بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يُعدّ الفقه الشافعي من أكثر المذاهب الفقهية
الإسلامية ثراءً وتنوعاً في مصنفاته ومدوناته، وقد مرّ تدوينه بمراحل متعاقبة منذ عهد
الإمام الشافعي (ت: 204هـ)، في كتبه اﻷمُ واﻷملاء، رووا تلاميذه نصوصه والتزموها
وجعلوها أساس استنباطهم وبحثهم، وموضع تفصليهم وتفريعهم.
حتى بلغ ذروته مختصر المزني الذي جمع
نصوص الشافعي من أوفر الكتب حظاً وقبولاً لدى علماء الشافعية وأئمة المذهب، فقد
شرحه منذ فجر التأليف في المذهب جمعٌ من اﻷئمة، ومن أهم هذه الشروح الموسوعية الذي
كتبت على يد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (419-478هـ) وسماها
"نهاية المطلب في دراية المذهب"، إذ سار الجويني على ترتيبه ونسقه في تبويب
الأبواب وترتيب المسائل. بيد أنه لم ينهج فيه منهج الشرح الحرفي الذي يتتبّع الألفاظ
تتبعاً آلياً، بل جعله ميداناً لتهذيب المذهب وتقعيده وتأصيل أبوابه من الداخل. وقد
جمع في هذا الكتاب الضخم أقوالَ الأصحاب من طريقَي البغداديين والخراسانيين على حدٍّ
سواء، موحِّداً بذلك شتات المدرستين في مصنفٍ واحد للمرة الأولى في تاريخ المذهب.
واعتمد الجويني في استدلالاته على الكتاب،
والسنة، والإجماع، والقياس، مع عنايةٍ بالغة ببيان وجوه الاستدلال وطرقه بصورةٍ تفصيلية.
وتجلّى في هذا الكتاب اهتمامٌ لافت بدلالات الألفاظ والشواهد اللغوية، حتى أكثر فيه
من الاستدلالات اللغوية الدقيقة، مما جعل الكتابَ مرجعاً لغوياً ثرياً إلى جانب كونه
موسوعةً فقهية.
فجاء هذا الكتاب ليكون الجامعَ الأكبر
لطرق المذهب وأوجه الأصحاب، مؤسِّساً لمرحلة نضجٍ علمي متميزة في تاريخ الفقه الشافعي،
شهد له الإمام النووي بأن "نقل إمام الحرمين هو عمدة المذهب".
وقد أفضى لهذا الكتاب التأثير اﻷكبر،
وصار عليه المعول، فعنه ومنه حده - تقريباً -كان أخذ اﻷئمة واستمدادهم، بل شاع
القول بينهم: "منذ صنف اﻹمام كتابه (نهاية المطلب) لم يشتغل الناس إلا بكلام
اﻹمام".
فوجهت إليه موجةٍ من الاختصارات التي شكّلت
المذهب الشافعي على مدى قرون متعاقبة، مما يستوجب رصد السلاسل التأليفية المتفرعة عنه.
تسلسل الكتب المتفرعة عن "نهاية المطلب"
قال الدكتور محمد إبراهيم أحمد:
" وهذا الاعتماد على كتب ابن حجر (يعني الهيتمي) والرملي ينبغي ألا يصرف نظر
الباحث عن الحقيقة العلمية وراء ذلك، وهي أن كتب ابن حجز والرملي إنما هي حلقة في
سلسلة ذهبية من كتب أكابر العلماء الشافعية، تمتد عبر القرون، حتى تصل إلى مؤسس
المذهب ( اﻹمام الشافعي ): فالتحفة والنهاية كلاهما شرح لمنهاج الطالبين. ومنهاج
الطالبين مختصر النووي من المحرر. والمحرر مختصر الرافعي من الوجيز. والوجيز مختصر
من الوسيط. والوسيط مختصر من البسيط والبسيط مختصر من (نهاية المطلب) ونهاية
المطلب شرح لنصوص الشافعي التي جمعها (مختصر المزني)".
وهذه السلسلة مرة في أربع مراحل:
اﻷولى: سلسلة
حجة الإسلام الغزالي (ت: 505هـ).
انطلق أبو حامد الغزالي من كتاب شيخه
"نهاية المطلب"، فاختصره في كتاب سماه "البسيط"، وهو أول مؤلفاته
الفقهية. ثم اختصر البسيطَ في كتاب سماه: "الوسيط"، واختصر الوسيطَ في كتاب
سماه: "الوجيز"، ثم توّج هذا المشروع التدريجي
باختصار الوجيز في كتاب سماه: "الخلاصة" التي كانت أحبَّ مؤلفاته
الفقهية إليه.
وقد حظي الوسيطُ والوجيزُ بالانتشار
الواسعَ بين الشافعية من بين هذه المصنفات الأربعة، وأصبح "الوجيز" تحديداً
القاعدةَ التي ارتكزت عليها الحركة الفقهية في القرن السادس الهجري.
الثانية:
سلسلة الإمام الرافعي (ت: 623هـ).
أقبل أبو القاسم عبد الكريم الرافعي على
كتاب "الوجيز" للغزالي من منحيين:
اﻷول: فشرح
الوجيز في مصنّفٍ موسوعي أطلق عليه "العزيز شرح الوجيز"، غير أن تورّع العلماء
عن إطلاق اسم الجلالة مجرداً دفعهم إلى تسميته "فتح العزيز في شرح الوجيز".
وقد بلغ هذا الشرح من المنزلة ما جعل تاجَ الدين السبكي يقول في "طبقاته":
"إنه الذي لم يُصنَّف مثله في مذهب من المذاهب، ولم يشرق على الأمة كضيائه في
ظلام الغياهب".
وشرح الوجيز بشرح مختصر لم يعرف عنه
شيء.
الثاني: لم يكتفِ الرافعيُّ بالشرح، بل
أتحف المذهبَ بمتنٍ مستقلٍّ سمّاه "المحرر"، اختصره من الوجيز، فكان العمدةَ
في تحقيق المذهب حتى جاء النووي.
الثالثة: سلسلة الروضة.
لما شرح الرافعي كتاب الوجيز للغزالي
في كتابه الكبير الذي سماه "فتح العزيز" فكان حجمه يعسر على كثير من الطلاب،
اختصره النووي في "روضة الطالبين وعمدة المفتين"، سالكاً فيه طريقةً وسطى
بين الاختصار الـمُخِلّ والإطناب الـمُمِلّ، مضيفاً تفريعاتٍ واستدراكاتٍ على الرافعي
في مواضع.
ثم اختصر ابنُ المقري اليمني "
روضة الطالبين" في متن "روض الطالب"، فجاء زكريا الأنصاري فشرحه في
"أسنى المطالب شرح روض الطالب"، حاثّاً فيه على حلّ الألفاظ وكشف الدقائق
مع الاستدلال والتعليل.
الرابعة: سلسلة المنهاج.
انتسبت هذه السلسلة إلى "المحرر"
للرافعي أصلاً، فاختصره الإمام محيي الدين النووي (ت: 676هـ) في متنه البديع
"منهاج الطالبين وعمدة المفتين"، وقد جمع فيه بين مدرستَي الفقه الخراسانية
والبغدادية، وعُدَّ من أكثر كتب المذهب رصانةً ودقةً وإتقاناً.
ثم اختصر الإمام زكريا الأنصاري (ت:
926هـ) المنهاجَ في متن "منهج الطلاب"، حذف منه الخلافَ وأبدل غيرَ المعتمد،
ثم شرح هذا المتن بنفسه في "فتح الوهاب شرح منهج الطلاب".
خاتمة: يتجلّى من هذا الاستعراض أن كتاب الجويني "نهاية المطلب"
كان القطبَ المحوري الذي دارت عليه سلاسل التأليف الشافعي جيلاً بعد جيل. فمن الغزالي
الذي اختصره في أربعة مصنفات، إلى الرافعي الذي شرح مختصر الغزالي، إلى النووي الذي
هذّب الجميع وأتقنه = نجد تراكماً علمياً نادراً شكّل في مجموعه صرحاً شامخاً في تاريخ
التدوين الفقهي الإسلامي.
المصادر:
١ - الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة
الشافعية .. لعلوي السقاف رحمه الله.
٢ - المذهب عند الشافعية. للدكتور
محمد إبراهيم أحمد علي رحمه الله.
٣ - مقدمة كتاب نهاية المطلب للدكتور
عبد العظيب الديب رحمه الله.
٤ - المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية
للدكتور علي جمعة.
تعليقات
إرسال تعليق