بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن كتاب «مناقب الإمام أحمد» للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت: 597هـ) يُعدّ من أجلّ المصنفات التي أُلّفت في سيرة إمام أهل السنة والجماعة، وأعظمها قدراً، وأجمعها شتاتاً.
وقد تبوأ هذا السفر مكانة رفيعة عند علماء الحنابلة وعموم أرباب الحديث والتاريخ؛ ففيه توثيق نشأة الإمام، ورحلاته في طلب الحديث، وملازمته للشيوخ، وأسماء تلامذته، وأحوال أسرته ونسله.
وسرد لحوادث فتنة خلق القرآن، والمناظرات التي خاضها الإمام بحضرة الخلفاء، وصبره تحت وقع السياط، وموقفه من أهل البدع وممن أجاب في الفتنة متأولاً.
وكذلك ذكر لورع اﻹمام، والتعفف عن أموال السلاطين، ومكابدة قيام الليل، والخوف من الشهرة والرياء، مما يجعله مرجعاً عملياً في تهذيب النفوس، بيان مناهج استنباط الإمام أحمد، وتفضيل أصول مذهبه المبنية على توقير الآثار النبوية، وتوثيق طبقات أصحابه وحملة مذهبه كابراً عن كابر.
نظراً لكبر حجم الكتاب واستيعابه لمئات الروايات المسندة، قُمت بتهذيبه واختصاره لتقريبه للقارئ، وراعيتُ ما يلي:
١ - إيراد الأبواب تحت عناوينها الأصلية كما وضعها الحافظ ابن الجوزي، محافظةً على بنية الكتاب ونسقه العام.
٢ - حذفت الأسانيد، والاقتصار على المتون، ومحل الشاهد من الوقائع التاريخية.
٣ - دمجت الروايات المتفقة في الواقعة الواحدة تحت سياق واحد، وإسقاط التي لا تضيف معنى زائداً عن أصل الباب.
٤ - تلخيص الوقائع الطويلة بلغة واضحة تستبقي أسباب الحوادث ونتائجها دون بتر للسياق.
٥ - المحافظة على ألفاظ ابن الجوزي، وعباراته البليغة، وسبكه الأدبي الرصين كلما أمكن ذلك.
٦ - امستبعدتُ بعض اﻷبواب من التلخيص، وهي 14 باباً وهي ما يلي:
أ - الأبواب (15، 16، 17، 18، 19): وتشتمل على مرويات لقاءات الخضر وإلياس، وثناء غرباء العباد والزهاد، وتبرك الأولياء، وتنويه الذكر؛ وهي أخبار صيغت في الغالب بصيغ التمريض أو تضمنت روايات وجدانية تخرج عن صلب المناقب.
ب - البابان (88، 89): ويتناولان بكاء الجن وتأثير موته عندهم، ونصوص المكاتبات والتعازي النثرية التي رثاه بها معاصروا اﻹمام بعد وفاته.
ج - الأبواب (91، 92، 93، 94، 95، 96، 97): وتختص برواية المنامات والرؤى التي رآها الإمام أو رُئيت له في حياته وبعد موته، وما اتصل بكرامات زيارة قبره، وما ورد فيمن تنقصه؛ وهي مباحث استئناسية آثرت إرجاءها للتركيز على الجوانب العلمية، والتاريخية، والسلوكية القطعية.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لكل مطلع عليه، آمين.
الباب الأول: في ذكر مولده وأصله.
ولد أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ببغداد في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة للهجرة، ونشأ بها.
وأصله بصري، وكانت خطة مقامه ومقام أسرته بمرو من بلاد خراسان، فقدمت به أمه حاملاً منه فوُلد ببغداد.
وكان جده حنبل بن هلال والياً على سرخس في العهد الأموي ومن أوائل أبناء الدعوة العباسية.
وتوفي والده محمد بن حنبل وهو شاب ابن ثلاثين سنة، فتولت أمه تربيته وكفالته، ولم ير جده ولا أباه.
الباب الثاني: في ذكر نسبه
هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وينتهي سياق النسب إلى قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام.
وربيعة يلتقي مع النبي ﷺ في نزار؛ لأن قريشاً من ولد مضر بن نزار، وربيعة أخو مضر.
وقد نص ابن الجوزي على تصويب انتسابه إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة لا إلى ذهل بن شيبان؛ مبيناً غلط من قلب الاسم.
وأمه هي صفية بنت ميمونة الشيبانية من بني عامر، وكان جدها عبد الملك بن سوادة من وجوه بني شيبان المعدودين.
الباب الثالث: في ذكر منشئه في صباه.
نشأ الإمام يتيماً في حجر أمه ببغداد وراء دجلة العوراء. ولاحت مخايل نبله وفضله في صباه الباكر؛ فكان يحضر الكُتّاب، فإذا بعث النساء في طلب من يكتب لهن أجوبة كتب أزواجهن من الرقة، بعث المعلم أحمد، فكان يدخل مطأطئ الرأس حياءً، فإن أملين منكراً امتنع من كتابته.
وعُرف بالورع التام في حداثته؛ إذ دفع إليه عمه كتباً وأخباراً موجهة للسلطان ليوصلها، فألقاها في الماء ولم يسلمها كراهة الدخول في أعطياتهم وأمورهم.
ومات شيخه هشيم وله عشرون سنة، وكان بائناً من أقرانه موقراً، حتى إنه دخل مجلساً وهو ابن دون ثلاثين سنة فما بقي أحد إلا وسّع له وأكرم مقامه.
الباب الرابع: في ذكر ابتدائه في طلب العلم ورحلته فيه.
ابتدأ أحمد طلب الحديث سنة تسع وسبعين ومئة على شيوخ بغداد، وهو ابن ست عشرة سنة، وكان أول من كتب عنه القاضي أبو يوسف. ولزم هشيماً الواسطي وكتب عنه ألوفاً من الأحاديث حتى توفي سنة 183هـ.
قال أحمد: أول من كتبتُ عنه الحديث أبو يوسف (القاضي يعقوب بن إبراهيم).
قال عبد الله بن أحمد: طلب أبي الحديث وهو ابن ست عشرة سنة، وأول سماعه من هُشيم سنة تسع وسبعين ومئة، ومات هُشيم وهو ابن عشرين سنة من طلبه. كتب عن هُشيم نحوًا من ألف حديث ومات هُشيم سنة إحدى وثمانين ومئة.
ثم طاف الآفاق فرحل إلى الكوفة، والبصرة (دخلها خمس مرات)، والحجاز، واليمن، والشام، والجزيرة.
ولقي في رحلاته مشقة بالغة وضيق ذات يد؛ فكان يتوسد اللبنة ويخرج إلى طرسوس واليمن ماشياً على قدميه. وقال: خرجتُ إلى طرسوس ماشيًا، وخرجت إلى اليمن ماشيًا.
ومضى إلى عبد الرزاق باليمن صابراً على النصب، ممتنعاً عن الأخذ عنه بمكة حين لقيه في الطواف وفاءً لنية السفر إليه في بلده.
ولما رُئي والمحبرة بيده وقد بلغ رتبة الإمامة قيل له في ذلك، فقال كلمته السائرة: «مع المحبرة إلى المقبرة» و«أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر».
الباب الخامس: في تسمية من لقي من كبار العلماء وروى عنهم.
أورد ابن الجوزي أسماء شيوخه من كبار أئمة النقل على حروف المعجم سرداً؛ فمن الألف: أحمد بن جناب الحدثي، وإبراهيم بن سعد الزهري، وإسماعيل ابن علية، وإسحاق بن راهويه. ومن الحروف التالية: بهز بن أسد، وجرير بن عبد الحميد، وحفص بن غياث، وروح بن عبادة، وسفيان بن عيينة، وأبو داود السجستاني (روى عنه حديثاً واحداً)، وسليمان بن حرب، والضحاك بن مخلد (أبو عاصم النبيل)، وعبد الله بن إدريس، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وعفان بن مسلم، ومحمد بن إدريس الشافعي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، ويزيد بن هارون، ويعلى بن عبيد.
وممن عرف بكنيته: أبو بكر بن عياش، ومن النساء: أم عمر بنت حسان الثقفي.
وقد بيّن ابن الجوزي أن أحمد رأى خلقاً لم يكتب عنهم، وخرّق مرويات خلق من الضعفاء، واختص بصحبة جماعة من كبار العباد المتألهين.
الباب السادس: في ذكر تأدبه عند مشايخه احترامًا للعلم.
كان أحمد بن حنبل شديد التأدب والتواضع مع مشايخه. حُكي أنه إذا جلس بين يدي وكيع بن الجراح أطرق إجلالاً وتواضعاً ولم ينطق بحضرته. فقيل له: يا أبا عبد الله، إن الشيخ يُكرمك فمالك لا تتكلم؟ فقال: وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أُجلّه.
وكان إذا زار قتيبـة بن سعيد جلس بين يديه كالتلميذ الصغير وقال: «إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه».
وكان يقف مع أصحابه كعلي بن المديني ويحيى بن معين على أرجلهم بين يدي يحيى بن سعيد القطان من بعد صلاة العصر إلى المغرب هيبةً وإعظاماً لا يجلسون.
وحين قصده خلف بن هشام ليسمع منه وأراد خلف أن يرفعه في المجلس، أبى أحمد وقال: «لا أجلس إلا بين يديك؛ أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه».
جاء رجل إلى باب ابن عُلَيّة ومعه كتب هُشيم، فجعل يُلقيها على أحمد وهو يقول أسانيدها من حفظه.
وجاء أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة فاجتهد أن يرفعه أبوه فأبى، وقال: لا أجلس إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه.
الباب السابع: في ذكر إقباله على العلم واشتغاله به.
كان أحمد رضي الله عنه شديد الإقبال على العلم، سافر في طلبه السفر البعيد، ووفّر على تحصيله الزمان الطويل، ولم يتشاغل بكسب يقطعه ولا تزوج إلا بعد أن جاوز الأربعين من عمره حفظاً لوقته، كما حُكي عن المروذي أن أبا عبد الله لم يتزوج إلا بعد الأربعين.
وكان يرى أن الضبط لا ينال إلا بالمبالغة في جمع الطرق، فيقول: «نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة وجوه لم نضبطه، فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد؟!».
وقد حوى من الدواوين ما بلغ ألف ألف حديث كتبها بيده وسبر متونها وأسانيدها. فروي صالح بن أحمد عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: كتبتُ بخطي ألف ألف حديث، سوى ما كُتب لي.
الباب الثامن: في ذكر حفظه وقدر ما كان يحفظ.
كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل لأبي زرعة الرازي: وما يدريك؟ فقال: ذاكرته فأخذتُ عليه الأبواب.
وبلغت كتبه اثني عشر حملاً لم يكن يكتب على ظهر جزء منها ولا بطنه تسمية الشيخ المسموع منه، بل كان يقرأ الأحاديث ويقول عن ظهر قلب: حدثنا فلان وحدثنا فلان. سُئل عمرو بن أبي زُرعة: يا أبا زُرعة أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل؟ فقال: بل أحمد بن حنبل، قيل: وكيف علمتَ ذلك؟ قال: وجدت كتب أحمد بن حنبل ليس في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدِّثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممن سمعه، وأنا لا أقدر على هذا.
وكان يقف مع وكيع بن الجراح بباب داره بعد صلاة العشاء يذاكره بحديث سفيان الثوري ورجاله حديثاً حديثاً حتى يطلع الفجر. وكان يقول لابنه عبد الله: «خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع المصنفة، فإن شئت أن تسألني عن المتن حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك بالمتن».
وأراد الحسن بن مُنبّه أن يُخرج عليه حديث سفيان مختلطًا بحديث آخر، فتعرّف أحمد اختلاطه وأخرج له حديث سفيان بحديث سفيان فقط، ليس على حديث فلان حديث فلان، فتعجب أبو زُرعة من ذلك وقال: فجهدتُ في عمري أن أقدر على شيء مثل هذا فلم أقدر.
الباب التاسع: في بيان غزارة علمه وقوة فهمه وفقهه.
لم يكن حفظه مجرداً للروايات، بل كان مقروناً بالغوص على المعاني ودقيق الفقه؛ وشهد إبراهيم الحربي بأن الله جمع له علم الأولين والآخرين.
وقال أبي الوفاء بن عقيل على رد مقالة من زعم أن أحمد محدث لا فقيه؛ مبيناً أنه تفرد بمسائل غاص فيها على نكت الأصول ومقاصد الشريعة. ومن ذلك: منعه من قسمة الدين إذا كان في ذمة شخص واحد لعدم انقسام المحل وتفرقتها عما إذا كان في ذمتين، وفتواه فيمن نذر الطواف على أربع أن يطوف طوافين برجليه صيانةً للآدمية وحرمة المسجد الحرام عن التشبه بالبهائم، وإلزامه ببيع الجارية المغنية ساذجة صيانة للمال الشرعي وإهداراً لقيمة الغناء المحرم، وتفريقه في غسل السمسم المبلول إذا ماتت فيه فأرة بأن البلل السابق يمنع نفوذ الماء المطهر.
الباب العاشر: في ذكر ثناء مشايخه عليه
يقول ابن الجوزي في مطلع الباب: "اعلم أن مخايل الإنسان تبين في صباه، ويتلمح في بدء أمره منتهاه، وقد كانت مخايل العلم والتقى تظهر على أحمد في بدايته، ولذلك أثنى عليه مشايخه وقدَّموه".
كان أحمد بن حنبل إذا جاء إلى المحدِّث استأذن لأصحاب الحديث حتى يسمعوا بسببه، تواضعًا وإيثارًا لهم.
ومِن مَن أثنى عليه:
- فقال يزيد بن هارون حين تنحنح أحمد في مجلسه كافاً عن المزاح: «ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح؟!» وكان يعظمه ويرجع إلى قوله في المسائل.
- وكان إسماعيل ابن علية يقدمه للصلاة ويغضب إن وقع ضحك في مجلسه وأحمد حاضر.
- وقال عبد الرزاق الصنعاني: «ما رأيت أفقه من أحمد ولا أورع، وما قدم علينا مثله».
- وقال وكيع بن الجراح وحفص بن غياث: «ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى».
- وقال عبد الرحمن بن مهدي: «ما نظرت إليه إلا تذكرت سفيان الثوري، وهو أعلم الناس بحديثه».
- وقال يحيى بن سعيد القطان: «ما قدم علي من بغداد أحد أحب إلي من أحمد بن حنبل».
وتتابعت شهادات أبي عاصم النبيل، وسليمان بن حرب، وعفان بن مسلم، والهيثم بن جميل بإمامته وحجته على أهل زمانه.
الباب الحادي عشر: في ذكر من حدَّث عنه من مشايخه ومن الأكابر
بيّن ابن الجوزي علو مرتبة الإمام برواية شيوخه وأكابر المحدثين عنه في حياته؛ فحدث عنه من الشيوخ: وكيع بن الجراح، وعبد الرزاق بن همام، وإسماعيل ابن علية، وأبو الوليد الطيالسي، ومحمد بن إدريس الشافعي.
وتحديث هؤلاء الأئمة الأعلام عنه وهم شيوخه شاهد قطعي على تقدمه في الرواية، ورسوخه في التثبت، واعتماد الأكابر على نقده ومروياته.
الباب الثاني عشر: في ذكر من حدَّث عن أحمد على الإطلاق من الشيوخ والأصحاب
استوعب هذا الباب ذكر من روى عن الإمام من سائر الطبقات والبلدان، وفي طليعتهم أئمة الدواوين الستة والسنن؛ كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
كما حدث عنه أئمة الجرح والتعديل ونقاد الآثار؛ كأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وبقي بن مخلد، وإبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، إلى جانب خيرة أصحابه المدونين لمسائله كابنيه صالح وعبد الله، وأبي بكر الأثرم، وأبي بكر المروذي، وحنبل بن إسحاق.
الباب الثالث عشر: في ذكر ثناء نظرائه وأقرانه ومقاربيه في السن عليه.
تضافرت شهادات أقرانه العارفين بمنزلته في الحفظ والورع؛ فنقل ابن الجوزي أقوال يحيى بن معين في تقديمه وإكباره وتصريحه بأنه لا يقاس بأحمد أحد في زمانه.
وقال علي بن المديني: «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل».
وشهد له إسحاق بن راهويه بأنه حجة بين الله وبين خلقه في أرضه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: «انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه».
ووازى بشر بن الحارث الحافي بين ثبات أحمد في المحنة وبين مقامات الصديقين، معترفاً بعلو درجته في الثبات على الحق.
قال الشافعي: "خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحدًا أورعَ ولا أتقى ولا أفقه -وأظنه قال- ولا أعلمَ من أحمد بن حنبل". وقال أيضًا: "ثلاثة من عجائب الزمان من العلماء: عربيّ لا يُعرب كلمة وهو أبو ثَور، وأعجميّ لا يُخطئ في كلمة وهو الحسن الزَّعفراني، وصغيرٌ كلما قال شيئًا صدَّقه الكبار وهو أحمد بن حنبل". وقال عند قدومه إلى مصر من العراق: "ما خلَّفتُ بالعراق أحدًا يشبه أحمد بن حنبل". وقال أيضًا: "ما رأيتُ أعقل من رجلين: أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي".
وروي عن أبو ثور، وأبو يعقوب البُويطي، والحسن بن محمد الصباح، ونصر بن علي، وأحمد بن الحجاج، وعمرو بن محمد الناقد وآخرون، جميعهم وردت عنهم شهادات مماثلة تصف أحمد بن حنبل بأنه إمام أهل زمانه وأفقههم وأعلمهم بالتوري، وأن حبه علامة السنة وأن مخالفته علامة البدعة، وأن مقامه في المحنة يوم يُجمَع، وأنه من لو قصده رجل من أي ناحية من الدنيا لقالوا: أحمد بن حنبل رجل صالح، فهذا إجماع.
الباب الرابع عشر: في ذكر ثناء كبار أتباعه بما عرفوه منه في صحبته.
خُصّ هذا الباب بشهادات تلاميذه المقرَّبين الذين لازموه وعرفوا سيرته الخاصة عن قرب؛ فنقل عن أبي بكر المروذي، وحنبل بن إسحاق، والميموني، وصالح وعبد الله ابنَي الإمام ما عايشوه من خلقه، وشدة خوفه من الله، وملازمة الصمت إلا في علم، ودقة ورعه في مطعمه وملبسه. وأكدوا أنه كان أبعد الناس عن حب الرياسة، شديد الإعراض عن الدنيا ومخالطة السلاطين، قائماً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم.
الباب العشرون: اعتقاده في الأصول.
هذا الباب من أهم أبواب الكتاب علميًّا، إذ يورد ابن الجوزي نصوص أحمد ورسائله في تقرير معاقد أصول السنة ومباينة أهل البدع؛ وخلاصتها:
١ - الإيمان بصفات الله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة، وتمريرها على ظاهرها بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل، والامتناع عن الخوض في تأويلات المتكلمين. قال أحمد: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، البِرّ كله من الإيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان".
٢ - الجزم بأن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وتضليل من زعم خلقه أو وقف فيه. فسُئل أحمد عمّن يقول القرآن مخلوق فقال: "كافر". وسئل عن اللفظ بالقرآن فقال: "من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: القرآن غير مخلوق ولفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي". وسئل: "أيصلَّى خلف من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟" فقال: "لا يصلَّى خلفه ولا يُجالس ولا يُكلَّم ولا يُصلَّى عليه". وسُئل عن الفرق بين الواقفة واللفظية فقال: "الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء".
٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره، وبأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
٤ - إثبات خلافة الخلفاء الراشدين على ترتيب فضيلتهم (أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي)، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، والترحم عليهم أجمعين.
قال أحمد: الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، لم يختلفوا في ذلك، ثم بعدهم علي والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأصحاب الشورى الخمسة، وكلهم يصلح للخلافة وكلهم إمام، مستدلًّا بحديث ابن عمر: "كنا نعدُّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت".
ثم يفضَّل أهل بدر من المهاجرين ثم الأنصار، ثم أفضل الناس القرن الذين بُعث فيهم النبي كلٌّ بحسب صحبته، ومن انتقص أحدًا من أصحاب رسول الله أو أبغضه لحدث كان منه أو ذكر مساويه كان مبتدعًا.
وسُئل أحمد عمن يقدِّم عليًّا على عثمان فقال: "هذا أهل أن يُبدَّع، أهل أصحاب رسول الله قدَّموا عثمان رضي الله عنه".
٥ - لزوم الجماعة والسمع والطاعة لأئمة المسلمين في المعروف، والجهاد معهم ماضياً.
٦ - النهي الصارم عن مجالسة أهل الأهواء والبدع، والتحذير من كتب أهل الرأي ومناظرات المتكلمين، ولزوم الأثر والاقتداء بهدي السلف الصالح.
الباب الحادي والعشرون: تمسكه بالسنة والأثر.
كان أحمد شديد الاتباع للآثار حتى استأذن زوجته أن يتسرَّى فأذنت له فاشترى جارية تبركًا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وسُئل: من مات على الإسلام والسنة مات على خير؟ فسكت المسؤول ثم قال أحمد: "من مات على الإسلام والسنة فقد مات على الخير كله".
قال أبو الفضل الزُّبيدي: سمعت أحمد بن حنبل يقول -وقد أقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر فرحًا إليها-: "هذه سُرج الإسلام".
وسُئل أحمد عن الأبدال، فسكت ساعة وقال: "إن لم يكن أهل الحديث فلا أدري".
وقال أحمد: "من رَدَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة".
ورأى أحمد أصحاب الحديث وقد خرجوا من عند محدث والمحابر بأيديهم فقال: "إن لم يكونوا هؤلاء الناس، فلا أدري من الناس".
الباب الثاني والعشرون: تعظيمه لأهل السنة والنقل.
عظّم الإمام أحمد حملة الآثار ورواة السنن تعظيماً بالغاً، ورأى في توقيرهم حفظاً لبيضة الإسلام وصيانةً للشريعة؛ وكان يقول: «إن لم يكن أصحاب الحديث هم الطائفة المنصورة فلا أدري من هم».
وكان يذب عن أعراض أئمة النقل، ويثني على معاصريه من أهل الأثر كإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي عبيد، ويعتبر محبة أهل الحديث دليلاً قاطعاً على رسوخ الإيمان وسلامة الاتباع، وشناعة بغضهم أمارة على الزيغ والابتداع.
الباب الثالث والعشرون: إعراضه عن أهل البدع وقدحه فيهم.
اشتد نكير الإمام على أهل الأهواء والبدع من الجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والرافضة، والمرجئة، محذراً من مجالستهم، ومساءلتهم، وسماع كلامهم، أو النظر في كتبهم.
وبلغ من حسمه في مباينتهم أنه نهى عن مناظرتهم ولو لرد شبههم؛ وحين استأذنه الحارث المحاسبي في التصنيف للرد عليهم زجره قائلاً: «ويحك! ألست تحكي شبهتهم ثم ترد عليهم؟ أليس يدعو ذلك الناس إلى النظر في الشبهة والتفكر فيها؟».
وكان يأمر بهجران أهل البدع، والامتناع عن عيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم زجراً لهم وصيانةً لقلوب العامة.
فروى صالح بن أحمد أن الجزامي جاء إلى أبيه، وكان قد ذهب إلى ابن أبي دؤاد، فلما خرج إليه أحمد أغلق الباب في وجهه ودخل.
وسُئل أحمد: أرى رجلًا مع أهل السنة من أهل البدع، أُترك كلامه؟ فقال: "لا، إلا أن تعلم أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه وإلا فالحقه به".
وقال ابن الجوزي: "كان الإمام أحمد شديد التمسك بالسنة والنهي عن البدعة يتكلم في جماعة من الأخيار إذا صدر منهم ما يخالف السنة، وكلامه ذلك محمول على النصيحة للدين".
الباب الرابع والعشرون: تبركه واستشفاؤه بالقرآن وماء زمزم وشعر الرسول.
تواترت الأخبار عن شدة تعظيم الإمام لآثار رسول الله ﷺ والاستشفاء بها؛ فكان يمسك بالشعرات الشريفة التي ورثها ويضعها على عينيه ويقبلها، وربما غمسها في الماء فشربه طلباً للشفاء.
وكان يتبرك بالشرب من قصعة النبي ﷺ التي كانت بالمدينة، كما كان يكثر من الاستشفاء بماء زمزم يمسح به وجهه ويديه.
وجوّز أحمد كتابة القرآن والآيات الكريمة في إناء نظيف بالزعفران ليُغسل بالماء ويشربه المريض أو تُسقاه المرأة عند عسر ولادتها تبركاً بكلام الله واستشفاءً به.
فقد كان صالح بن أحمد يأخذ قدحًا فيه ماء فيقرأ فيه ثم يقول لأبيه: اشرب منه واغسل وجهك ويديك.
وروى عبد الله بن أحمد: أنه رأى أباه يأخذ شَعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها في فيه ويُقبِّلها، ويضعها على عينيه ويغمسها في الماء ثم يشرب به يستشفي، ورآه يأخذ قصعة النبي فغسلها في حُبٍّ ثم شرب من الماء فيها، ورآه غير مرة يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.
الباب الخامس والعشرون: الوقت الذي ابتدأ فيه بالتحديث والفتوى.
أمسك الإمام عن الجلوس للتحديث العام والتصدر للفتيا الرسمية توقراً ومهابة حتى استوفى سن الأربعين، وذلك في سنة أربع ومئتين للهجرة اتباعاً للسنة المأثورة في بلوغ الأشد؛ على الرغم من بلوغه رتبة الإمامة واستجماع شروط النظر قبل ذلك بشهادة شيوخه.
فلما مات شيوخه الكبار ودعت الحاجة إلى علمه، تصدر بمجلسه الشهير بجامع الرصافة ببغداد، فجلس للناس يبث الآثار ويفصل في المسائل.
إلا أنه كان يفتي في شبابه في بعض الأوقات ويُحدِّث إذا سُئل ولا يعتبر ذلك. فقد رآه نوح بن حبيب القومسي في مسجد الخيف سنة ثمانٍ وتسعين ومئة مستندًا إلى المنارة، وجاءه أصحاب الحديث يعلمهم الفقه والحديث ويُفتي الناس في المناسك.
الباب السادس والعشرون: بذله للعلم واحتسابه في ذلك.
اتسم مجلس الإمام أحمد بالبذل التام لوجه الله، فلم يقبل على تعليمه أجراً، ولم يبتغِ به جاهاً ولا تقرباً من سلطان أو وجيه. وكان يسوي بين الناس في مجلسه؛ بل كان يقرب الضعفاء والغرباء والفقراء ويكرمهم.
ورفض الخروج للتحديث في دور الأعيان والأمراء صيانةً لهيبة الحديث الشريف، متمثلاً قاعدة: «العلم يُؤتى ولا يأتي»، محتسباً تعبه ونصبه في إفادة الطلاب وإملائهم في شدة الحر وقسوة البرد.
الباب السابع والعشرون: مصنفاته.
كان أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يُكتب عنه كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، فكانت تصانيفه المنقولة كتاب "المسند" الذي احتوى على زهاء ثلاثين ألف حديث، انتقاها من بين سبعمئة وخمسين ألف حديث مسموعة، وكان يقول لابنه عبد الله: "احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا"، و"التفسير" وهو مئة وعشرون ألفًا، الذي كان سفراً جليلاً مستوعباً، و"الناسخ والمنسوخ"، و"التاريخ"، و"حديث شعبة"، و"المقدَّم والمؤخَّر في القرآن"، و"جوابات القرآن"، و"المناسك الكبير"، و"الصغير"، وكتاب «الأشربة»، وكتاب «الإيمان»، ورسالة «الرد على الزنادقة والجهمية»، وكتاب «المناسك»، وغيرها من المصنفات المسندة.
الباب الثامن والعشرون: كراهيته وضع الكتب المشتملة على الرأي.
كره الإمام أحمد وضع الكتب التي تعتمد على القياس والتفريع العقلي المجرد بعيداً عن صريح الآثار.
وكان يحث تلاميذه على الاقتصار على نصوص الكتاب وسنن المصطفى ﷺ وفتاوى الصحابة والتابعين، معللاً ذلك بأن الاشتغال بكتب الرأي يورث قسوة القلب، ويصرف الهمم عن تتبع السنن وحفظها، ويفتح أبواب الخصومات والجدل المذموم في الدين
قال أحمد لعثمان بن سعيد: "لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع سفيان وإسحاق، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل".
وسُئل أحمد: أيكتب أصحاب الحديث كتب الشافعي؟ فقال: "لا أرى لهم ذلك".
وسُئل أحمد بن حنبل عن كتب أبي ثور فقال: "كتاب ابتدع فهو بدعة، ولم يعجبني وضع الكتب، وعليكم بالحديث".
وسُئل: أكتب كتب الرأي؟ فقال: "لا"، قيل: فابن المبارك قد كتبها! فقال: "ابن المبارك لم ينزل من السماء، إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق".
الباب التاسع والعشرون: نهيه أن يُكتب كلامه أو يُروى وكراهيته لذلك
كان الإمام ينهى أصحابه نهياً جازماً عن تدوين فتاواه ورأيه في المسائل أو روايته عنه، خوفاً من أن يُتخذ كلامه أصلاً يُستند إليه دون الحديث، وكان يقول للأثرم والمروذي وغيرهما: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا».
غير أن أصحابه قيدوا أجوبته لمعرفتهم بأن فتاواه صادرة عن التمسك المحض بالأثر لا عن الرأي والهوى، وقدَّر الله أن دُوِّن كلامه ورُتِّب وشاع.
الباب الثلاثون: كلامه في الإخلاص والرياء وستر التعبد.
عُرف أحمد بالتحري التام للإخلاص والخوف الشديد من شوائب الرياء وشهرة المنزلة. قال أحمد: "إظهار المِحبَرَة من الرياء". وسمعه رجل ذكر له الصدق والإخلاص فقال أبو عبد الله: "بهذا ارتفع القوم".
وكان يتمنى خمول الذكر ويقول: «أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أُعرف، قد بُليت بالشهرة، إني لأتمنى الموت صباحاً ومساءً».
وكان يبالغ في كتمان عباداته، وإخفاء قيامه وصيامه ونوافله، ويحث على مجاهدة النيات، مؤكداً أن حقيقة التقوى تكمن في طهارة الباطن واستواء السر والعلانية عند العبد. كان رجل مع أبي عبد الله نحوًا من أربعة أشهر بالعسكر، فما يدع قيام الليل وقراءة النهار، فما علمتُ بختمة ختمها، وكان يُسرُّ ذلك.
وسُئل أحمد عن الحب في الله فقال: "أن لا تحبه لطمع دنيا".
الباب الحادي والثلاثون: كلامه في الزهد والرقائق.
ساق ابن الجوزي درر كلام الإمام في حقائق الزهد؛ وكانت مواعظه تدور حول قصر الأمل، وسرعة انقضاء الدنيا، واستشعار قرب الموت، والاستعداد ليوم العرض الأكبر، مؤكداً أن راحة القلب وسعادته تكونان في تفريغه من التعلق بالمتاع الفاني.
قال أحمد: "كل شيء من الخير بادر به". شاور أحمد رجلًا في الخروج إلى الثغر (الجهاد) فقال له: "بادر بادر".
سُئل أحمد عن التوكل فقال: "هو قطع الاستشراف عن الخلق"، فلما سُئل عن حجته فيه قصَّ قصة الخليل إبراهيم لما وُضع في المنجنيق فقال له جبريل: ألك حاجة؟ فقال: "أما إليك فلا"، فقال جبريل: "فسَل من له إليه الحاجة"، فقال: "حسبي من سؤالي علمه بحالي".
سُئل أحمد عن الفتوة فقال: "ترك ما تهوى لما تخشى".
قال أحمد: "ما أعدل بفضل الفقر شيئًا".
وسُئل أحمد بن حنبل عن قدر عيش الإنسان: "خمسين سنة، ستين سنة"، وقال: "ما شَبَّهتُ الشباب إلا بشيء كان في كُمي فسقط"، وقال: "ما قَلَّ من الدنيا كان أقلَّ للحساب".
وأوصى علي بن المديني أحمد بن حنبل بشيء فقال: "نعم، اجعل التقوى زادك".
الباب الثاني والثلاثون: كلامه في فنون مختلفة.
أبرز الباب شمولية معارف الإمام أحمد واطلاعه الواسع على علوم اللسان؛ فكان يتكلم في دقيق دقائق النحو، وغريب اللغة، وتفسير الأمثال، والتواريخ، وتراجم الرجال، وتعبير الرؤى.
وتدل استشهاداته وحكمه على نضج فكري ومعرفي متبحر، يثبت أن انكبابه على الأثر لم يكن عن قصور في فهم سائر العلوم وفنون الأدب.
الباب الثالث والثلاثون: ما أنشده من الشعر أو نُسب إليه
أورد ابن الجوزي الأبيات التي كان الإمام يتمثل بها في مواعظه وأوقات خلوته، لاسيما قصائد الزهد والحث على المراقبة؛ ومن أشهرها تمثله بأبيات:
إذا ما خلوتَ الدهر يومًا فلا تقل خلوتُ ولكن قل: عليَّ رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ... ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
الباب الرابع والثلاثون: في ذكر مكاتباته.
استعرض الباب نماذج من رسائل الإمام إلى إخوانه وتلاميذه في الأمصار (كمسدد بن مسرهد وغيره)؛ وهي رسائل تتضمن الوصية بتقوى الله، والاعتصام بالسنة، وبيان عقيدة السلف، ومجانبة البدع والمحدثات، وكلمات التثبيت والمواساة، متسمةً برصانة العبارة، والبعد عن التكلف الإنشائي، والتركيز على النصيحة الخالصة.
وكان أبو عبد الله يكتب عنوان الكتاب "إلى أبي فلان" ويقول: "هو أصوب من أن يكتب: لأبي فلان".
وكتب أحمد إلى سعيد بن يعقوب رسالة تبدأ بـ"بسم الله الرحمن الرحيم... أما بعد، فإن الدنيا داءٌ، والسلطان داءٌ، والعالم طبيبٌ؛ فإذا رأيت الطبيب يجرُّ الداء إلى نفسه فاحذره".
الباب الخامس والثلاثون: صفته وهيئته وسمته.
كان الإمام أحمد رجلاً ربعة، حسن الوجه، معتدل القامة، أسمر البشرة، كث اللحية يغلب عليها البياض وفيها بقايا شَعر أحمر من أثر الحناء؛ إذ كان يخضب لحيته بالحناء أحياناً اتباعاً للسنة.
وكان ناصع الثياب مع خشونتها، دائم الإطراق والتفكر، تلوح عليه مخايل السكينة والوقار، إذا رآه الرائي بهره سمته وهديه الصالح.
الباب السادس والثلاثون: هيبته.
ألبس الله الإمام أحمد مهابة عظيمة ملأت قلوب الناس إجلالاً؛ فكان تلامذته والمحدثون إذا دخلوا عليه جلسوا مطرقي الرؤوس كأن على رؤوسهم الطير.
وكان الأكابر وأصحاب الولايات إذا قابلوا أحمد أخذتهم الرعدة من هيبته؛ وهي هيبة منبعها التقوى وصدق العمل لا مظاهر الجاه الدنيوي والسلطان.
قال محمد بن مسلم: "كنا نهاب أن نُرادَّ أحمد بن حنبل في الشيء أو نُحاجَّه في شيء من الأشياء" يعني لجلالته وهيبة الإسلام الذي رُزقه.
وقال المروذي: "كنا في جوار أحمد -والي الجسر- وكان مذكورًا فيه بذكر السلاطين، فما رأيت أهيب من أحمد بن حنبل، صرت إليه أكلمه في شيء فوقعت عليَّ الرِّعدة حين رأيته من هيبته".
وحُكي أن اللِّصَّ الكلبي طرقه ليلًا خبر صاحب السرِّ، فمن هيبته لم يقرعوا عليه بابه بل قرعوا باب عمه.
وحُكي أن رجلًا سُجن مع أحمد فسلَّم عليه فلم يُجبه هيبةً له.
الباب السابع والثلاثون: في ذكر نظافته وطهارته.
حرص أحمد على كمال النظافة والتطهر؛ فكان كثير التعهد لشاربه، وأظفاره، وموضع السواك، محافظاً على الطهارة في كل أحيانه.
وكان يغسل ثيابه بيده، ويحرص على طيب الرائحة ونظافة المظهر من غير تكلف ولا رياء، مطبقاً سنن الفطرة بحذافيرها.
قال عبد الحميد الميموني: "ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشد تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشِدَّة بياضًا من أحمد بن حنبل".
وكان أبو عبد الله لا يدخل الحمام، وكان إذا احتاج إلى النَّورة تنوَّر في البيت، وأصلحت له مرة غير النَّورة واشتُريت له جِلدة ليده، فكان يُدخل يده فيه ويُنوِّر نفسه.
وقال أبو العباس: "ضُربت لأبي عبد الله نورة ونُوِّرته، فلما بلغ عانته ولِيَها هو" حياءً وحفاظًا على العفة حتى في هذه التفاصيل الخاصة.
الباب الثامن والثلاثون: سهولة أخلاقه وحسن معاشرته.
كان الإمام دمث الأخلاق، لين الجانب، كريم المعاشرة لأهله وإخوانه وزواره، طلق الوجه مبتسماً في وجوه أصحابه دون قهقهة. وكان يصبر على جفاء الغرباء ومن يسأل بحدة، ويجيب بلطف، حريصاً على عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومواساة ذوي الحاجات، متواضعاً لمن يخالطه.
قال محمد بن مسلم: "ما رأيت أحدًا في عصر أحمد ممن رأيت أجمع منه ديانةً وصيانةً وملكًا لنفسه، وطلقًا وفقهًا وعلمًا، وأدب نفس، وكرم خُلق، وثبات قلب، وكرم مجالسة، وأبعد من التَّماوت".
قال علي بن المديني لأحمد بن حنبل: "إني لأُحب أن أصحبك إلى مكة، وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أُملَّك أو تُملَّني" فلما ودَّعه قال: "يا أبا عبد الله، توصيني بشيء؟" فقال: "نعم، الزَمِ التقوى قلبك، وانصُب الآخرة أمامَك".
قال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة، لا يُذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيتُ أحمد بن حنبل يذكر الدنيا قط.
وحكى حفيد ابن المنادي أن أحمد كان من أحيا الناس نفسًا، وأكرمهم وأحسنهم عشرة وأدبًا، كثير الإطراق والغض، معرضًا عن القبيح واللَّغو، لا يُسمع منه إلا المذاكرة بالحديث وذكر الصالحين والزهاد بوقار وسكون.
وذكر المروذي أن أبا عبد الله لا يجهل ولو جُهل عليه، احتمل وحلم، وكان حسن العشرة دائم البشر، لا يمد يده في المجلس، ويُكرم جليسه، ويحب في الله ويُبغض في الله.
وحُكي أن جارًا كان يؤذيه من فوق برج يشرف على منزله بإطلاق الطيور، فتحمَّل ذلك صابرًا حتى برَّ الجار وهدم البرج بنفسه.
وحُكي أن المتوكل أرسل إليه بمال ليفرقه فقبل ثلاثمئة درهم فرَّقها وردَّ الباقي.
الباب التاسع والثلاثون: حلمه وعفوه.
تجلت خصلة الحلم والعفو عند الإمام في أسمى صورها، ولاسيما بعد المحنة؛ إذ أعلن عفوه التام عن كل من ظلمه، ونال من عرضه، أو ضربه بالسياط من الجلادين والمتكلمين، قائلاً: «كل من ذكرني في حل إلا صاحب بدعة، وما ينفعك أن يُعذب أخوك المسلم بسببك؟». وكان يدفع السيئة بالحسنة ويدعو لمن أساء إليه.
وقال أحمد بن حنبل: "أحللت المعتصم من ضربي" يعني الخليفة الذي عذَّبه في المحنة، فسامحه.
وحُكي أن المتوكل الذي سعى بأبي عبد الله إلى السلطان أرسله المتوكل إليه ليقول له مقالة يُحزنه بها فعفا عنه أحمد قائلًا: "لعله يكون له صبيان يحزنهم قتله".
وسأله رجل أن يجعله في حل مما فرَّط بحقه فقال أحمد: "أنت في حل إن لم تعد" فقيل له: تجعله في حل وقد اغتابك؟ فقال: "ألم ترني اشترطتُ عليه؟".
حُكي أن الختلي جادل أبا عبد الله بكلام كثير فلم يردَّ عليه أحمد كلمة، فأخذ نعله وقام وخرج، وأمر السكان أن لا يكلموه، فما زال يصيح حتى خرج مطرودًا إلى العسكر ومات هناك.
وحُكي عن إبراهيم الحربي أن أحمد كان رجلًا كأنه وُفِّق للأدب، مسدَّدًا بالحلم، مُلِيء بالعلم، أتاه رجل يومًا فقال: "عندك كتاب زندقة" فسكت ساعة ثم قال له: "إنما يحرز المؤمن قبره".
الباب الأربعون: ذكر ماله ومعاشه.
لم يمتلك الإمام من حطام الدنيا إلا اليسير؛ وكان قوام عيشه من غلة حوانيت قديمة ورثها عن أبيه ببغداد تؤجر ببضعة دراهم معدودة في الشهر (كانت لا تتجاوز سبعة عشر درهماً في الغالب). سُئل أحمد عن عقار كان يستغله ويسكنه في دار كيف سبيله عنده؟ فقال: "هذا شيء قد ورثته عن أبي، فإن جاءني أحد فصحح أنه له، خرجت له عنه ودفعته إليه".
وكان يكتفي بما تدره عليه، وربما شارط بعض النساجين أو أكرى نفسه في طريقه إلى الحج لينفق على نفسه دون منة من أحد.
الباب الحادي والأربعون: تعففه عن أموال الناس وظلفه نفسه عنها وقطع طمعه منها.
عُرف الإمام بالنزاهة وقطع الطمع من أموال الخلق؛ فرد الصِلات الجزيلة، والأموال الطائلة التي حملها إليه التجار والمحبون في أوقات فاقته ومرضه.
قال إسحاق بن راهويه: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من بعض الجمّالين إلى صنعاء، وعرض أصحابه عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئًا.
وحُكيت قصة رفيق أحمد الذي جاءه بجُبَّة في شدة البرد فرفض أحمد قبولها إلا كإعادة رهن مقابل مبلغ يسير، وأصرّ على ردّها بعد أن استعارها للحاجة الملحّة فقط.
ورفض أموال الخليفة المتوكل وعطاياه رفضاً باتاً، وصبر على خشونة الفقر ومرارة الحاجة، معتبراً أن أخذ أموال السلاطين يورث ذلاً للدين وميلا في الحق.
الباب الثاني والأربعون: كرمه وجوده.
مع ضيق ذات يده، كان الإمام سمح النفس، جواداً بما يجده؛ فإذا فضل عن قوته درهم أو صاع تصدق به على المحتاجين.
وكان يؤثر ضيفه بطعامه ويبيت طاوياً، وربما خلع بعض ثيابه ليتصدق به على سائل يراه مجرداً، متصفاً بالجود والمواساة المستمرة.
حُكي أن أبا سعيد بن أبي حنيفة المؤدب أعطاه أبو عبد الله نصف ما كان عنده يومًا، فلما أطال القعود جاء بأربعة أرغفة فقال: "هذه الأربعة أرغفة أحب إليّ من أربعة آلاف من غيرك".
وحُكي أن نُمير بن محمد شكا إليه فأخرج له أربعة أو خمسة دراهم وقال: "هذا نصف ما أملك"، وفي مرة أخرى أعطاه جميع ما يملك.
وكان أبو عبد الله شديد الحياء كريم الأخلاق، يعجبه السخاء. حُكيت واقعة أبي محمد النَّسائي أن أحمد دعاه يوم عيد فوُجدت مائدة عليها لحم قدَّر عُراق (عظم)، فقال: "كُل"، ولما رأى ما بي من عجب عن قِلَّة الطعام قال ابن سيرين: "إنما وضع الطعام ليؤكل".
الباب الثالث والأربعون: قبوله الهدية ومكافأته عليها.
كان أحمد يحترز احترازاً شديداً في شأن قبول الهدايا؛ فلا يقبلها إلا من مستور الحال من أصحابه وإخوانه الموثوق بصفاء مذهبهم.
فإذا قبل هدية يسيرة كافأ المهدي بمثلها أو بأوفر منها حتى لا يقع في أسر الإحسان والمنة، وكان يرد هدايا العمال، والأمراء، ومجهولي الحال بصورة قاطعة.
أهدى رجل إلى أبي عبد الله خِوان فالوذج (حلوى) لمولود وُلد له، فكافأه أحمد بسكر بدراهم صالحة. وأهدى رجل إليه فاكهة فبعث إليه ثوبًا.
وحُكي أن أبا عبد الله أُهدِى إليه ماء زمزم فأرسل له سويقًا وسكرًا، وأمر بشراء هدية لإنسان قريب بخمسة دراهم.
وأُهدي لأبي عبد الله جوز وزَبيب وتين في قصعة تساوي ثلاثة دراهم أو أقل، فأعطاه أبو عبد الله دينارًا، ثم قال: "اذهب فاشتر بعشرة دراهم سكرًا وسبعة دراهم تمرًا واذهب به إليه في الليل".
الباب الرابع والأربعون: في ذكر زهده.
لم يكن زهد اﻹمام أحمد تصنعاً بل كان انصرافاً عن زخرف الدنيا. فكان يكتفي باليسير في كل شيء، ويقول: «طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنما هي أيام قلائل حتى نلقى الله»؛ مستصغراً شأن الدنيا وما يقتتل عليه أهلها.
قال سليمان بن الأشعث (أبو داود): "ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط".
صلى صالح مع أبيه التراويح وكان يصلي بابن عمير، فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه، وما سمعنا من دعائه شيئًا، وكان في المسجد سراج على الدرجة لم يكن فيه قنديل ولا حصير ولا خَلوق.
وسأل المروزي أباه عن حنبل هل هو إمام؟ فقال: "إي والله، إن أحمد صبر على الفقر سبعين سنة".
حُكي أن إسحاق بن هانئ قال له أبو عبد الله يومًا: "بكِّر تُعارضني بشيء من الزهد" ففعل، فقلت لابنه (وقلت لأم ولده): "أعطني حصيرًا ومخدَّة" فبسطته في الدهليز، فخرج أبو عبد الله ومعه الكتب والمِحبرة، فنظر إلى الحصير والمخدَّة فقال: "ما هذا؟" فقلت: "لتجلس عليه" فقال: "ارفعه؛ الزهد لا يحسن إلا بالزهد" فرفعته وجلس على التراب .
ومن أخبار زهده أن أحمد بن حنبل رأى رجلين يلبسان نعالًا لينة فقال لهما: "ما هذان الرجلان؟ لم لا تمشيان حافيين حتى تصير رجلاكُما خَشِنَتَيْن؟" إشارةً إلى التخفف من الترف حتى في هيئة المشي ولبس النعل.
الباب الخامس والأربعون: صفة بيته وآلاته.
كان منزلاً بسيطاً متهالك الجدران، مفروشاً بحصير بالٍ، وفراش متواضع محشو بالليف، وجرة للماء، وطست للوضوء، وبعض الخزف العادي.
لم تكن في داره آنية نفيسة ولا أثاث فاخر، وبابه مشرع لا حجاب عليه ولا حاجب.
فدخل سُوَيد بن سعيد منزل أحمد بن حنبل فوصفه بأنه بيت صغير مُتواضع، لا يكاد يُشبهه إلا بيت سويد نفسه، خالٍ من الفرش المُترف، ليس فيه إلا حصير بسيط وكساء يُفرش في المجلس.
وذكر عبد الملك بن عبد الحميد أن منزل عبد الله بن أحمد كان بيتًا من طين، له ثلاث قوامٍ من الخشب، وعلى الباب سترٌ مُعلَّق، وعندهم شيء يُعلَّق فيه الأدوية في الأسفار، وكل ذلك يدل على قلة الآلة وتمام القناعة.
الباب السادس والأربعون: مطعمه.
اقتصر طعام الإمام على ما يقيم صلبه؛ فكان معظم طعامه الخبز اليابس بماء أو بخل أو بزيت، وربما أكل التمر أو الحبوب.
وكان لا يذوق اللحم إلا لماماً في فترات متباعدة، ويسرد الصوم ويفطر على رغيف جاف، راضياً صابراً على الجوع.
وما رُئي اشترى رُطَبًا أو تفاحًا أو فاكهة إلا أن تكون بطِّيخًا أو عِنَبًا يسيرًا، وربما اشترى شيئًا من الخضار البسيطة، وكان إذا قُدِّم إليه طعام فيه دسم كثير يعتذر ويقول: "هذا لا يُحبَّه الأمر، هذا لا ينبغي إذا كان هذا يُشبع" مُشيرًا إلى الاقتصاد في الأكل.
وكان يحمد الله عند كل لقمة، حتى قال الراوي: "جعل يقول عند كل لقمة: الحمد لله، ثم قال لي: أكلتُ وحمدتُ خيرٌ من أكلتُ وصَمَتُ".
الباب السابع والأربعون: نفقته بنفسه.
كان اعتدال الإمام وبعده عن الغلو الذي يفضي إلى الانقطاع؛ فكان يراعي حدود الطاقة الإنسانية.
فإذا أجهده السهر أو أصابه المرض ترخص، وإذا ضعف عن الصيام أفطر، محذراً تلاميذه من الرهبانية والتشدد غير المشروع، وداعياً إلى الاقتصاد في العبادة على هدي السنة النبوية.
الباب الثامن والأربعون: لباسه.
كانت أثوابه من القطن الغليظ الكرباسي، متوسطة الطول دون إسبال ودون تقصير يجلب الشهرة.
وكان يلبس الثوب المرقع، ولا يبالي بقدم كسائه إذا كان نظيفاً طاهراً، متجنباً ثياب الشهرة والترف، كما يتجنب ثياب الرثاثة المصطنعة.
رآه بعضهم في الشتاء يلبس جُبَّة ملونة بنيِّّة أو خضراء، وعلى كتفه رداء بسيط، وفي البرد الشديد يلبس الفَرْو فوق الجبَّة، وفي الصيف يلبس قميصًا واحدًا مع إزار مشدود لا يُرى منه إلا قدر الحاجة.
ورُئي أن إزاره قد رُقِّعت فيه خمسة مواضع أو ستة، وأنه كان إذا احتاج إلى إصلاح ثوبه قطع من إزاره رقعة وخاطها، ثم أعاد الإزار إلى حاله، كارهًا شراء الجديد ما دام القديم يُصلَح.
الباب التاسع والأربعون: ورعه.
عاش الإمام محترزاً من الشبهات؛ فكان يتورع عن الاستفادة من ضوء سراج جاره، أو الاستظلال بجدار من لا يرتضي دينه أو ماله.
وامتنع من تناول طعام ولده صالح حين تولى القضاء بأصبهان، وقاطع مطبخه بالكلية. وكان يزن الدراهم بأمانة بالغة، متقياً أدنى غبش يمس صفاء كسبه.
وروى أبو يعقوب أن رجلًا من أهل بغداد عرض على أحمد بن حنبل مالًا كثيرًا ليُنفقه في الفقراء، فسأله أحمد عن مصدره، فلما علم أن المتوكل قسمه له من مالٍ ربما فيه شبهة قال: "لا آخذ منه شيئًا، لا أقدر أن أنظر إلى من أفترى على الله وكذب عليه" وبيَّن أن الورع يقتضي السلامة من مال السلاطين.
وحُكي أن رجلًا أهدى لأحمد قلادة فيها ذهب، ففحص عن صاحبها، فلما تبين أنها من رجل غريب ردَّها ولم يقبلها، وقرر أن لا يأكل شيئًا إلا من مالٍ يعرفه، ولا يلبس إلا من رزقٍ مُتحقَّق الحِلّ.
الباب الخمسون: إعراضه عن الولايات.
فر الإمام أحمد من مناصب القضاء، والولايات، والديوان فراراً تاماً. وحين حاولت الخلافة حمله على تولي أعمال الحسبة أو القضاء، بكى، واعتصم بالله، وأبى بحسم؛ معتبراً أن سلامة الدين تقتضي البعد عن مخالطة السلطان ومواطن القضاء بين الناس.
ذكر ابن الجوزي أن الشافعي لما دخل على هارون الرشيد خاطبه في أمر القضاء، فذكر له أحمد بن حنبل وقال: "إنّي خلفتُ ببغداد رجلًا إنْ أمره أمير المؤمنين بالقضاء لأقامه" وأثنى عليه بعلمه وديانته.
فلما رجع الشافعي إلى بغداد وأخبر أحمد بهذا قال أحمد: "إن الشافعي لو وُلِّي القضاء لكان قاضيًا على الناس، وأنا لو وُلّيتُ ذلك لكان القضاء عليَّ" إشارةً إلى خوفه من التعرّض للولايات وما فيها من التبعات، فكان يعرض عنها ويُحب الخمول.
وروي أن بعض الولاة عرض عليه أن يتولى قضاء اليمن أو بغداد فامتنع، وقال: "إن أحبّ شيء لي أن أخرج من البلد" إذا فُرض عليه مثل هذا العمل.
الباب الحادي والخمسون: حبه للفقر والفقراء.
كان أبو عبد الله يحب الفقراء ويُجلّهم، حتى قال الراوي عنه: "ما أعدل بالفقر شيئًا، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء".
زاره رجل فقير مريض فقال له أحمد: "اذهب إليه، أي شيء تعمل لك؟" فأرسل إليه طِبًّا وسأل عنه.
وكان يذكر الفضل بن عياض وغيره من الزهاد، ويقول عن نفسه: "ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا" ويستشهد بحاله الطويل في ضيق ذات اليد.
وكان إذا سُئل عن الصبر على الفقر يقول: "الصبر على الفقر هو شيء يُعطيه الله لمن شاء من عباده" ويُحذِّر من طلب الدنيا.
الباب الثاني والخمسون: تواضعه.
كان الإمام أحمد آية في خفض الجناح ولين الجانب وهضم النفس؛ لا يرى لنفسه فضلاً على أحد من المسلمين. وإذا ذُكر بالصلاح أو أُثني عليه بحضرته تغيّر وجهه وأطرق حياءً، وحين قال له بعض أصحابه: «يا أبا عبد الله، ما أكثر الداعين لك!»، اغرورقت عيناه بالدموع وقال مشفقاً: «أخاف أن يكون هذا استدراجاً، أسأل الله أن يجعلنا خيراً مما يظنون، ويغفر لنا ما لا يعلمون». وكان يجلس بين المساكين والغرباء كأحدهم، ولا يدع أحداً يقبل يده أو يتمسح به، وينهى عن التزلف له، ويشتري حاجته وطعامه من السوق ويحمله بيده في مخلاة، فإذا نازعه تلميذ أو صاحب ليحمله عنه أبى وقال: «صاحب الشيء أحق بحمله».
الباب الثالث والخمسون: في ذكر إجابته الدعوة وخروجه لرؤية المنكر.
كان الإمام يجيب دعوة من دعاه من إخوانه وأصحابه والفقراء دون تمييز بين غني ومسكين، عملاً بالسنة ومراعاةً لخواطر المسلمين.
غير أن إجابته كانت مشروطة بالسلامة من البدع والمنكرات؛ فإذا حضر وليمة أو دعوة فرأى فيها منكراً؛ كآنية الفضة، أو سترٍ فيه تصاوير، أو آلات لهو، لم يقعد، بل ينكر المنكر بحسب استطاعته، فإن أُزيل وإلا انصرف وترك المكان. وكان يخرج بنفسه إذا بلغه منكر ظاهر في جواره ليغيره بحكمة وثبات، لا يبالي في تغيير المنكر وإقامة السنة بلومة لائم.
الباب الرابع والخمسون: في ذكر إيثاره العزلة والوحدة.
آثر الإمام الانفراد والخلوة، ووجد في العزلة صيانةً لدينه وسلامةً لقلبه من آفات الخلطة والفضول. وكان يغلق بابه دونه إذا فرغ من إقراء الحديث ونشر العلم، ويقول: «العزلة أروح للقلب وأسلم للدين». وكان يتنفس الصعداء متمنياً الانقطاع عن أعين الناس ويقول: «وددت أني في شعب بمكة لا أعرف ولا يدرى أين أنا، قد بليت بالناس وبلي الناس بي»؛ فلم تكن خلطته إلا في جمعة، أو جماعة، أو عيادة مريض، أو تشييع جنازة، أو مجالس بث الآثار.
الباب الخامس والخمسون: في ذكر إيثاره خمول الذكر واجتهاده في ستر الحال.
بالغ الإمام في الهروب من الصيت وإخفاء أحواله ومقاماته التعبدية؛ فكان يكره كراهية شديدة أن يشار إليه بالأصابع أو يعقد عليه مجلس للتعظيم.
وكان إذا مشى ورأى أحداً يتبعه يلتفت إليه ويزجره قائلاً: «لا تمشوا خلفي، فإن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع».
وكان يجتهد في كتمان نوافله وصيامه؛ فإذا جلس يقرأ في المصحف ودخل عليه داخل غطاه بطرف كسائه أو بشتِه لئلا يُعلم ورده وتعبده، مؤثراً أن يكون عمله سراً بينه وبين ربه لا يطّلع عليه أحد من الخلق.
الباب السادس والخمسون: خوفه من الله عز وجل.
استولى الخوف من الله تعالى والوجل من هيبة جلاله على قلب الإمام أحمد؛ فكان دائم الإشفاق من هول المطلع وعقبات القيامة، وكان إذا دعا له رجل يقول: "الأعمال بخواتيمها" ويكثر من قول "اللهم سلِّم سلِّم"؛ حتى قال الراوي: ما سمعته يدعو بدعاء أكثر من هذه الكلمة.
وكان إذا خلا في بيته أخذته الرعدة وسُمع نحيبه وبكاؤه وراء الباب، ولاسيما إذا تمثل بالأبيات الموقظة للقلوب، كقول القائل:
إذا ما قال لي ربي ... أما استحييت تعصيني
وتخفي الذنب عن خلقي ... وبالعصيان تأتيني
فيبكي بكاءً مراً حتى يكاد ينصدع قلبه خشيةً من ذنوبه وتقصيره، وكان يقول: «الخوف أزعج قلبي عن استطابة العيش، وإذا ذكرت الموت هان علي كل ما في الدنيا».
وكان يقول: "الخوف يعمّني من الطعام والشراب وما أشتهي شيئًا إلا أخافه" إشارةً إلى أن خوفه من الله تعالى قد سرى في جميع شؤون حياته.
الباب السابع والخمسون: غلبة الفكر والهم على قلبه
غلب عليه الهمُّ والفكر حتى كان لا يشتهي موضعًا يكون فيه أحد من الناس، ويقول: "ما لا يكون فيه أحد من الناس أحب إليَّ".
فكان الرائي له يخاله أصيب بمصيبة أو خرج من عزاء من فرط إطراقه ودوام فكرته. وكان فكره مشتغلاً بسلامة دينه، وما يؤول إليه أمره عند القدوم على ربه، والهم لما أصاب المسلمين والسنة من البدع والمحن.
وكان قليل الضحك، نادر المزاح، كثير الصمت، إذا نطق فإنما ينطق بآية أو حديث أو مسألة علمية أو حكمة زاهدة تزكي النفوس.
ورأى ابن حنبل أنه لا يُحب أن يراه الناس ولا أن يرى أحدًا، واشتد عليه ذكر ما عليه من تبعات العلم والدين، حتى إذا سئل: كيف أصبحت؟ قال: "كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض والسنّة، ويطالب نفسه بالتصحيح، ويطالب الملك بالموت، ويطالب بقَبض الروح، ويطالب بالجنة؟".
فكان همّه مُستغرقًا في محاسبة نفسه بين يدي الله تعالى.
الباب الثامن والخمسون: تعبُّده.
كان أحمد بن حنبل من أشد الناس زهدًا واجتهادًا في العبادة، يُصلي من الليل ويقرأ القرآن بكثرة، حتى قال عبد الله بن أحمد: "كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة، فلما ضُرب ومرض صارت مئة وخمسين، ثم لما كبر صارت مئة". فلما نزل به البلاء وضُرب بالسياط في المحنة حتى أثخنته الجراح وضعف بدنه، نقصها فصار يصلي مئة وخمسين ركعة لا يدعها.
وكان يصوم النهار ويجعل إفطاره بعد العشاء الآخرة، ثم يقوم من نومٍ خفيف فيتهجّد حتى يطلع الفجر، وما رأته ليلةً واحدةً قط مقصِّرًا عن العبادة.
وكان يكثر قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، ويُصلّي بعد الجمعة ركعات تطوعًا، ويُحافظ على قيام الليل وقراءة القرآن بين الصلاتين.
وكان دائم الذكر؛ لا يكلم أحداً بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس إلا لحاجة ضرورية تعبداً واشتغالاً بالأوراد.
الباب التاسع والخمسون: عدد حجاته.
حج الإمام أحمد خمس حجج؛ منها ثلاث حجات خرج فيها ماشياً على قدميه من بغداد إلى مكة لقصر نفقته ومحبته للأجر والجهاد في الطاعة. روي أن عبد الله بن أحمد قال: "حج أبي خمس حجات، ثلاث حجج ماشِيًا واثنتين راكبًا، وأنفق في بعض حجّاته عشرين درهمًا" وقيل في أخرى ثلاثون درهمًا، دلالةً على شدّة اقتصادِه في النفقة في سبيل الله.
ولقي في مسيره الراجل المشقة الشديدة، حتى إنه أنفق في إحدى حجاته عشرين درهماً فقط.
وفي سفرة أخرى ضلت نفقته بالكلية، فأبى أن يقبل معونة أصحابه أو يستدين من أحد، بل أكرى نفسه جمالاً وحمّالاً ينقل الأمتعة ليطعم من كسب يده وكد يمينه حتى أدى مناسكه ورجع إلى بلده صائناً لنفسه وعلمه.
وأنه كان يأنس بصحبة الفقر والزهد في طريق الحج، ويرى أن أفضل ما يُحمل إلى الله في ذلك السفر هو التوحيد والطاعة لا الزاد والمال.
الباب الستون: دعاؤه ومناجاته.
حفظ أصحاب الإمام عنه صيغاً جامعة في الضراعة والابتهال، تفيض بالذل والافتقار الصادق لرب العالمين؛ ومن مأثور دعائه في سجوده وخلواته: «اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصن وجهي عن المسألة لغيرك»، فيُظهِر تبرّؤه من الالتفات إلى غير الله في الطلب والحاجة.
ويقول: «اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق، فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق».
ودعا بدعاء جامع: "اللهم لا تُشغل قلوبنا بما كُلِّفْنا به، ولا تُحَسِّن لنا في رزقك حَوْلاً، ولا تمنعنا خير ما عندك بشرِّ ما عندنا، ولا نَرَانا حيث تُبغِضنا، ولا تُفْقِدْنا من حيث أمرتنا، إعزازًا ولا ذُلًّا، ولا تُنزلنا بالطاعة، ولا تُنزلنا بالمعصية".
وكان يوصي من يسأله عن الصبر أن يجمع بينه وبين الرجاء مستشهدًا بحديث: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا".
وكان يكثر من الاستغفار وسؤال العافية وحسن الخاتمة، ويدعو بظهر الغيب لإخوانه وشيوخه وأهل السنة، بل دعا بالمغفرة والعفو لكل من ناله بضرب أو أذى في محنته تكرماً وتطهيراً لقلبه من الشحناء.
الباب الحادي والستون: كراماته وإجابة سؤاله.
اشتهر الإمام بإجابة الدعاء وظهور أمارات الصدق والكرامة على يديه؛ فكان الناس يقصدونه في الشدائد يتلمسون دعاءه في كشف الكرب وشفاء المرضى، فلا يدعو لمبتلى أو محموم إلا فرّج الله عنه وبَرئ كأن لم يكن به بأس.
ومن مشهور ما أورده ابن الجوزي في هذا الباب: قصة الجارية المصروعة في دار الخليفة المتوكل؛ حيث أرسل الإمام نعليه مع صاحبه وقال: امضِ إلى دار أمير المؤمنين وقل للجني الصارع: «قال لك أحمد: اخرج من هذه الجارية، وإلا فلك عندي سبعون نعلة»، فلما بلغه ذلك صرخ الجني وقال: «سمعاً وطاعة، لو أمرنا أحمد أن نخرج من العراق لخرجنا، إنه أطاع الله ومن أطاع الله أطاعه كل شيء»، فخرج وبرئت الجارية في الحال.
وكان الإمام يدافع هذه الأمور أشد المدافعة، ويخاف من ذيوعها، ويعدّها امتحاناً يوجب الشكر وستر الحال.
الباب الثاني والستون: عدد زوجاته.
ما تزوج أحمد بن حنبل إلا بعد الأربعين سنة؛ إذ كان منصرف بكليته على الترحال والطلب وملازمة الشيوخ.
ولم يجمع الإمام في عصمته بين امرأتين قط، بل تزوج في حياته امرأتين اثنتين على التعاقب:
الزوجة الأولى: عبّاسة بنت الفضل، وهي امرأة صالحة من بيئة فضل ودين، وهي أم بكره وولده الأكبر صالح.
وقد بقيت معه نحواً من ثلاثين سنة عُرفت فيها بحسن المعاشرة والسكينة وهدوء البال؛ وكان الإمام أحمد يكثر الثناء عليها والاعتراف بفضلها وصبرها معه في الشدة والرخاء، حتى قال في حقها: «أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة، فما اختلفت أنا وهي في كلمة واحدة».
وقد توفيت في حياته، فحزن عليها حزناً ظاهراً ورعاها بالدعاء والوفاء.
الزوجة الثانية: ريحانة بنت عمر، وكانت أيضاً امرأة ديّنة صالحة فاضلة، عُرفت بالطاعة ومراعاة حال الإمام وزهده.
وقد ولدت له ابنه عبد الله الحافظ المحدث، وبقيت في صحبته حتى توفيت في حياته، ولم يتزوج الإمام بعدها حرة.
الباب الثالث والستون: سراريه
بعد وفاة زوجته الثانية ريحانة لم يتزوج حرة، وإنما ملك جارية واحدة فقط اشتراها لتقوم على خدمته وإدارة شؤون منزله تُدعى «حُسْن».
ولم تكن له سرية غيرها قط في سائر عمره؛ حيث كانت هذه الجارية امرأة صالحة، عفيفة، متسترة، حسنة الرعاية لأهل بيته وحرمه، قامت على خدمة الإمام وتعهده في كبر سنه وضعف بدنه بعد المحنة.
وكانت «حُسْن» هذه هي أم سائر أولاده الآخرين؛ إذ أنجبت له توأماً هما الحسن والحسين (وقد ماتا في المهد طفلين)، ثم ولدت له بعد ذلك حسناً، ومحمداً، وسعيداً، وابنته زينب. ولم يتسرّ الإمام بسواها إعراضاً عن الاستكثار من متاع الدنيا، واكتفاءً بما يقيم أود منزله ويحفظ ستره.
الباب الرابع والستون: عدد أولاده.
عدد أولاد الإمام أحمد ثمانية أولاد؛ سبعة من الذكور وأنثى واحدة، وميز بين أمهاتهم على النحو الآتي:
١ - صالح: وهو أكبر أولاده وبه كان يكنى، وأمه الحرة عبّاسة بنت الفضل.
٢ - عبد الله: وهو الحافظ الناقد، وأمه الحرة ريحانة بنت عمر.
٣ و٤ -الحسن والحسين: توأمان ولدتهما سريته حُسْن، وقد توفيا صغيرين في حياة الإمام.
٥ - الحسن: سُمي باسم أخيه المتقدم تخليداً لذكره، وأمه حُسْن.
٦ - محمد: ولدته سريته حُسْن.
٧ - سعيد: وهو أصغر أولاد الإمام على الإطلاق؛ وُلد قبيل وفاة والده بنحو خمسين يوماً، وأمه حُسْن.
٨ - زينب: وهي ابنته الوحيدة، وقد ولدتها أيضاً سريته حُسْن.
فكان للإمام ولدان من حرتين: صالح من أم، وعبد الله من أم، في حين كان سائر الأولاد الستة (خمسة بنين وبنت واحدة) من سريته حُسْن.
الباب الخامس والستون: أخبار أولاده وعقبه.
أفرد ابن الجوزي هذا الباب لبسط سير أولاد الإمام، وتبيان منازلهم العلمية وأخبارهم، ومصائر أعقابهم من بعده:
١ - صالح بن أحمد (أبو الفضل): تفقه بأبيه ولازمه دهراً، وسمع منه الحديث، وروى عنه مسائل فقهية كثيرة تعد من أصول المذهب ورواياته الكبرى، وصنف كتاباً في سيرة والده ومحنته.
وكان رجلاً باراً بأبيه، غير أنه حين ضاقت به سبل العيش وركبه الدين قَبِلَ صلة الخليفة المتوكل وعطاياه، فوقع بينه وبين والده عتاب لطيف؛ إذ تورع الإمام أحمد عن طعامه ومطبخه وقاطع داره احترازاً من مال السلطان.
ثم ولي صالح القضاء ببلدة طرطوس، واستُقضي على أصبهان، فسار في أهلها بسيرة حسنة ظهر فيها عفته وعدله وأمانته في القضاء، حتى أحبه أهل أصبهان وعظموا شأنه، وتوفي بها سنة ست وستين ومئتين للهجرة (266هـ)، وخلف عقباً نبيلاً بأصبهان وبغداد.
٢ - عبد الله بن أحمد (أبو عبد الرحمن): كان حافظاً إماماً متقناً، من جهابذة نقاد الحديث ورجاله.
لازم أباه ملازمة تامة فكان أوعى الناس لحديثه وفتاواه؛ وهو الذي تولى إسماع وإخراج ديوان «المسند» العظيم بعد وفاة أبيه، وألحق به زياداته المشهورة العالية المعروفة بـ «زوائد عبد الله»، كما روى عن أبيه كتب «الزهد» و«العلل ومعرفة الرجال» و«السنة» والمسائل.
وكان الإمام أحمد يقدمه ويعتمد على حفظه ونقده للرواة ويقول له: «يا بني، أنت أعلم بالحديث ورجاله مني، فإذا صح عندك الحديث فأعلمني به حتى آخذ به».
وعاش عبد الله متورعاً صابراً، ولم يقبل صلة السلطان إلا في أواخر عمره لدفع الفاقة والحاجة، وتوفي ببغداد سنة تسعين ومئتين (290هـ)، وعقبه استمر ببغداد وكان منهم علماء وفضلاء.
٣ - سعيد بن أحمد (أبو عثمان): نشأ يتيماً بعد وفاة والده وهو رضيع، فقام أخواه صالح وعبد الله بكفالته والإحسان إليه وتربيته على طلب العلم.
فأخذ الفقه والحديث، واستُقضي على الكوفة، فاشتهر فيها بالنزاهة، والعدل، والفضل، والتمسك بهدي والده وسمته.
٤ - بقية أولاده: أما الحسن والحسين فقد ماتا طفلين، ومات الحسن الآخر ومحمد في ريعان شبابهما، وأما زينب فكانت امرأة صالحة متعبدة تسير على هدي بيت النبوة والسنة.
٥ - عقب الإمام أحمد: بيّن ابن الجوزي أن ذرية الإمام أحمد امتدت وتفرعت من نسلي ولديه صالح وعبد الله في بغداد وأصبهان ومختلف الآفاق الإسلامية؛ وتوارث بنوهم العلم والفضل والحديث والقضاء، حاملين شرف الانتساب إلى إمام أهل السنة.
الباب السادس والستون: في ذكر ابتداء المحنة وسببها.
أصل نشوء المحنة وتجذرها في الدولة العباسية؛ هو القول بخلق القرآن ونفي الصفات الإلهية كانت كامنة في مقالات الجهمية وأرباب الكلام، حتى اتصلت برجال المعتزلة الذين التفوا بالخليفة عبد الله المأمون وقرّبهم إليه.
وكان المأمون قد أخذ مقالات النظر عن أبي الهذيل العلاف ونظرائه، وركن إلى مجالس الجدل والمناظرة، وكان من أخص جلسائه وأعظمهم نفوذاً عنده أحمد بن أبي دؤاد، الذي زين له حمل الكافة على القول بخلق القرآن لتوحيد العقيدة على أصول الاعتزال.
الباب السابع والستون: في ذكر قصته مع المأمون.
لم يكن المأمون في صدر أمره يُكره أحداً على ذلك، حتى كانت سنة ثماني عشرة ومئتين للهجرة (218هـ) وهو بالرقة متوجهاً إلى غزو الروم بطرسوس؛ فعزم على إلزام الناس بالقول بخلق القرآن بسطوة السلطان وقهر السيف.
فكتب كتابه المشهور إلى إسحاق بن إبراهيم الخزاعي نائبه وصاحب شرطته ببغداد، وهو كتاب مطول يفيض بالتشديد والوعيد، يأمره فيه بجمع القضاة والمحدثين وامتحانهم فرداً فرداً في مسألة القرآن، وعزل كل قاضٍ لا يقول بخلقه، وإسقاط شهادة كل محدث لا يوافق مقالة أمير المؤمنين.
فلما ورد الكتاب، عقد إسحاق بن إبراهيم مجالس الامتحان، واستدعى أعيان الفقهاء والمحدثين، فأجاب أكثرهم خوفاً من البطش وسعياً وراء الرخصة.
فكتب إسحاق بأجوبتهم إلى المأمون، فورد كتاب ثانٍ من المأمون أشد عنفاً من الأول، يسفّه فيه أجوبتهم، وينعتهم بالجهل والعمى، ويأمر بحمل من لم يقر إقراراً صريحاً موثقاً في الحديد إليه بالثغر.
فاستدعى إسحاق بقية العلماء والمفتين وكان فيهم أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة؛ فهددهم بالقتل والتقييد، فأجاب سجادة ثم القواريري تحت وطأة التهديد الشديد، وبقي الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على امتناعهما التام، مصرّين على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فأمر إسحاق بشدهما في الحديد وتوجيههما معاً إلى معسكر المأمون بطرسوس.
وفي أثناء مسيرهما، بلغ الإمام أحمد توعد المأمون الشديد وإقسامه بقرابته من رسول الله ﷺ ليضربن عنق أحمد بيده إن لم يجبه إلى خلقه، حتى قال بعض الخدم والحرّاس: «يا أبا عبد الله، إن السيف قد جُرّد، والنطع قد بُسط، والمأمون لم يغضب قط مثل غضبه عليك».
وعند عبورهما بالرحبة أو دير الأنبار، لقيهما أبو جعفر الأنباري، فركب وتخطى الحرس حتى وصل إلى أحمد، فوعظه بموعظة بالغة تركت في نفسه أثراً عميقاً، إذ قال له: «يا أحمد، إنك اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فإن أجبت إلى خلق القرآن أجاب سائر الخلق، وإن صبرت وثبتّ ثبتوا، واعلم أنك إن لم تُقتل فستموت لا محالة، وإن الأجل لا يتقدم، فاتق الله ولا تُجبهم إلى شيء»؛ فبكى أحمد واستعان بالله.
ولما بلغ الركب موضعاً يقال له: «أذنة» قريباً من «البذندون»، نزل أحمد في جوف الليل فتطهر وصلّى ركعات، ثم رفع يديه متضرعاً بالدعاء المشهور: «اللهم سيدي، غَرَّ حلمُك هذا الفاجر حتى تجبر، وقعد يبتغي هدم دينك ونقض سننك، اللهم فإن كان القرآن كلامك غير مخلوق، فاكفنا مؤنته، ولا تُرِني وجهه، ولا ترِهِ وجهي». وما كاد الصباح يسفر حتى جاءت الأخبار بموت المأمون فجأة بالبذندون بعد أن أكل رطباً وشرب ماءً بارداً فأصابته حمى مفرطة مات منها في رجب سنة 218هـ؛ فاستجاب الله دعاء الإمام أحمد، وكفاه لقاء المأمون وسيفه.
الباب الثامن والستون: في ذكر ما جرى له بعد موت المأمون.
بعد هلاك المأمون فقد صدرت الأوامر برد المعتقلين والمقيدين إلى بغداد حتى يستقر أمر الخلافة لأبي إسحاق المعتصم بن هارون الرشيد؛ فسيق أحمد وصاحبه محمد بن نوح راجعين في قيودهما، وألمّ بمحمد بن نوح مرض شديد في الطريق عند موضع «عانة» من أرض الفرات، فأشرف على الموت.
وقف الإمام أحمد عند فراش صاحبه يسليه ويثبته، فقال له محمد بن نوح: «يا أبا عبد الله، الله الله في دينك، إنك لست مثلي، أنا رجل مجهول إن مت ذهبت، وأنت رجل يقتدي بك الناس، وقد مدّ أهل الإسلام أعناقهم إليك لينظروا ما تصنع، فاتق الله واثبت لأمر الله». ثم مات محمد بن نوح، فقام الإمام أحمد وهو مقيد بالحديد بمساعدة نفر من أهل تلك القرية، فغسله، وكفنه، وصلى عليه، ودفنه متجرعاً مرارة الحزن على فراق خليله الصادق.
ثم حُمل أحمد إلى بغداد ودُفع إلى السجن في «دار عمارة» ثم في «سوق الورد» ببغداد. وبقي في حبسه نحواً من ثلاثين شهراً مكبلاً بالأغلال، يُساق كل حين من سجن إلى سجن في ظلمة وضيق. ومع ذلك كان يقيم الصلاة بأهل السجن وقيوده ترنّ في رجليه، ويعظ المحبوسين، ويزجر المجرمين، ويحثهم على التوبة، ولم ينقطع عن ورده وقيامه ودعائه حتى ولي المعتصم وقدم بغداد، فنقل أحمد إلى الإقامة الجبرية والسجن تهيئةً لامتحانه بمحضر الخليفة.
الباب التاسع والستون: في ذكر قصته مع المعتصم.
كان المعتصم رجلاً شجاعاً قليل الحظ من العلم، لكنه التزم وصية أخيه المأمون بحمل الناس على القول بخلق القرآن، وسلّم قياد أمره إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد ورجال الاعتزال.
أُحضر الإمام أحمد إلى دار الخلافة في شهر رمضان سنة عشرين ومئتين (220هـ)، وعقدت له المجالس بحضرة المعتصم، وابن أبي دؤاد، وبشر المريسي، والبرغوثي، وجمع من كبار المتكلمين.
وكانوا يوردون عليه الشبهات العقلية والآيات المتشابهة، فيرد عليهم أحمد بنقض استدلالاتهم من محكم القرآن وصحيح السنة. وكلما انقطعوا في حجة قال الإمام قولته الصادعة التي طأطأت لها رؤوسهم: «يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به».
فصاح ابن أبي دؤاد: «يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل، يدعو إلى التشبيه، ويستتيبك، فاقتله ودمه في عنقي!».
وكان المعتصم يحب عافية أحمد وإطلاقه، فيدنو منه ويكلمه بلهجة الاستعطاف: «يا أحمد، أجبني إلى أدنى شيء تجعل لي فيه حجة وفرجة حتى أطلقك بيدي وأجعلك من خواصي!»، فيجيبه أحمد بالسكينة: «يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به».
فلما يئس المعتصم واستحثه ابن أبي دؤاد قائلاً: «يا أمير المؤمنين، إن تركتَه قال الناس خاف المعتصم ورجع عن مذهب المأمون»، أمر المعتصم بإحضار الجلادين ونزع ثياب أحمد وشد يديه إلى العقابين.
وتقدم الجلادون الشداد، فكان الجلاد يتقدم فيضرب الإمام سوطين بكل ما أوتي من قوة ثم يتنحى ليخلفه آخر، وابن أبي دؤاد يصرخ فيهم: «اشدد! قطع الله يدك!»، والمعتصم يصيح بأحمد: «ويحك يا أحمد! أجبني أرفع عنك السيف!» وأحمد يرد تحت وطأة السياط بصوت تخنقه الآلام: «القرآن كلام الله غير مخلوق».
وضُرب الإمام نحواً من أربعة وثلاثين سوطاً غليظاً حتى تمزق لحم ظهره، ونضح الدم غزيراً، واندقت بعض أضلاعه، وتناثر لحمه، وسقط مغشياً عليه. ونُخس بالسيف في بدنه فلم يتحرك، وظنوا أنه قد قضى.
وفي أثناء الضرب انحلت تكة سراويله وأشرف على الانكشاف، فتمتم بدعاء خفي مستغيثاً بستر الله، فانعقدت التكة بقدرة الله ولم تسقط ثيابه صيانة لعورته.
ولما خاف المعتصم من هيجان العامة ببغداد وتجمع الناس على أبواب القصر شاهرين السلاح يرمون بالحجارة، أمر برفع الضرب فوراً وتسليم الإمام إلى أهله حياً أو ميتاً.
فحُمل اﻹمام إلى داره شبه ميت، وأُحضر له جراح سلخ اللحم الميت من كتفيه وظهره، فصبر واحتسب، وعفا عن كل من ضربه وأذاه لوجه الله إلا من كان مبتدعاً داعياً إلى بدعته.
الباب السبعون: في ذكر تلقي المشايخ إياه بعد انقضاء المحنة ودعائهم له.
كانت مشاعر الإكبار والإعظام التي استقبل بها العلماء خروج الإمام أحمد وثباته، واعترافهم بأن الله عصم به الأمة من الردة والانحراف.
تتابعت وفود العلماء والمحدثين والزهاد إلى داره ببغداد، ووردت الكتب من خراسان والشام ومصر واليمن تثني على موقفه العظيم.
وكان من أعظم الشهادات في ذلك كلمة علي بن المديني: «إن الله أعز هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: بأبي بكر الصديق يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة».
وقال بشر بن الحارث الحافي حين بلغه ثباته: «لقد أُدخل أحمد في الكير كأنه حديد، فخرج منه ذهباً أحمر خالصاً، قام أحمد مقام الأنبياء والصديقين، وعجزنا نحن وأخذنا بالرخصة». وكان إسحاق بن راهويه يقول: «أحمد حجة الله بينه وبين عباده في أرضه».
وعظمت هيبة الإمام في القلوب حتى إن شيوخه الكبار كأبي نعيم، وسليمان بن حرب، وأبي الوليد الطيالسي كانوا يبتهلون في صلواتهم بالدعاء له بالحفظ ودوام النصرة.
الباب الحادي والسبعون: في ذكر تحديثه بعد المعتصم.
بعد أن برئت جراح اﻹمام أحمد وتماثل بدنه للعافية بعض الشيء، على ما بقي فيه من انخلاع الكتف وضعف الأعصاب وأوجاع الندوب، جلس للناس في المسجد الجامع يُحدث ويبث السنة بعد موت المعتصم سنة سبع وعشرين ومئتين (227هـ).
شهدت تلك الحقبة أعظم مجالس الحديث ازدحاماً في تاريخ بغداد؛ إذ اجتمع في مجلسه الألوف المؤلفة من المحدثين وطلاب العلم من أقاصي بلاد المسلمين.
وكان يجلس ببهاء ووقار، يملي مروياته من حفظه وكتابه، ويجيب عن دقائق المسائل، ويرد الروايات السقيمة، ويروي كتبه الكبرى كالمسند والزهد.
وصار مجلسه ملاذاً لأهل السنة ومقصداً لرد الشبهات، وساد الهدوء تلك الفترة مستفيدين من هيبة أحمد التي استقرت في النفوس بعد جلده وظهور حجته.
الباب الثاني والسبعون: في ذكر قصته مع الواثق.
عادت المحنة من جديد في عهد هارون الواثق بن المعتصم (توفي 232هـ)، الذي كان أشد خلفاء بني العباس تعصباً للمعتزلة وإذعاناً لأحمد بن أبي دؤاد.
جدد الواثق امتحان العلماء والخطباء، بل امتحن الأسرى المفتدين من بلاد الروم، فمن أقر بخلق القرآن فودي به، ومن أبى رُدّ إلى أسر النصارى.
وفي هذا العهد استشهد الإمام أحمد بن نصر الخزاعي؛ وهو أحد كبار أئمة السنة ببغداد، حيث أُحضر إلى سامراء وناظره الواثق في مسألة خلق القرآن ورؤية الله في الآخرة، فأصر ابن نصر على السنة، فقام الواثق بنفسه وحمل السيف المسمى بالصمصامة فضرب عنقه، وصُلب رأسه ببغداد ووضعت عليه الحراسة لمنع تداوله، مما أوقع الرعب في قلوب المحدثين.
أما الإمام أحمد بن حنبل، فقد خشي الواثق من ضربه ثانية لما علم من مكانته وهيجان العامة بسببه، فبعث إليه إسحاق بن إبراهيم برسالة زجر: «لا يجمعني وإياك بلد، فاخرج عني وتوارَ حيث شئت». فاختفى الإمام أحمد ولزم التواري نحواً من خمس سنين طيلة خلافة الواثق؛ لا يخرج لجمعة ولا جماعة حفظاً لمهجته وصيانةً لدمه.
فكان ينتقل مستخفياً بين بيوت أصحابه وأقاربه، ثم استقر في منزله يغلق عليه بابها صائماً قائماً، لا يراه إلا خواص ولده وأصحابه خفية بالليل، حتى هلك الواثق وانقشعت الغمة.
الباب الثالث والسبعون: في ذكر قصته مع المتوكل.
ولي جعفر المتوكل على الله الخلافة سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (232هـ). قام المتوكل بنقض دعائم الاعتزال، وأبطل القول بخلق القرآن، وزجر عن الجدل والكلام، ونكب ابن أبي دؤاد وصادر أمواله، وأمر بإكرام أهل السنة وتحديثهم بأحاديث الصفات والرؤية في المساجد والجوامع.
وعظّم المتوكل شأن الإمام أحمد بن حنبل تعظيماً لم يبلغه أحد من العلماء قبله؛ فكتب إلى نائبه ببغداد بإكرامه ورفع مرتبته والرجوع إلى أمره ورأيه.
وساق إليه الصلات السنية، وحمل إليه آلاف الدنانير والدراهم، وثياب الشرف والخلع الفاخرة. غير أن موقف الإمام أحمد من هذا الإقبال الملكي كان أشد من موقفه يوم الضرب والسياط؛ إذ بكى وتألم وقال: «نجونا من محنة الضراء وخفنا أن نهلك في محنة السراء!».
فرفض الإمام أحمد أخذ درهم واحد من أموال المتوكل، وأبى أن يلبس ثيابه أو يضع شيئاً منها في داره، بل أمر بتفريق كل صلة أُجبر على تسلمها في الحال على مساكين بغداد وفقراء المحدثين دون أن يُبقي في بيته كسرة خبز منها.
ولما ألح المتوكل في استقدامه إلى سامراء لرؤيته واستشارته، حُمل الإمام مكرهاً، وأُنزل في دار فخمة فصام فيها أياماً متتابعة طاوياً يرفض طعامهم وشرابهم، حتى رُدّ إلى داره ببغداد بطلب منه وإلحاح.
الباب الرابع والسبعون: في ذكر ما جرى له مع ابن طاهر من طلب استزارته وامتناعه عليه.
كان للإمام الموقف الصارم في اجتناب مخالطة الولاة والأمراء؛ وتحديداً مع الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر والي بغداد ونائب الخلافة.
كان ابن طاهر يجري مجرى الملوك والأمراء العظام، وكان يتشوق إلى زيارة الإمام أحمد في داره، أو أن يأتي الإمام إلى داره ليسمع منه ويسأله متبركاً به ومرسخاً لمكانته في نفوس الرعية.
امتنع الإمام أحمد عن زيارة ابن طاهر امتناعاً مطلقاً، متمسكاً بهدي السلف في حفظ حرمة العلم ومباينة أبواب السلاطين، وقال لأصحابه: «ما لي ولابن طاهر؟ إني أخاف أن أرى من أمر دنياهم ما يفسد علي ديني».
ولما عزم ابن طاهر على الهجوم على دار الإمام وزيارته بغير إذنه، توارى الإمام وكره ذلك كراهية شديدة، ولم يأذن له بالدخول قط، حتى اضطر الوالي إلى الكف عنه وإعفائه تقديراً لورعه وصيانةً لزهده.
الباب الخامس والسبعون: في ذكر ما جرى له مع ولديه وعمه حين قبلوا صلة السلطان.
لما رأى المتوكل امتناع أحمد عن قبول العطايا والصلات، وجّه الأموال إلى عم الإمام، إسحاق بن حنبل، وإلى ولديه صالح وعبد الله؛ لسد حاجتهم ومواساة ديونهم. فرضي عمه وولداه بقبول تلك الصلات نظراً لضيق العيش وركوب الديون ولحوق النفقة.
تألم الإمام أحمد من صنيعهم ألماً شديداً؛ فهجر مطابخهم ودورهم، وبقي أياماً لا يذوق طعاماً لفرط فاقته، فأسرع أهل بيته وخبزوا له رغيفاً في تنور دار ولده صالح لسرعته وسخونته، فلما وُضع بين يديه واستفسر عن سرعة نضجه وأخبروه بالخبر، رفع يده وقال: «ارفعوا هذا الطعام، لا أذوق شيئاً خرج من دار صالح!»، وأمر بتوزيع الطعام على المساكين مع إعلامهم بأنه من ذلك التنور، ثم أمر ببناء جدار يسد به الباب النافذ بين داره ودار ولده صالح بالآجر والطين حتى لا يناله أدنى ريح من بيت يقبل صلة السلطان.
الباب السادس والسبعون: في ذكر جماعة من كبار الذين أجابوا في المحنة
ومن العلماء والمحدثين الذين أجابوا في المحنة أيام المأمون والمعتصم متأولين بالرخصة؛ ومن أشهرهم:
١ - يحيى بن معين (إمام الجرح والتعديل ورفيق أحمد الأخص).
٢ - علي بن المديني (شيخ المحدثين وإمام العلل).
٣ - أبو خيثمة زهير بن حرب.
٤ - أحمد بن الدورقي.
٥ - خلف بن هشام البزار (المقرئ المشهور).
٦ - سعيد بن سليمان الواسطي المعروف: بسعدويه.
٧ - محمد بن سعد (كاتب الواقدي وصاحب الطبقات).
وهؤلاء الأئمة الكبار إنما أفضوا إلى الإجابة تحت طائلة الإكراه الصريح، حين شاهدوا ضرب الأعناق وسل السيوف بين يدي إسحاق بن إبراهيم كتاب المأمون، فاعتصموا برخصة قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.
وكان يعتري هؤلاء الشيوخ من الندم، والبكاء، والاعتذار بعد ذلك، وكيف واجههم الناس باللوم، وكيف كان يحيى بن معين يعتذر بآية عمار بن ياسر، في حين برز الإمام أحمد بن حنبل وحيداً حاملاً لواء العزيمة والتضحية بالنفس لإظهار الدين وحفظ السنة، فارتفع فوق الجميع وصار إماماً مجمعاً عليه في الآفاق.
الباب السابع والسبعون: كلامه فيمن أجاب في المحنة.
كان الإمام أحمد يرى أن العلماء ليسوا كعامة الناس؛ فالعالم قدوة يُهتدى به، وإجابته وإن كانت رخصة في خاصة نفسه، إلا أنها فتنة للمسلمين وكسرٌ لشوكة الدين.
ولذلك اشتد وجده وهجره لمن أجاب من أخص أقرانه؛ كيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي خيثمة زهير بن حرب.
وروى ابن الجوزي في ذلك مراجعات مشهورة:
منها أن يحيى بن معين دخل على أحمد بعد انقضاء المحنة وهو مريض، فسلم عليه فلم يرد عليه أحمد السلام، وحوّل وجهه إلى الحائط إعراضاً عنه. فما زال يحيى يعتذر ويحتج بحديث عمار بن ياسر: أن النبي ﷺ عذره حين نال من عرضه تقية، وتلا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، فالتفت إليه أحمد وقال له بلهجة العتاب الصادع: «ويحك يا أبا زكريا! يُحتج بحديث عمار؟! إنما مرّ المشركون بعمار وهو يُعذب في الرمضاء ويُلقى في النار فنال منهم بلسانه ثم بكى، وأنتم عُرضتم على السيف فقيل لكم كلمة فقلتموها من قبل أن يصيبكم أذى! أين هذا من حديث عمار؟ وهلا تلوتم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾؟!». فقام يحيى باكياً وهو يقول: «ما تحت أديم السماء أحد أفقه في دين الله من أحمد بن حنبل».
وأما علي بن المديني، فقد تألم أحمد لفقد ثباته ألماً مضاعفاً لما كان يرجوه من علمه وإمامته، وزاد ألمه حين قبل ابن المديني صلات السلطان وجوائزه؛ فكان أحمد لا يروي عنه، وإذا ذُكر عنده حزن عليه وأعرض، غير أنه كان لا يُسقط علمه وإمامته في الرجال والعلل، ويقول: «كان علي من أعلم الناس بالحديث».
ومع هذا الهجر الظاهر، فلم يُكفّر اﻹمام أحمد أحداً ممن أجاب متأولاً أو مكرهاً، بل كان يفرّق بين الداعية الذي نصر البدعة كابن أبي دؤاد وبشر المريسي فأولئك أهل ضلال وهلاك، وبين من أجاب مكرهاً وهو كاره بقلبه؛ فكان أحمد يترحم عليهم سراً، ويدعو لهم بالمغفرة، ويعتذر لضعف أبدانهم عن الصبر على سياط الجلادين.
الباب الثامن والسبعون: في ذكر جماعة ممن لم يجب في المحنة.
من العلماء الذين ثبتوا مع الإمام أحمد حتى لقوا الله صابرين محتسبين:
١ - محمد بن نوح: كان شاباً حدثاً قليل الشهرة، لكنه ثبت ثبات الجبال الرواسي في وجه إسحاق بن إبراهيم والمأمون، وامتنع من النطق بأي حرف يخالف عقيدة السلف، وصبر على الأغلال حتى مات في طريقه في قرية «عانة»، فغسله أحمد وصلى عليه ودفنه، وكان أحمد يذكره بالترحم ويغبطه على صفاء ميتته بلا أثر لبلاء الدنيا.
٢ - نعيم بن حماد الخزاعي (الحافظ المحدث، صاحب كتاب الفتن): أُخذ من مصر وحُمل مقيداً إلى بغداد في أيام المعتصم، وعُرض على الامتحان فأبى أن يقول بخلق القرآن، فحبس في سجن المطبق سنين طوالاً، وألحّوا عليه في عهد الواثق فأصر على قوله: «القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال إنه مخلوق فقد كفر»، وبقي في قيوده حتى توفي في سجنه سنة ثمان وعشرين ومئتين (228هـ)، وأمر السلطان أن يُلقى في حفرة وقيوده وأغلاله في رجليه دون أن يُكفن أو يُصلى عليه زجراً، وكان نعيم قد أوصى أن يُدفن في حديده ليخاصم به خصومه بين يدي الله عز وجل.
٣ - أبو يعقوب يوسف بن يحيى البُوَيْطي (خليفة الإمام الشافعي وصاحب حلقته بمصر): كتب فيه ابن أبي دؤاد إلى والي مصر، فحُمل مغلولاً بأربعين رطلاً من الحديد من مصر إلى بغداد في عهد الواثق؛ وكان يُعرض عليه الامتحان فيأبى، ويقول: «والله لأموتن في حديدي هذا، حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن رددت الكلمة في نحورهم لأكونن قد ضللت وما أنا من المهتدين».
فبقي محبوساً في سجن بغداد مكبلاً حتى مات السنة في محبسه سنة إحدى وثلاثين ومئتين (231هـ).
٤ - عفان بن مسلم الصفار (شيخ أحمد): كان من أوائل من امتحنهم إسحاق بن إبراهيم ببغداد؛ فلما هدده إسحاق بقطع عطائه وجرايته من بيت المال (وكانت ألف درهم في كل شهر تدر عليه وعلى عياله)، لم يتردد عفان بل انتفض وقرأ قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وقال: «لا أقول: القرآن مخلوق»، فصرفه وأسقط رزقه، فأخلف الله عليه بركة عظيمة ورزقاً واسعاً من حيث لا يحتسب.
٥ - أحمد بن نصر الخزاعي: الإمام البغدادي الشهيد الذي انتدب لقتال المبتدعة وإنكار المنكر؛ فحُمل إلى سامراء وناظره الواثق في خلق القرآن ورؤية الله، فلما أغلظ له الخزاعي بالحق وأثبت رؤية الله يوم القيامة، ضرب الواثق عنقه بيده، وصُلب رأسه ببغداد شاهداً على نصرة التوحيد.
الباب التاسع والسبعون: في ذكر مرضه الذي مات فيه.
ابتدأت علة الإمام في ليلة الأربعاء في أول يوم من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين (241هـ)؛ حيث أُصيب بحمى شديدة، واعتراه ضعف تام، وساءت حالته بسبب عودة آلام انخلاع كتفيه وتناثر لحم ظهره من وقع ضرب السياط القديم أيام المعتصم، مع انحباس البول وخروج الدم.
بعث الخليفة المتوكل بأطبائه الخاصين، وفي مقدمتهم الطبيب عبد الرحمن المتطبب لمعاينته؛ فلما جس نبضه قال لأهله: «هذا رجل لا ينفع معه دواء؛ إن جوفه قد انحرق من الصيام والمجاهدة، وقد ذابت كبده من خوف الله عز وجل، وليس به داء من أدواء الدنيا إلا إشراف الأجل».
واشتد الوجع بالإمام حتى كان يئن أنيناً خفيفاً في جوف الليل من فرط الآلام؛ فذكر له ابنه عبد الله أن طاووس بن كيسان اليماني كان يكره أنين المريض ويقول: «يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾»، فما كاد أحمد يسمع هذا الأثر حتى سكت في الحال، وانقطع أنينه بالكلية، فلم يُسمع له أنين ولا تأوه بعدها طيلة تسعة أيام حتى فاضت روحه.
فشاع خبر مرض الإمام في أرجاء بغداد؛ فضاقت السكك والشوارع بالناس، وأغلقت الأسواق، وتجمع المحدثون، والفقهاء، والزهاد، وعامة الناس حول داره يتناوبون البكاء والدعاء.
ومع مرضه لم يترك الإمام الوضوء للصلاة؛ فكان يتطهر بجهد بالغ، فإذا عجز عن غسل قدميه عاونه بنوه، وكان يشير برأسه راكعاً وساجداً وهو مستلقٍ على فراشه، ذاكراً لله، متمتماً بآيات التوحيد.
وفي يوم وفاته، اشتد به النزع، وكان يغيب ثم يفيق فيقول وهو يشير بسبابته: «لا بعدُ! لا بعدُ!»، فلما تكررت منه هذه الكلمة قال له ابنه عبد الله: «يا أبت، ما تقول؟ أي شيء هذا الذي نراك تدافعه وتلهج بذكره؟»، فقال الإمام: «يا بني، إن إبليس لعنه الله قائم بحذائي عاضاً على أنامله غيظاً، يقول لي: يا أحمد، فُتَّني! نَجَوتَ مني! فأقول له: لا بعدُ! لا بعدُ! حتى تفارق روحي جسدي؛ فإن الخاتمة لا تؤمن والفتنة حية ما دام العبد حياً».
الباب الثمانون: في ذكر تاريخ موته ومبلغ سنه.
توفي الإمام أحمد بن حنبل ضحوة يوم الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين للهجرة النبوية (12 ربيع الأول 241هـ) في مدينة بغداد.
وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة (164هـ)؛ فاستوفى من العمر سبعاً وسبعين سنة هلالية كاملة، قضاها كلها في طلب الحديث، وبث السنن، والجهاد في نصرة السنة، والمناضلة عن حياض الدين.
الباب الحادي والثمانون: في ذكر غسله وكفنه.
تولى غسله ابناه صالح وعبد الله، مع عمه إسحاق بن حنبل، وجماعة من خواص أصحابه، بصب الماء على بدنه في داره.
وبدت على ظهره وكتفيه حين جُرد من ثيابه آثار ضرب السياط واضحة غائرة، وندوب الجراح التي أحدثها جلادو المحنة منذ أكثر من عشرين سنة؛ فبكى الحاضرون لجلده وصبره.
وكُفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من قطن خشن غير نفيس اشتراها من ماله، تطبيقاً لسنة النبي ﷺ في التكفين بالأثواب البيض دون سرف ولا ديباج.
وبعث الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر، نائب الخلافة ببغداد، بأكفان ملوكية فاخرة، وطيب، وكافور، وغالية، ومسك من خزائن السلطان لتكفين الإمام وإكرامه؛ فردها بنو الإمام أحمد بأدب عملاً بوصية والدهم، وامتنعوا عن إدخال ذرة من كافور السلطان أو ثيابه في جهازه، ولم يقبلوا إلا كفنه الذي أعده لنفسه.
وكان الإمام أحمد قد أوصى قبل وفاته بشعرات من شعر رسول الله ﷺ كانت عنده قد ورثها وحفظها في قارورة؛ فأمر أن توضع واحدة على عينه اليمنى، وأخرى على عينه اليسرى، والثالثة على شفتيه ولسانه تحت الكفن؛ ففعلوا ذلك به التماساً لبركة آثار المصطفى ﷺ عند ملقى ربه في لحده.
الباب الثاني والثمانون: في ذكر المتقدم للصلاة عليه.
صُلي على الإمام أولاً داخل داره صلاة خاصة؛ حيث تقدم ابنه صالح بن أحمد فصلى عليه بأهل البيت وقرابة الإمام وأصحابه المقربين.
فلما أُخرجت الجنازة إلى الصحراء وراء باب حرب، أقبل الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر في موكبه وجنده وأمرائه؛ وطلب التقدم للصلاة عليه بحكم الولاية وسلطان الخلافة ومنعاً للفتنة واضطراب الحشود. فصلى بالناس على الجنازة، وأحاطت به الجيوش، وأذن للناس أن يصلوا عليه أفواجاً بعد ذلك؛ فكان الفوج يفرغ من الصلاة ليخلفه فوج آخر في مشهد لم ينقطع طيلة ذلك اليوم المشهود.
الباب الثالث والثمانون: في ذكر كثرة الجمع الذين صلوا عليه.
أغلقت بغداد أسواقها، وحوانيتها، ودورها بالكلية؛ وعُطلت المعاملات، وركدت حركة التجارة، وخرج الرجال والنساء والصبيان، وجاء الناس مشاة وركباناً من القرى، والضياع، والكوفة، والبصرة، وواسط، والمدائن ليحضروا الجنازة.
وغصت شوارع بغداد، وجسور دجلة، وأزقتها بالمشيعين، وتوقفت السفن والزوارق في دجلة لامتلائها بالناس العابرين إلى الجانب الغربي.
حصر أعداد المصلين فقُدّر عدد الرجال الذين صلوا عليه بأكثر من ثمانمئة ألف رجل، وقيل: بلغت ألف ألف وثلاثمئة ألف إنسان.
وقُدّر عدد النساء اللاتي صلين عليه على حدة في الدور والطرقات بستين ألف امرأة.
تحقق في هذا اليوم المشهود قول الإمام أحمد: «قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز!»؛ فكانت جنازته برهاناً ساطعاً على نصرة الله لأوليائه.
الباب الرابع والثمانون: في ذكر ما جرى عند حمل جنازته من مدح السنة وذم أهل البدعة.
تعالت أصوات المشيعين بالتكبير، والتهليل، والثناء على السنة؛ وكان المنادون يصرخون بين يدي النعش: «هذا إمام السنة!»، «هذا دين الله ودين رسوله الذي مات عليه أحمد!»، «أخزى الله الجهمية والمعتزلة وكل صاحب بدعة!».
وأصاب الخزي والرعب رؤوس المبتدعة من المعتزلة وأنصار ابن أبي دؤاد؛ فلزموا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم لا يجرؤ أحد منهم على الظهور في شوارع بغداد مخافة أن تفتك بهم العامة الثائرة حباً لأحمد.
وكان من أعظم وقائع الجنازة دهشة غير المسلمين من اليهود والنصارى والمجوس بما رأوه من عظمة ذلك اليوم؛ إذ رأوا رجلاً فقيراً لا يملك جنداً ولا ذهباً ولا سلطاناً تجتمع عليه هذه الملايين محبةً وإجلالاً.
ونقل ابن الجوزي أن نحو عشرين ألفاً من أهل الذمة أسلموا في ذلك اليوم لما عاينوا من براهين الصدق ودلائل الإيمان الخالص التي تجلت في جنازة إمام أهل السنة.
الباب الخامس والثمانون: في ذكر ازدحام الناس على قبره بعد دفنه.
كان الوصول إلى القبر شاقاً كأنه خوض في بحر متلاطم من فرط الزحام وسقوط الناس بعضهم على بعض. بقي الناس يتوافدون على القبر أياماً وليالي لا ينقطعون، يصلون عليه جماعات وأفراداً.
استمرت الصلاة على قبره نحواً من شهرين وأكثر، وقصد القبر القادمون من الأقاليم النائية كخراسان، والشام، واليمن، ومصر، يؤدون صلاة الجنازة على لحده.
الباب السادس والثمانون: في ذكر ما خلف من التركة
لم يُخلف الإمام ديناراً ولا درهماً يُعتد به؛ وإنما وُجد في وعائه درهمان ونصف أو ثلاثة دراهم فقط لا غير. أما متاعه فكان نعلين مخصوفتين، وجبة صوف مرقعة، وقميصين غليظين من كرباس خشن، وإزاراً، وركوة ماء بالية، وعكازاً كان يتوكأ عليه، وسجادة حصير خشنة، إضافة إلى ألواحه وكتبه ودواوين الحديث التي كان يرويها.
الباب السابع والثمانون: في ذكر تأثير موته عند جميع الناس.
عم البكاء في دور بغداد، ودخل الحزن على كل بيت من بيوت أهل السنة، حتى أهل الذمة من رهبان النصارى وأحبار اليهود أظهروا الحزن عليه.
الباب التسعون: في ذكر المنتخب من الأشعار التي مُدح بها في حياته ورُثي بها بعد وفاته.
انثالت في حق اﻹمام أحمد قصائد الفحول، فكان شعراء عصره يتسابقون في توثيق فضائله. وهي على قسمين: ما قيل في مدحه والثناء على خصال إمامته وثباته وهو حي يرزق، وما جادت به القرائح من التفجع والمراثي الحارة إثر وفاته.
أولاً: المنتخب من أشعار المدح والثناء في حياته.
كقول أبو مُزاحم الخاقاني:
جَزى الله ابنَ حَنبلٍ التَّقيَّا عن الإسلام إحْسانًا هَنيّا
فَقد أعطاهُ إذ صَبر احتِسابًا على الأسواط إيمانّيا قوّييا
هُو الوَرِع الذي امتَحنوه قِدْمًا فأَلفَوْهُ عَليمًا لا غَبيّا
وجاءَ بصادِق الآثارِ حتى أقامَ بذل الدّين الرضيّا
حَبا المتوكّلُ السِّنيُ بَدْءًا وعَودًا أحمدَ المالَ السنيّا
فآثرَ أحمدُ الإقلالَ زُهدًا على الدنيا وكانَ بها سَخِيّا
فأحمدُ جامِعٌ وَرعًا وزُهدًا وعِلمًا نافِعًا حبرًا تَقيّا
وأحمدُ كان للفَتْوى إمامًا رِضًا للمُسلمين مَعًا وَفيّا
وأحمدُ محنةٌ للناسِ طُرًّا نَمِيز به المُعَوّج والسَّويّا
وقال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في مَدح أحمد بن حنبل:
وإمامِيَ القَوّامُ لله الذي دَفَنُوا حَميدَ الشأن في بَغْدَان
جَمَع التُّقَى والزهدَ في دنياهمُ والعلمَ بعدَ طَهارة الأردانِ
خَصِمُ النبي وصَيْرَفيُّ حديثه ومُفلّق أعرافها بمعان
حَبْرُ العراق، ومحنةُ لذوي الهوى يدري ببغضته ذوُو الأضغانِ
عَرَف الهدى فاجتابَ ثوبي نُصْرة وسَخا بمهجته على عِرْفانِ
عرضَتْ له الدنيا فأعرض سالمًا عنها كفعل الراهب الخَمْصانِ
هانَت عليه نفسُه في دينه ففدى الإمامُ الدينَ بالجُثمانِ
لله ما لَقِيَ ابنُ حنبل صابرًا عزمًا ينصره بلا أعْوانِ
أنا حَنبليُّ ما حييتُ فإن أمُتْ فَوصيتي ذاكُم إلى إخوانِي
ثانياً: المنتخب من مراثي الإمام بعد وفاته.
كقول بعضهم في رثائه:
يا ناعيَ العلم بيومَ أحمدا نَعيتَ بَحرًا كان يَجري مُزيدَا
ومَكرُمات وتُقىً وسُودَدا صَلابة في دينه تَجرّدا
إذا عدا قُلت: الربيعُ قد غدا يا أحمدَ الخير الذي تَحمّدا
أشبهتَ سُفيان الذي تَعبَّدا ومِسْعَرًا دانَيتَهُ ومعْضِدا
أشبَهتَهُم قَناعةً ومهتدى وعِفَّةً بنتَ بها ومقتَدى
وكنتَ في هذا وذا أوْحدا سُميتَ في هذا وذاك المُفْردا
قد زُلْزِلَت أرض العِراق كَمدا والشام حُزنًا والحِجازُ أرعَدا
يا أحمد بن حنبل لا تَبعُدا شَيَّدتَ للدين بناءً مرفدا
إذْ كُنتَ في الدينِ لَه مشيدًا ولم تُرد قَصرًا بها مُمرَّدا
قول بعضهم في رثائه:
لِتبكِ عُيون مُسبلاتٌ بوَبلِها على زينةِ الدُّنيا وعالمِ أهلِها
قليلٌ عليه فاستقلا بُكاكُما على مُستقلٌّ بالخُطوب مُقلّها
إمامٌ لأهل العلم تَفري مَطيُّهم إليه الفَلا بينَ السّديس ويُزلَها
فبانَ بيومٍ كانَ مِقدار يَومه وصارَ إلى دار البِلي ومَحلّها
فتلك المطايا قد أُرحْنَ من السُّرَى ومِن شَدِّ أنساعِ الرِّحالِ وحَلِّها
لمهلك ثاوٍ كان مَأوى رِحالهم إذا ما أُنيخت كل عيسٍ برَحْيلِها
لِيُروَ رَميمٌ تَحتَ ردمٍ من الثَّرى تَصوب عليه البارِقاتُ بهَطلِها
سَتحدث أحداثٌ يقال لمثلها ألا مِثلُه في مثلها عِند مِثلها
الباب الثامن والتسعون: سبب اختيارنا لمذهبه على مذهب غيره
إن استبانة الحق والتوفيق للصواب في الأمور المشتبهة والمذاهب المتشعبة إنما يرزقهما من أعرض بالكلية عن اتباع الهوى، وجانب العصبية المذهبية العمياء، وتجرد لطلب الحجة الناصعة المقرونة بالبرهان والاتباع.
ووجه اختيار مذهب أحمد ورجحانه على غيره من خلال ما يلي:
١ - تقديم النص والآثار على محض الرأي والقياس: فأن أصل بناء مذهب أحمد قائم على توقير النص، فلا يُقَدَّم على الحديث الصحيح رأيٌ، ولا قياسٌ، ولا قول أحد من الصحابة كائناً من كان.
فإن لم يجد حديثاً صحيحاً مرفوعاً، صعد إلى فتاوى الصحابة؛ فإن أجمعوا عليها لم يتعدها، وإن اختلفوا تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، دون أن يُحدث قولاً ثالثاً يخرج عن إجماعهم القديم.
فإن تعذرت الآثار الصريحة، قدّم الحديث المرسل والضعيف الذي لم يُجمع على تركه على القياس والرأي؛ لقناعته بأن الخبر المروي عن رسول الله ﷺ أو سلف الأمة - وإن اعتراه بعض الضعف غير الشديد - أولى بالاتباع من عقول الرجال وأهوائها؛ ولم يكن يفزع إلى القياس إلا عند الضرورة القصوى وانسداد وجوه النقل.
أوضح ابن الجوزي أن مدار الفقه على معرفة الأحاديث؛ وأن الأئمة المتقدمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي - على جلالة أقدارهم وسابقتهم في الفضل - لم تجتمع لهم الدواوين الحديثية كما اجتمعت لأحمد بن حنبل. فقد طاف أحمد الآفاق، وحفظ ألف ألف حديث، وميّز صحيحها من معلولها، وسبر أحوال رواتها حفظاً وعدالة وتجريحاً؛ ولذلك استدرك أحمد مواضع كثيرة بنى فيها غيره الأحكام على أقيسة عقلية لعدم بلوغ الخبر إليهم، في حين وجد أحمد السنن الثابتة فيها، فأعمل النص حيث عوّل غيره على القياس والاستحسان.
تميز مذهب أحمد بالتوقف والاحتياط؛ فكان أبعد الناس عن التكلف والجرأة على الحكم بالرأي في دين الله، متبعاً أثر السلف في قول: "لا أدري"، ولم يتكلم في مسألة قط إلا وله فيها إمام أو أثر يقتفي سبيله.
ورد ابن الجوزي على من توهم أن أحمد إنما كان محدثاً حافظاً وليس بفقيه ناظر؛ مبيناً - عبر شواهد نقلها عن أبي الوفاء بن عقيل - أن فقه أحمد بلغ أقصى درجات الغوص على أسرار الشريعة ومقاصدها وسد الذرائع، كإبطاله حيل الربا، وتأصيله لحرمة الغرر والضرر، ومراعاته للنيات والمقاصد في العقود والأيمان، مما يجعل مذهبه أجمع المذاهب للسنن وأبعدها عن التناقض.
الباب التاسع والتسعون: في فضل أصحابه وأتباعه
ومن الخصائص التي اختص بها أصحاب الإمام أحمد وتلامذته وحملة مذهبه عبر الأجيال، مايلي:
١ - جعل محبتهم ميزاناً لأهل السنة: قال عبد الوهاب الوراق: «إذا رأيت الرجل يتكلم في أصحاب أحمد بن حنبل فاتهمه، فإن له خبيئة سوء، وليس هو بصاحب سنة». وسبب هذه المقالة أن الوقيعة في أتباع أحمد لم تكن تقع إلا من أهل البدع والأهواء من المعتزلة والرافضة؛ لعلمهم بأن الحنابلة هم الحراس الذي تتحطم عليه الشبهات.
٢ - الصلابة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تميز أصحاب أحمد في دار الخلافة ببغداد وسائر الثغور بغيرتهم الشديدة على محارم الشريعة؛ فكانوا لا يهادنون سلطاناً، ولا يسكتون على منكر ظاهر، ويكسرون آلات الملاهي، ويهريقون الخمور، ويطاردون البدع المحدثة دون خوف من سجن أو بطش، مستمدين تلك الهيبة من سمت إمامهم يوم المحنة.
٣ - الزهد والقناعة وعزة النفس: كان غالب أتباع أحمد من أهل التقلل والتعفف؛ جمعوا بين التحقيق العلمي ومكابدة الفقر الصادق، ولم يتهافتوا على القضاء والديوان وأبواب الوزراء، بل صانوا كرامة العلم بالاستغناء بالله والاشتغال بمدارسة الحديث وخدمة الخلق.
الباب المئة: في ذكر أعيان أصحابه وأتباعه من زمانه إلى زماننا.
ختم ابن الجوزي سفره الأثير بهذا المعجم، الذي قسّم فيه أعيان الحنابلة وحفاظ المذهب إلى طبقات متتالية، تبدأ من معاصري الإمام أحمد الذين شافهوه بالرواية والفتيا، وتنتهي بشيوخ ابن الجوزي وأقرانه في القرن السادس الهجري:
الطبقة الأولى: أصحابه المباشرون وحملة نصوصه.
تضم هذه الطبقة النفر الأوائل الذين لازموا الإمام أحمد، ورووا عنه مسائله الفقهية، ودونوا سننه ومروياته الحديثية:
١ - أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأحمد بن أصرم المزني: من كبار ثقات المحدثين والرواة عنه.
٢ - ولدا الإمام (صالح وعبد الله): صالح أبو الفضل صاحب المسائل ورواية سيرة والده ومحنته، وعبد الله أبو عبد الرحمن الحافظ الجامع لناشر ديوان «المسند» وكتب الزهد والسنة والعلل وزوائدها العالية.
٣ - أبو بكر المروذي (أحمد بن محمد بن الحجاج): أخص تلاميذ الإمام أحمد وملازمه في خلواته وحضره وسفره ومرض وفاته، وصاحب كتاب «الورع» ونصوص العقيدة والمسائل.
٤ - أبو بكر الأثرم (أحمد بن محمد بن هانئ): الحافظ المتقن صاحب كتاب «السنن في الفقه» الذي فرّع فيه على نصوص أحمد.
٥ - حنبل بن إسحاق بن حنبل (ابن عم الإمام): راوي مسائل أحمد ومصنف كتاب «المحنة» الذي حفظ أدق تفاصيل المناظرات في خلق القرآن.
٦ - إبراهيم الحربي: الإمام العلم، بحر اللغة والفقه والزهد، الذي كان يماثل أحمد في سمته وعبادته.
٧ - حرب بن إسماعيل الحنظلي السيرجاني الكرماني: صاحب المسائل العظيمة والجامع لعقيدة أحمد وإجماعات السلف.
٨ و٩ و١٠ - أبو داود السجستاني (صاحب السنن)، وبقي بن مخلد الأندلسي، وعبد الملك الميموني: الذين نقلوا فقهه إلى الآفاق من الشام ومصر والأندلس.
الطبقات الوسطى: جامعو المذهب، ومحررو متونه، وأئمة الرواية
استعرض ابن الجوزي أئمة القرنين الثالث والرابع والخامس الذين حفظوا الروايات المتفرقة ونظموها في مدونات فقهية محررة:
١ - أبو بكر الخلال (أحمد بن محمد بن هارون): صاحب اليد البيضاء على المذهب؛ إذ طاف البلاد وجمع مسائل الإمام أحمد في كتابه الضخم «الجامع لعلوم الإمام أحمد»، ورتب المذهب ترتيباً منهجياً.
٢ - أبو القاسم الخرقي (عمر بن الحسين): صاحب «المختصر» الشهير الذي صار عمدة الفقه الحنبلي ومدار شروح الأئمة.
٣ - أبو بكر عبد العزيز بن جعفر (غلام الخلال): الإمام المناظر، ناشر فقه الخلال ومصنف «المقنع» و«الشافي».
٤ - أبو إسحاق إبراهيم بن شاقلا، وأبو الحسن التميمي (عبد العزيز بن الحارث): من كبار فقهاء المذهب ورؤوسه ببغداد.
٥ - أبو عبد الله بن بطة العكبري: الحافظ الزاهد صاحب كتابي «الإبانة الكبرى» و«الصغرى» في نصرة عقيدة السنة.
٦ - أبو الحسين بن سمعون: الواعظ الزاهد العارف.
٧ - ابن مندة الأصبهاني (محمد بن إسحاق): محدث الإسلام ومصنف كتب التوحيد والإيمان والرد على المبتدعة.
٨ - أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي: إمام الحنابلة ومدرسهم ومفتيهم في زمانه، وشيخ القاضي أبي يعلى.
طبقة النظار والمحققين الكبار وشيوخ المصنف
واصل ابن الجوزي سياق الأعيان وصولاً إلى شيوخه المباشرين الذين أخذ عنهم الفقه والحديث:
١ - القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي: مجدد المذهب في القرن الخامس، صاحب المصنفات الجامعة في الأصول والفروع والولايات مثل «التعليقة» و«الأحكام السلطانية» و«إبطال التأويلات».
٢ - أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (شيخ الإسلام): صاحب كتابي «ذم الكلام وأهله» و«منازل السائرين».
٣ - أبو جعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي، وأبو محمد رزق الله التيمي: رأسا أهل السنة ببغداد في رد الفتن والوقوف في وجه التيارات الكلامية.
٤ - أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا المقرئ المحدث: صاحب المصنفات الحافلة في الفقه والتواريخ.
٥ - أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي: الناظر الأصولي الفذ، صاحب كتاب «الفنون»، الذي أشاد ابن الجوزي بدقة استنباطاته ونصرته لفقه أحمد.
٦ - أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلواذي: الإمام الفقيه الأصولي، صاحب كتاب «الهداية» في الفروع و«التمهيد» في أصول الفقه.
ومضى ابن الجوزي يترجم لشيوخه ومن عاصرهم في بغداد، كالحافظ ابن ناصر، وغيره من كبار المحدثين والفقهاء والمقرئين والمعدلين، مبيناً استمرار مذهب الإمام أحمد غضاً طرياً بنقله العدول كابراً عن كابر.
تم اﻹنتهاء من اختصار الكتاب في يوم اﻷحد بعد صلاة العشاء بتاريخ: ٩ ربيع الثاني ١٤٤٨هـ الموافق ٢٠ / ٩ / ٢٠٢٦م
والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه.
تعليقات
إرسال تعليق