعة نسيئة بشرط شرائها نقداً بسعر أقل، فكلها معاملات باطلة مردودة لما تنطوي عليه من مخادعة لله.

​خامساً: ذم الحيل الفقهية في الشريعة.

إن الأصل أن الحيلة في شريعة الإسلام خديعة، والخديعة نفاق، والنفاق عند الله عز وجل أعظم من صراح الكفر. 

وأن المنافقين إنما أظهروا قبول الأحكام الإسلامية والتزموا بها ظاهراً كحيلة وخديعة ليحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم، وهذا الباب من الحيلة هو أقبحها، وكل حيلة فقهية مشبهة بها ومتشعبة عنها.

​ومن الأمثلة العملية الشنيعة التي يسلكها أهل الحيل للالتفاف على رخص الشريعة وواجباتها ما يلي:

  1. حيلة إسقاط الصيام: الرجل يسافر في نهار رمضان لا يريد بسفره إلا الأكل والجماع، ليقضي بعد ذلك على مهل متقطعاً في الأيام القصيرة الباردة.
  2. حيلة إسقاط الصلاة: الرجل يسافر ولا يريد من سفره إلا رخصة قصر الصلاة تخلصاً من تمام الفريضة.
  3. حيلة إسقاط الحج: الرجل تجب عليه فريضة الحج بوجود الاستطاعة المالية، فيهب ماله لبعض ولده عند دخول وقت الحج فراراً من الوجوب، ثم يسترجعه من ولده بعد انقضاء موسم الحج.
  4. حيلة إسقاط الزكاة: الرجل يملك ماشية تجب فيها زكاة كثيرة، فيبيعها عند رأس الحول ليجري ثمنها مجرى المال المستفاد الجديد، أو يبتاع بماله الصامت (الذهب والفضة) عقاراً قبل الحول بأيام، فإذا جاوز الحول باعه واسترجع ماله تهرباً من فريضة الزكاة.

​وهذه الحيل باطلة عند الله وإن جرت في ظاهر أحكام الدنيا مجرى الصحة، ويتعجب ابن بطة ممن يفتي بهذه الفتاوى قائلاً: "وما ظنك الآن إذا كان المفتي هو الآمر بهذا، والدال عليه، والمفتي به؟! فلا فرق بين الفتوى بالخُلع على الحال المذكورة... وبين الفتوى في هذه الأسباب كلها، فإنها كلها ترجع إلى الحيلة".

​والأدلة على إبطال الحيل ولعن أصحابها ما يلي:

  • النهي النبوي العام: قوله ﷺ: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل".
  • لعن المحتالين: قوله ﷺ: "لعن الله اليهود، يحرمون شحم الغنم ويأكلون أثمانها" ؛ فقد لعنهم الله لاستعمالهم الحيلة ببيع الشحم المحرم وأكل ثمنه حلالاً لديهم، والمستعمل للحيلة يخادع ربه.
  • إنكار ابن عباس الشديد: جاءه رجل يستفتيه في عمه الذي طلق امرأته ثلاثاً وندم، وقال: "فإني أتزوجها بغير أمره وترجع إليه؟" (نكاح التحليل)، فقال ابن عباس بإنكار صريح: "إنَّ عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجاً... مَنْ يخادع الله يخدعه".
  • إبطال الحيل في البيوع: قوله ﷺ في خيار المتبايعين: "ولا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يستقيله" ؛ فالذي يفارق صاحبه سريعاً ليسقط حقه في خيار المجلس قد استعمل ظاهر العلم والسنة ذريعة لحيلته وركب مطية الحق في عراء الباطل. ويعقب الإمام أحمد على هذا الحديث بقوله: "وفي حديث عبد الله بن عمرو إبطال الحيل".
  • قصة أصحاب السبت:  فقد مسخ اللهُ بني إسرائيل قردة وخنازير لاحتيالهم على حرمة الصيد يوم السبت؛ حيث كانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً آمنة، فصنعوا لها المصايد وحظروا الحظائر وحفروا الآبار يوم الجمعة، فإذا دخلت الحيتان يوم السبت حبسوها وسدوا الأبواب بأيديهم وأرجلهم لئلا تخرج، ثم أخذوها وصادوها يوم الأحد. وينقل قول ابن عباس: "مسخت بنو إسرائيل، فمُسِخَ الشيوخ خنازير، والشباب قِرَدَةٌ".

​ونعرض هنا روايات عن اﻹمام احمد وغيره في ذم الحيل وبطلانها:

  • شهادة أبي الحارث الصائغ: "سمعت أبا عبد الله قال: هذه الحيل التي وضعها هؤلاء - أبو حنيفة وأصحابه - عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها، أتوا إلى الذي قيل لهم إنَّه حرام واحتالوا فيه حتَّى أحلُّوه".
  • رواية الميموني: سألت أبا عبد الله عن رجل حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، هل تجوز تلك الحيلة؟ فقال أحمد حاسماً: "لا، نحن لا نرى الحيلة".
  • رواية بكر بن محمد بن الحكم: قال الإمام أحمد: "إذا حلف على شيء ثُمَّ احتال بحيلة فصار إليها، فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه. من احتال بحيلة فهو حانث".
  • شهادة صالح بن الإمام أحمد: "ذكر أبي أصحاب أبي حنيفة وتعجب مما يقولون في الحيل في الأيمان فقال: يبطلون الأيمان بالحيل، قال الله عز وجل: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾، وقال: والحيل لا نراها".
  • رواية أبي داود السجستاني: سمعت أبا عبد الله - وذكر الحيل عن أصحاب الرأي - فقال: "يحتالون لنقض سُنَن رسول الله". وعنه: "لا يجوز شيء مِنَ الحِيل".
  • نصيحة الفضيل بن عياض: جاءه رجل يستشيره في مفتٍ رخص له في حيلة ليمين حلف بها وقال: "أنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنث"، فقال له الفضيل: "تعرف الرجل؟ قال: نعم، قال: ارجع واستثبته فإني أحسبه شيطاناً شبّه لك في صورة إنسان".
  • تحذير سهل بن عبد الله التستري الصارم: "مَنْ أفتى الناس بالحيلة فيما لا يجوز، يتأوّل الرأي والهوى بلا كتاب ولا سُنَّة، فهذا من علماء السوء. وبمثل هذا هلك الأوَّلُونَ والآخرون". 
  • وفصّل سهل العقوبات الثلاث المعجل بها في الدنيا لعلماء الحيل: "يبعد علم الورع من قلبه ويضيع منه، وتزين له الدنيا ويرغب فيها ويفتن بها، ويطلب الدنيا تضييعاً لدينه".

​سادساً: بطلان حيلة الخلع وعودة اليمين بعد تجديد النكاح.

إن الحيلة المخترعة باطلة حتى لو تمكن الحالف من إجراء الخلع الصوري وتجديد النكاح، وذلك عبر الأمور التالية:

  • قاعدة عودة اليمين بعد تجديد العقد: إن مذهب جمهور الفقهاء هو المذهب المعمول به عند الإمام أحمد بن حنبل، في أن الرجل إذا حلف بطلاق زوجته ثلاثاً، أن لا يفعل شيئاً، أو ليفعلن شيئاً، فاختلعت منه زوجته، أو طلقها طلاقاً بائناً قبل أن يحنث، ثم ارتجعها، أنَّ اليمين راجعة عليه برجعتها؛ لأنَّ اليمين قائمة، والزوجة هي بعينها. وبناء على ذلك، فإن عودة الزوجة بعقد جديد يعيد اليمين السابقة نشطة ومسلطة عليها بمجرد رجوع العقد.
  • رواية حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل في يمين الطلاق: في رجل قال لامرأته: "إن دخلت دار فلان فأنت طالق"، فطلقها قبل أن تدخل الدار فبانت منه وانقطعت العصمة، ثم خطبها بعد ذلك وتزوجها، فهل تسقط اليمين؟ قال أحمد: "إن دخلت وقع الطلاق الأول".
  • قياس العتق على الطلاق لتقوية الحكم: يقيس الإمام أحمد مسألة عودة يمين الطلاق بالمرأة بعد تجديد النكاح على مسألة العتق؛ حيث شبهها "بمنزلة رجل قال لغلامه: إن ضربتك فأنت حر، فباعه ثم اشتراه بعد فضربه، فهو حر". فزوال الملك بالبيع وإعادته بالشراء مجدداً لم يبطل اليمين المعلقة، فكذلك زوال الملك بالبينونة وإعادته بالنكاح الجديد لا يبطل يمين الطلاق المعلقة. وقال حنبل بن إسحاق عقب هذه الرواية: "قال أبو عبد الله: هكذا نقول".
  • رواية حرب بن إسماعيل الكرماني في اليمين الثلاثية:  حين سُأل الإمام أحمد بن حنبل عن رجل قال لامرأته: "أنت طالق ثلاثاً إن دخلت هذه الدار"، فطلقها تطليقة وانقضت عدتها وبانت منه، ثم دخلت الدار وهي أجنبية عنه؛ فقال أحمد: "لا يقع عليها حينئذ طلاق؛ لأنها دخلت وليست امرأته، ولكن إذا رجعت إليه رجعت وهو على يمينه".
بموجب هذه الروايات والأقيسة، يثبت بطلان الفتوى الحيلية تماماً؛ إذ إن الحالف بالطلاق على قتل الرجل إذا خلع زوجته ثم عاد فتزوجها نكاحاً جديداً قبل ارتكاب القتل، فإن يمينه السابقة تعود لازمة له بمجرد العقد، وبذلك فإن إقدامه على القتل أو تركه له بعد النكاح الجديد سيؤدي حتماً إلى وقوع الحنث بالطلاق الثلاث، فتضيع الحيلة وتفسد من أساسها.

​سابعاً: لحوق الطلاق بالمختلعة في العدة.

هل يلحق الطلاق بالمرأة المختلعة وهي في عدتها؟ 

ويقسم مذاهب السلف وفقهاء الأمصار في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: لحوق الطلاق بالمختلعة مطلقاً ما دامت في العدة: يرى أصحاب هذا القول أن العصمة تظل قائمة حكماً في العدة، فيقع عليها الطلاق ما دامت معتدة من الخلع.
  • القائلون به من السلف: عبد الله بن مسعود، وسعيد بن المسيب، وشريح القاضي، والشعبي، ومغيرة الضبي، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن شهاب الزهري، وطاوس بن كيسان، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان. وهو مذهب سفيان الثوري، وأصحاب الرأي من الكوفيين (أبو حنيفة وأصحابه).
  • أدلتهم: 
  • استدل أصحاب هذا القول بحديث عن علي بن أبي طلحة رفعه إلى النبي ﷺ قال : "للمختلعة طلاق ما كانت في العدة". 
  • وأجيب عن الحديث: بأنه منقطع وغير ثابت؛ إذ ينقل عن عبد الرزاق أنه ذكر هذا الحديث لسفيان الثوري فقال الثوري مستنكراً: "سألنا عنه فلم نجد له أصلاً". كما ينقل عن الشافعي والبيهقي تعذر العثور على إسناد متصل وصحيح لهذا الخبر.
  • القول الثاني: الوقوع بالتعقيب المباشر والاتصال المتتابع: فيرى أصحاب هذا القول أن الطلاق يلحق المختلعة بشرط أن يتبع الزوج الخلع بالطلاق متتابعاً متصلاً دون فاصل أو صمت طويل.
  • القائلون به: أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره. وهو مذهب الإمام مالك بن أنس الذي عبر عنه بقوله: "الأمر عندنا، والمجمع عليه في بلدنا في المفتدية: أنه إذا طلقها بعقب خلعها طلاقاً نسقاً متتابعاً بانت منه، وإن كان بين ذلك صمات (أي سكوت وفاصل) فليس بشيء".
  • القول الثالث: عدم لحوق الطلاق بالمختلعة مطلقاً: فيرى أصحاب هذا القول أن الخلع بينونة تامة يزول بها ملك العصمة بالكلية، فلا يقع على المعتدة من الخلع طلاق أبداً ويكون طلاقه لها بعد الخلع لغواً باطلاً.
  • القائلون به من السلف: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، وجابر بن زيد. وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وجماعة من فقهاء المسلمين، واختياره ابن بطة.

​وعليه فإن المرأة بمجرد خلعها تبين بطلقة بائنة، ولا يملك الزوج إلحاق الطلاق بها في عدتها، مما يثبت مجدداً وقوع هذا الحالف المعالج بالحيلة في عين الشبهات وحبائل الاختلاف والاضطراب الفقهي.

​ثامناً: التحذير من جرأة الفتيا ومسألة أيمان البيعة.

إن مذهب السلف هو هيبة من الفتيا وتوقي التسرع فيها، مع شدة الورع والاحتياط وتجنب الجرأة التي تهلك صاحبها:

  • تحذير عمر بن الخطاب: فقال: "أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار" ؛ وفسر الإمام أحمد معنى هذا الحديث بقوله: "يفتي بما لم يسمع".
  • قول عبد الله بن مسعود الصارم: "إنَّ مَنْ يُفْتِي النَّاسِ فِي كُلِّ ما يستفتونه لمجنون". وينقل تعليق الحكم بن عتيبة للأعمش عندما سمع هذا الأثر: "لو سمعت هذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي".
  • قول ابن شبرمة: "في المسائل ما لا يحل لأحد أن يسأل عنها، وفيها ما لا يحل لأحد أن يجيب عنها".
  • أثر أبي حصين في هيبة الفتيا مقارنة بعمر: قال: "إنَّ أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر".
  • قول أيوب السختياني في فرار العلماء الصادقين: "رأيت أعلم الناس بالقضاء والفتوى أشدهم منه فراراً وأشدهم منه فرقاً، وأعماهم عنه أشدهم مسارعة إليه".
  • وصية ابن خلدة لربيعة لإنقاذ نفسه أولاً: "يا ربيعة إني أرى الناس قد أحاطوا بك، فإذا سألك الرجل عن مسألة فلا تكن همتك أن تخلصه، ولكن لتكن همتك أن تخلص نفسك".
  • كراهية إبراهيم النخعي للمسائل: سأله زُبيد اليامي عن مسألة فقال النخعي: "ما وجدت من بلدك من تسأله غيري؟!"، وقال زبيد: "ما سألت إبراهيم عن شيء قط إلا عرفت الكراهية في وجهه".
  • قول القاسم بن محمد وتعليق الإمام مالك الشديد: قال القاسم: "لأن يعيش الرجل جاهلاً خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم"، وعقب مالك: "هذا كلام شديد". ثم ذكر مالك أبا بكر الصديق وفضله وعلمه ومع ذلك كان يقول في وقته: "لا أدري".

​قال الإمام ابن بطة: "ولو حلف حالف لَبَرَّ أو قال لَصَدَقَ: إنَّ أكثر المفتين في زماننا هذا مجانين... يريد أن يوصف بأن عنده من كل ضيق مخرجاً... يفتي فيما عبي عنه أهل الفتوى... يخبط العشوة، ويركب السهوة، لا يفكر في عاقبة، ولا يعرف العافية".

​وينقل قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز لبيان بطلان الحيل الفقهية في إسقاط الكفارات والأيمان: "اليمين حنث أو مندمة" ؛ فلو كان لكل حلف مخرج حيلي لما ندم حالف ولا حنث ولا وجبت كفارة ولا طلقت امرأة. 

ويقول أبي الدرداء مرفوعاً: "إنَّ البلاء موكل بالقول، ما قال عبد قط لشيء: والله لا أفعله، إلا ترك الشيطان كل شيء من عمله وولع بذلك منه حتى يؤثمه".

​كما يستحضر المصنف تشبيه الشعبي الرائع والعميق لصعاب المسائل الملتبسة التي تعرض على المفتين حائراً فيها عقول الكبار:

  • ​كان الشعبي إذا سئل عن معضلة صعبة قال: "زبَّاء ذات وَبَر، أعيت السائق والقائد، لو ألقيت على أصحاب رسول الله ﷺ الأعضلت بهم".
  • ​ويفسر ابن بطة هذا التشبيه البليغ بقوله: "يشبه صعاب المسائل بفصيل الناقة الذي لم يُرْضٌ ولم يُرْكب، فهو بوَبَرِه وزَغَبِهِ لا يتبع قائده، ويَحْرِن عن سائقه، وقوله الأعضلت بهم شبهها بالداء العضال الذي لا يوجد له دواء ولا يُرجى منه شفاء".

​ويورد ابن بطة قصة تبين هيبة الفتيا في مسألة أيمان البيعة والخلع الحِيلي:

  • توضيح أيمان البيعة: هي أيمان شديدة ومغلظة أحدثها الملوك والولاة (مثل الحجاج بن يوسف) لإلزام الناس بالطاعة، وهي تشتمل على اليمين بالله، وصدقة جميع المال، وطلاق نسائهم ثلاثاً، وعتق عبيدهم.
  • مسلك التساهل والحيلة: شاع بين بعض المفتين إفتاء الحالف بأيمان البيعة بأنه لا شيء عليه عند الحنث، ونسبوا هذا التيسير والحيلة للإمام الشافعي.
  • الحوار والمناظرة في مكة: سأل الإمام ابن بطة العكبري الإمامَ أبا بكر الآجري في منزله بمكة عن مسألة الخلع الحيلي المعروضة وعن فتوى سقوط أيمان البيعة وعن صحة نسبتها للشافعي.
  • موقف الآجري والزبيري الضرير: تعجب الآجري أشد العجب من اجتماع المسألتين في سؤال واحد، وأخبره أنه طوال مسيرته العلمية وكتابته للحديث لم يفتِ في هاتين المسألتين بحرف واحد. ثم أخرج له كتاب "أحكام الرجعة والنشوز" من كتاب الشافعي (الأم)، وإذا مكتوب على ظهره بخط الآجري سؤاله لأبي عبد الله الزبيري الضرير (كبير الشافعية في وقته) عن المسألتين وعن فتوى أصحاب الشافعي فيهما بالخلع.
  • ​فأجاب الزبيري: "ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا بلغني له في هذا قول معروف، ولا أرى مَنْ يذكرها عنه إلا محيلاً (أي كاذباً مدعياً)". وقال أيضاً: "أما هذا فما بلغني عن عالم، ولا بلغني فيه قول ولا فتوى، ولا سمعت أن أحداً أفتى في هذه المسألة بشيء قط... إن ألزم الحالف نفسه جميع ما في يمين البيعة وإلا فلا أقول غير هذا". بمعنى: لزوم وقوع كل ما حلف عليه من طلاق وصدقة مال وعتق عبيد بلا مخارج حيلية.

الخاتمة

إن جوهر الشريعة الإسلامية ترفض المخادعة والالتفاف على أحكامه وحدوده باستخدام الحيل الصورية، وأن الخلع رخصة شُرعت لرفع الضرر والشقاق عن المرأة الممتنعة عن إقامة حدود الله، ولا يصح اتخاذه مسلكاً لإبطال الأيمان وحل العصمة ثم إرجاعها بصورة التفافية، وأن السلامة الحقيقية تكمن في الورع عن الفتيا وتوقي الجرأة على أيمان الطلاق، مبيناً أن النية الصادقة والالتزام بما أوجبه المكلف على نفسه هما مقتضى الفقه الحقيقي والورع السليم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...