بسم الله الرحمن الرحيم
عدنا إلى رب السيف والقلم محمود سامي البارودي (1839–1904م)، في قصيدة من عيون الشعر العربي الحديث التي استعادت ديباجة الشعر القديم في أوج ازدهاره. وتعود مناسبة نظم هذه القصيدة وقصتها إلى واقعة شهدها الشاعر أثناء إرساله ضمن بعثة عسكرية رسمية إلى إنجلترا، حيث تلقى وأعضاء البعثة دعوة خاصة من أحد النبلاء الإنجليز للخروج في رحلة صيد وقنص على صهوات الجياد في الريف.
وثّق البارودي تفاصيل هذه الرحلة بأسلوب قصصي سردي يرتبط بتقاليد الشعر العربي؛ فصوّر ركوب الخيل واستكشاف مواطن الطرائد، واستعانة القوم بالرقيب أو الطليعة لرصد أسراب الصيد، وإطلاق الصقور الجارحة والكلاب السلوقية المدرّبة، ثم طهي اللحم وتناوله في الخلاء، وأعقب ذلك ارتياد مجلس شراب ونزل ريفي دارت فيه كؤوس المدام العتيقة بين الندماء حتى مالت الشمس للغروب وشارفت الليلة على الانتهاء.
وظّف البارودي هذه المناسبة الواقعية لتشييد معمار شعري تقليدي؛ حيث استهل القصيدة بالفخر الذاتي والترفع عن حياة الدعة والابتذال مقارناً نفسه بأهل اللهو، ثم عرج على فروسيته وبسالته في ميادين الوغى، مقتفياً أثر فحول الشعراء الجاهليين والإسلاميين.
تندرج هذه القصيدة في باب "شعر المعارضات" والمحاكاة الفنية التي أحيا بها البارودي تقاليد الشعر العربي القديم من ثلاثة محاور:
اﻷول: معارضة الشريف الرضي: فقد عارض البارودي في هذه القصيدة بائية الشاعر العباسي الشريف الرضي المشهورة في الفخر والحماسة وعلو الهمة، التي مطلعها:
لِغَيْرِ العُلا مِنِّي القِلى وَالتَّجَنُّبُ ... وَلَوْلا العُلا ما كُنْتُ في الحبِّ أَرْغَبُ
فنسج البارودي على وزنه (بحر الطويل: فَعُولُنْ مَفَاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ)، وقافيته ورويّه (حرف الباء المضمومة)، وشاركه روح الترفع عن الدنايا والافتخار بالنفس الأبية الطامحة للمعالي.
الثاني: التأثر بمطلع الكميت بن زيد الأسدي: فتأثر استهلال البارودي في تصديره لنفي الطرب واللهو بمطلع بائية الكميت بن زيد الأسدي الهاشمية:
طَرِبْتُ وَما شَوْقاً إِلى البِيضِ أَطْرَبُ ... وَلا لَعِباً مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
الثالث: محاكاة امرئ القيس في الطرديات: فقد اعتمد البارودي في لوحة الصيد على القالب الفني لـ "طردية امرئ القيس" الجاهلية؛ حيث تشابهت بنية السرد القصصي في تصوير الخيل، وإطلاق الجوارح والضواري، والسرعة الفائقة في إنضاج اللحم واقتناص المأرب.
كما وظّف البارودي هذه المحاكاة ليختم نصه برؤية فكرية حكيمة تعكس خبرته العميقة في تقلبات الدهر وعجز المشيئة الإنسانية أمام حتمية الأقدار.
المقطع الأول:
الفخر وعلو الهمة ومباينة أهل الترف
(الأبيات 1 – 15)
سِوَايَ بِتَحْنَانِ الأَغَارِيدِ يَطْرَبُ ... وَغَيْرِيَ بِاللَّذَّاتِ يَلْهُو وَيُعْجَبُ
وَما أَنَا مِمَّنْ تَأْسِرُ الْخَمْرُ لُبَّهُ ... وَيَمْلِكُ سَمْعَيْهِ الْيَرَاعُ الْمُثَقَّبُ
وَلَكِنْ أَخُو هَمٍّ إِذا ما تَرَجَّحَتْ ... بِهِ سَوْرَةٌ نحَوْ َالْعُلاَ رَاحَ يَدْأَبُ
نَفَى النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْه نَفْسٌ أَبِيَّةٌ ... لَها بينَ أَطْرافِ الأَسِنَّة مَطْلَبُ
بَعِيدُ مَناطِ الْهَمِّ فَالغَرْبُ مَشْرِقٌ ... إِذَا مَا رَمَى عَيْنَيْهِ والشَّرْقُ مَغْرِبُ
لَهُ غُدُواتٌ يَتْبَعُ الْوَحْشُ ظِلَّها ... وَتَغْدُو عَلى آثارِها الطَّيْرُ تَنْعَبُ
هَمَامَةُ نَفْسٍ أَصْغَرَتْ كُلَّ مَأْرَبٍ ... فَكَلَّفَتِ الأَيَّامَ ما لَيْسَ يُوهَبُ
وَمَنْ تَكُنِ العَلْياءُ هِمَّةَ نَفْسِهِ ... فَكُلُّ الَّذِي يَلْقَاهُ فيها مُحَبَّبُ
إِذا أَنا لَم أُعْطِ الْمَكارِمَ حَقَّها ... فَلا عَزَّنِي خالٌ وَلا ضَمَّنِي أَبُ
وَلا حَمَلَتْ دِرْعِي كُمَيْتٌ طِمِرَّةٌ ... وَلا دارَ في كَفِّي سِنانٌ مُذَرَّبُ
خُلِقْتُ عَيُوفاً لا أَرَى لابْنِ حُرَّةٍ ... لَدَيَّ يَداً أُغْضِي لَها حِينَ يَغْضَبُ
فَلَسْتُ لأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقّعَاً ... وَلَسْتُ عَلى شَيءٍ مَضَى أَتَعَتَّبُ
أَسِيرُ عَلَى نَهْجٍ يَرَى النَّاسُ غَيْرَهُ ... لِكُلِّ امْرِئٍ في ما يُحاوِلُ مَذْهَبُ
وَإِنِّي إِذا ما الشَكُّ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ... وَأَمْسَتْ بِهِ الأَحْلامُ حَيْرَى تَشَعَّبُ
صَدَعْتُ حِفافَيْ طُرَّتَيْهِ بِكَوكَبٍ ... مِنَ الرَّأْي لا يَخْفَى عَلَيْهِ الْمُغيَّبُ
أولاً: شرح الكلمات الغريبة:
- تَحْنَانِ الأَغَارِيدِ: التَّحنان هو: الأنين والشوق وصوت التطريب الشجي؛ والأغاريد جمع أُغْرودة، وهي: التغريد والغناء المنساب المنغم.
- لُبَّهُ: عقله، وخالص فؤاده وجوهره، وجمعه ألباب.
- الْيَرَاعُ الْمُثَقَّبُ: اليَراع جمع يَرَاعة، وهي: القصبة المجوفة؛ والمثقب المصنوع فيه ثقوب؛ لإخراج الأنغام، والمراد به الناي أو المزمار.
- أَخُو هَمٍّ: صاحب عزيمة متوثبة وقصد رفيع؛ والعرب تلحق لفظ "أخو" بالصفة للدلالة على ملازمة صاحبها لها.
- تَرَجَّحَتْ بِهِ سَوْرَةٌ: مالت واشتدت به وثبة العزم؛ والسَّورة هي: الوثبة الصادقة وثوران الهمة وحدّتها وسطوتها.
- يَدْأَبُ: يستمر في السعي، والعمل الجاد الدائم دون فتور أو كلل.
- أَبِيَّةٌ: شديدة الإباء، وهي: النفس التي تأبى، وترفض الضيم والخضوع والذل.
- الأَسِنَّة: جمع سِنان، وهو: النصل الفولاذي الحاد في رأس الرمح.
- مَنَاطِ الْهَمِّ: موضع التعليق، ونياط الشيء موضعه وحبله؛ والمراد به وجهة طموحه ومسقط همته وغايته البعيدة.
- تَنْعَبُ: تصيح، والنعيب صوت الغراب، والمعنى هنا: تصويت الطير الملازمة لآثاره لثقتها بحصولها على الصيد أو غنائم الوقائع.
- هَمَامَةُ نَفْسٍ: عِظَم الهمة، وعلو الطموح والترفع عن الدنايا.
- مَأْرَبٍ: حاجة، وغاية ومطلب، والجمع مآرب.
- فَلا عَزَّنِي خالٌ: العزّ هو: الرفعة؛ أي لا جعلني خالي عزيزاً بافتخاره بي ولا عززت به.
- كُمَيْتٌ طِمِرَّةٌ: الكُمَيت هو: الفرس ذو اللون البني الضارب بين الحمرة والسواد؛ والطِمِرَّة هي: الفرس الشديدة الوثب، الطويلة القوائم، الخفيفة السريعة في العدو.
- سِنانٌ مُذَرَّبُ: سنان حاد مسموم أو مذروب، ومصقول ليخترق الدروع، ويسرع الفتك بالأعداء.
- عَيُوفاً: عاف الشيء إذا كرهه وزهد فيه ترفعاً؛ والعيوف هو: الأبيّ الذي تكره نفسه قبول الإحسان المشوب بالمنّ والدنايا.
- يَداً أُغْضِي لَها: اليد تطلق في لغة العرب على النعمة والمعروف والفضل؛ وأُغضي أي أخفض جفني وأطأطئ رأسي ذلاً وصمتاً عند غضبه.
- أَتَعَتَّبُ: لا ألوم ولا أسترضي؛ والمعنى: أنه لا يضيع وقته في تتبع الماضي بالندم والملام والحسرة.
- الأَحْلامُ: العقول والمدارك، ومفردها حِلْم.
- حِفافَيْ طُرَّتَيْهِ: حِفافا الشيء جانباه؛ والطرّة هي: الناحية أو الخصلة والناصية؛ والمراد: جانبا ظلام الشك وأطرافه.
- بِكَوْكَبٍ مِنَ الرَّأْي: رأي سديد نافذ وضاء يبدد دياجير الحيرة كأنه نجم ساطع.
ثانياً: شرح المعنى إجمالاً:
يفتتح الشاعر منظومته بإعلان انفصاله القاطع عن مسالك أهل الدعة والترف؛ فبينما يطرب غيره للغناء الشجي ويلهو بالشهوات المادية، يترفع هو عن أن يكون أسيراً للخمر تُذهب عقله، أو أن تستعبده نغمات المزامير وأوتار اللهو.
ويعرف بنفسه على أنه صاحب عزيمة وقّادة؛ فإذا ما هاجت في صدره نزعة نحو العلا والرفعة نهض يجدّ ويكابد بلا انقطاع. هذه النفس الكريمة طردت النوم عن عينيه، لأن لها غايات جساماً ومطالب عزيزة لا تنال بالتمني بل بقرع الرماح وخوض ميادين الصراع.
وتتميز همته بالشمول؛ فلا تحدها رقعة جغرافية، وتتساوى أمامه المشارق والمغارب حين يرمي ببصره نحو المجد.
وهو صاحب حركات ووثبات متصلة في طلب الفضائل حتى تعودت الوحوش رؤيته وتتبعت الطير آثاره لتصيب من فضول كسبه وصيده.
إن عظم همته صغّر في عينه كل المكاسب الدنيوية الرخيصة، وحمله على مطالبة الدهر بما لا يوهب عفواً بل ينتزع انتزاعاً. ومن جعل الشرف والعلياء غاية وجوده، هانت عليه الشدائد وغدا كل تعب يلقاه في سبيل ذلك محبباً إلى نفسه.
ويرهن الشاعر انتسابه لشرفه التليد بإيفاء المكارم حقوقها؛ فإن لم يحقق ذلك فلا يستحق اعتزاز أخواله ولا رعاية أبيه له، ولا يحق له امتطاء صهوات الجياد الوثابة الكُمت ولا حمل الدروع ولا تقليب الأسنة المذروبة في المعارك.
ويختم هذا المقطع بتأكيد استقلاليته النفسية؛ فقد جُبل عيوفاً لا يقبل منّة من مخلوق تجبره على الصمت عند غضبه، متجرداً من التحسر على ما فات، سالكاً نهجاً متفرداً لا يبالي بمخالفة الناس له. وإذا ما ادلهم ليل الشكوك والتبست الأمور على أصحاب العقول، صدع جوانب ذلك الظلام برأي حصيف ورؤية كاشفة للمغيب تجلي الحقائق وتنهي الحيرة.
ثالثاً: الصور الشعرية:
- الاستعارة المكنية في قوله "تَأْسِرُ الْخَمْرُ لُبَّهُ": حيث شبه الخمر بآسر ومحارب قاهر، وشبه العقل بإنسان يقع في الأسر؛ وسر الجمال هو التشخيص والتجسيد، وتوحي بالاستلاب التام للإرادة عند السكر.
- الاستعارة المكنية في قوله "وَيَمْلِكُ سَمْعَيْهِ الْيَرَاعُ الْمُثَقَّبُ": شبه المزمار بمالك مستبد يسيطر على حواس الإنسان؛ لتأكيد الترفع عن الانقياد للهو والمجون.
- الاستعارة المكنية في قوله "نَفَى النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْه نَفْسٌ أَبِيَّةٌ": شبه النفس الأبية بحاكم صارم يطرد النوم، وشبه النوم بشخص ذليل يُنفى قسراً، مما يبرز سهر الشاعر في طلب المعالي.
- الكناية في قوله "لَها بينَ أَطْرافِ الأَسِنَّة مَطْلَبُ": كناية عن الشجاعة وخوض المخاطر الحربية لنيل الرفعة وعزة النفس.
- الطباق في قوله "فَالغَرْبُ مَشْرِقٌ... والشَّرْقُ مَغْرِبُ": طباق يبرز شمول الهمة وفسحة الآفاق وعدم انحصار عزيمته في بقعة دون أخرى.
- الاستعارة المكنية في قوله "فَكَلَّفَتِ الأَيَّامَ ما لَيْسَ يُوهَبُ": صوّر الأيام في صورة إنسان يُطالب بأمر شاق وعسير لا يُعطى بالمجان.
- الكناية في قوله "فَلا عَزَّنِي خالٌ وَلا ضَمَّنِي أَبُ": كناية عن سلب الشرف والتبرؤ من الحسب والنسب في حال التقصير في المكارم.
- المجاز المرسل في قوله "يَداً أُغْضِي لَها": كلمة "يداً" مجاز مرسل عن العطية والمنّة والفضل، وعلاقته السببية، فاليد هي أداة العطاء والإنعام.
- الاستعارة المكنية في قوله "إِذا ما الشَكُّ أَظْلَمَ لَيْلُهُ": شبه الشك بليل دامس مظلم تضل فيه الأفكار وتتفرق العقول.
- التشبيه البليغ والاستعارة التصريحية في قوله "بِكَوكَبٍ مِنَ الرَّأْي": صوّر الرأي الحصيف الصائب بكوكب منير يضيء الظلام، لإبراز نفاذ البصيرة والقدرة على كشف المحجوب من الأمور.
المقطع الثاني:
الفروسية وخوض غمار المعارك وثبات الجنان
(الأبيات 16 – 21)
وَبَحْرٍ مِنَ الْهَيجَاءِ خُضْتُ عُبابَهُ ... وَلا عاصِمٌ إِلَّا الصَّفِيحُ المُشَطَّبُ
تَظَلُّ بِهِ حُمْرُ المَنَايا وَسُودُها ... حَواسِرَ في أَلْوَانِهَا تَتَقَلَّبُ
تَوَسَّطْتُهُ وَالْخَيْلُ بِالْخَيْلِ تَلْتَقِي ... وَبِيضُ الظُّبَا في الْهَامِ تَبْدُو وَتَغْرُبُ
فَما زِلْتُ حتَّى بَيَّنَ الْكَرُّ مَوْقِفِي ... لَدَى ساعَةٍ فيها الْعُقُولُ تَغَيَّبُ
لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى أَتَى الليلُ وَالْتَقَى ... عَلَى غَيْهَبٍ مِنْ ساطِعِ النَّقْعِ غَيْهَبُ
كَذَلِكَ دَأْبِي في الْمِراسِ وَإِنَّنِي ... لأَمْرَحُ في غَيِّ التَّصابِي وأَلْعَبُ
أولاً: شرح الكلمات الغريبة:
- الْهَيْجاءِ: الحرب الشديدة وميدان المعركة الذي تموج فيه الأصوات والقتال.
- عُبابَهُ: ارتفاع الموج وتدفقه المتلاطم؛ وخوض العباب اقتحام لجة الماء الغامر.
- الصَّفِيحُ المُشَطَّبُ: الصفيح هو: السيف العريض الشفرة؛ والمشطب هو: السيف الذي تظهر في متنه طرائق وخطوط ملساء مصقولة متوازية.
- حُمْرُ المَنَايا وَسُودُها: المنايا جمع منية وهي: الموت؛ والموت الأحمر هو: القتل بالسيف وسفك الدماء، والأسود هو: الموت الخانق الكالح الفظيع.
- حَواسِرَ: جمع حاسر، وهو: المقاتل الذي لا درع له ولا بيضة على رأسه تحميه؛ والمراد هنا: أن المنايا ظاهرة سافرة لا حجاب يسترها.
- بِيضُ الظُّبا: البيض هي: السيوف الصقيلة اللامعة؛ والظُّبا جمع ظُبَة وهي: حد السيف وطرفه القاطع.
- الْهامِ: جمع هامة وهي: قمة الرأس ودماغه.
- تَبْدُو وَتَغْرُبُ: تبدو أي تظهر وتلمع بارزة في الهواء، وتغرب أي تغيب وتغوص في الرؤوس عند الضرب.
- الْكَرُّ: الهجوم على العدو، ومقابله الفر، والمراد مواصلة الحملات بجرأة وشجاعة.
- لَدُنْ غُدْوَةٍ: لدن ظرف زمان لابتداء الغاية، أي: من وقت الصباح الباكر بعد طلوع الشمس.
- ساطِعِ النَّقْعِ: النقع هو: غبار المعركة الكثيف الذي تثيره سنابك الخيل أثناء الاصطدام والعدو.
- غَيْهَبٍ: الظلمة الشديدة الكثيفة.
- الْمِراسِ: الشدة والقوة والمرونة في مقارعة الخصوم ومعالجة أهوال الحرب.
- غَيِّ التَّصابِي: الغي: مجاوزة الحد والانهماك؛ والتصابي: تكلف الصبا، وتتبع نشاط الشباب ومرحهم ترويحاً عن النفس.
ثانياً: شرح المعنى إجمالاً:
ينتقل الشاعر في هذه الأبيات إلى تصوير فروسيته وبطولته الميدانية، فيشبه الحرب بيمٍّ هائج عميق متلاطم الأمواج، اقتحم عبابه الشديد متجرداً من كل واقٍ أو ملجأ سوى نصل سيفه الصقيل المشطب. وفي تلك المعمعة تتجلى صور الموت بألوانها الحمراء التي تسفك فيها الدماء، والسوداء التي تخيم فيها الكروب، متجردة حاسرة عن قناعها تتقلب بين المقاتلين بلا حياء ولا إشفاق.
ولم يكن البارودي في مؤخرة الجيش أو أطرافه، بل توسط قلب المعركة في اللحظات الحرجة التي تلاحمت فيها صدور الجياد بالجياد، وتوالت السيوف البيضاء القاطعة تلمع في الفضاء تارة وتغوص في هامات الرجال تارة أخرى. وظل ثابتاً في موقعه يواصل الكر والنزال حتى أظهرت هجماته المتتابعة صلابة موقفه وفضله على سائر الأقران، وذلك في ساعة عصيبة تطيش فيها العقول وتذهل النفوس عن رشادها.
وقد استمر ذلك الصدام العنيف طوال النهار ابتداءً من بزوغ الصباح الباكر وحتى أقبل الليل بسواده؛ فالتقى ظلام الليل وظلام غبار الحرب الساطع المتراكم ليعقدا عتمة مطبقة. هذا هو دأبه وطبعه الأصيل في الشدة ومقارعة الأهوال؛ ومع هذه الشكيمة العسكرية القاسية، يمتلك نفساً رحبة تأنس بالمرح واللهو الرفيع وتستجيب للتصابي المشروع ترويحاً عن كد النفوس.
ثالثاً: الصور الشعرية:
- التشبيه البليغ والاستعارة في قوله "وَبَحْرٍ مِنَ الْهَيجَاءِ خُضْتُ عُبابَهُ": شبه الهيجاء بالبحر المتلاطم، واستعار العباب لشدة الصراع، مما يخلع على المعركة هيبة بصرية ممتدة توحي بعمق المخاطر.
- الاستعارة المكنية في قوله "تَظَلُّ بِهِ حُمْرُ المَنَايا وَسُودُها حَواسِرَ": صوّر المنايا بنساء أو فرسان كشفوا عن وجوههم ورؤوسهم، وسر جمالها التشخيص، لبيان أن الهلاك أصبح سافراً معلناً يطال الجميع.
- الطباق في قوله "حُمْرُ المَنَايا وَسُودُها": طباق يبرز تنوع أساليب القتل والدمار وفداحة الموت في الميدان.
- الطباق الحركي في قوله "تَبْدُو وَتَغْرُبُ": طباق يصف حركة السيوف؛ فظهورها لمعان واختفاؤها قطع للرؤوس، مما يجسد سرعة الضرب وتلاحقه.
- الكناية في قوله "لَدَى ساعَةٍ فيها الْعُقُولُ تَغَيَّبُ": كناية عن شدة الفزع، وهول الكرب الذي يطيش فيه صواب الفرسان.
- الكناية في قوله "فَما زِلْتُ حتَّى بَيَّنَ الْكَرُّ مَوْقِفِي": كناية عن الثبات النادر والشجاعة الاستثنائية والظفر في مأزق الحرب.
- التشبيه في قوله "وَالْتَقَى عَلَى غَيْهَبٍ مِنْ ساطِعِ النَّقْعِ غَيْهَبُ": صوّر الغبار الدامس المتصاعد بظلام دامس، وركوب ظلام الليل الحقيقي عليه بتراكم ظلام فوق ظلام، لتصوير الامتداد الزمني الطويل للقتال.
المقطع الثالث:
رحلة القنص ووصف الخيل وكلاب الصيد والظفر بالصيد
(الأبيات 22 – 34)
وفِتْيَان لَهْوٍ قَدْ دَعَوْتُ ولِلْكَرَى ... خِباءٌ بِأَهْدَابِ الْجُفُونِ مُطَنَّبُ
إِلَى مَرْبَعٍ يَجْرِي النَّسِيمُ خِلالَهُ ... بِنَشْرِ الْخُزَامَى والنَّدَى يَتَصَبَّبُ
فَلَمْ يَمْضِ أَنْ جاءُوا مُلَبِّينَ دَعْوَتِي ... سِراعاً كَما وَافَى عَلَى الْماءِ رَبْرَبُ
بِخَيْلٍ كَآرَامِ الصَّرِيمِ وَرَاءَها ... ضَوارِي سَلُوقٍ عاطِلٌ وَمُلَبَّبُ
مِنَ اللاءِ لا يَأْكُلْنَ زاداً سِوَى الَّذِي ... يُضَرِّسْنَهُ وَالصَّيْدُ أَشْهَى وَأَعْذَبُ
تَرَى كُلَّ مُحْمَرِّ الْحَمالِيقِ فاغِرٍ ... إِلَى الْوَحْشِ لا يَأْلُو وَلا يَتَنَصَّبُ
يَكَادُ يَفُوتُ الْبَرقَ شَدَّاً إِذَا انْبَرَتْ ... لَهُ بِنْتُ ماءٍ أَوْ تَعَرَّضَ ثَعْلَبُ
فَمِلْنا إِلَى وادٍ كَأَنَّ تِلاعَهُ ... مِنَ الْعَصْبِ مَوْشِيُّ الْحَبائِكِ مُذْهَبُ
تُرَاحُ بِهِ الآمَالُ بَعْدَ كَلالِها ... وَيَصْبُو إِلَيْهِ ذُو الْحِجَا وَهْوَ أَشْيَبُ
فَبَيْنَا نَرُودُ الأَرْضَ بِالْعَيْنِ إِذْ رَأَى ... رَبِيئَتُنَا سِرْباً فَقَالَ أَلا ارْكَبُوا
فَقُمْنَا إِلَى خَيْلٍ كَأَنَّ مُتُونَها ... مِنَ الضُّمْرِ خُوطُ الضَّيْمَرَانِ الْمُشَذَّبُ
فَلَمَّا انْتَهَيْنا حَيْثُ أَخْبَرَ أُطْلِقَتْ ... بُزَاةٌ وَجَالَتْ في المَقَاوِدِ أَكْلُبُ
فَما كَانَ إِلَّا لَفْتَةُ الْجِيدِ أَنْ غَلَتْ ... قُدُورٌ وَفارَ اللَّحْمُ وَانْفَضَّ مَأْرَبُ
أولاً: شرح الكلمات الغريبة:
- الْكَرَى: النعاس والنوم الخفيف أول وروده على الجفون.
- خِباءٌ مُطَنَّبُ: الخباء الخيمة المصنوعة من وبر أو شعر؛ ومُطنّب أي مشدود بحبال الأطناب والأوتاد في الأرض ومستقر بإحكام.
- مَرْبَعٍ: المنزل أو المكان الذي ينزل فيه الناس في فصل الربيع زمن الخصب والخضرة.
- نَشْرِ الْخُزامى: النشر الرائحة الطيبة الذكية؛ والخزامى نبات بري عطري الرائحة زهره فواح.
- رَبْرَبُ: القطيع من بقر الوحش أو الظباء المتتابعة.
- آرامِ الصَّرِيمِ: الآرام جمع رِئْم وهو: الظبي الأبيض الخالص النقاء؛ والصريم القطعة من الرمل المنقطعة عن غيرها، أو الأرض كثيفة الشجر.
- ضَوارِي سَلُوق: الضواري جمع ضارٍ، وهو: الكلب المعتاد على القنص والافتراس.
- عاطِلٌ وَمُلَبَّبُ: العاطل الخالي من الطوق أو القلادة؛ والملبب الذي ألبس في نحره ولَبَّته طوق الصيد ليُقاد منه.
- يُضَرِّسْنَهُ: يعضضنه ويمزقنه بأضراسهن وأسنانهن.
- مُحْمَرِّ الْحَمالِيقِ: الحماليق جمع حِملاق وهو باطن الجفن الذي يحمرّ عند الغيظ والترصد لشدة التيقظ.
- فاغِرٍ: فاتح فاه مستعداً للعض والافتراس.
- لا يَأْلُو وَلا يَتَنَصَّبُ: لا يألو أي لا يقصر في سرعته؛ ولا يتنصب أي لا يتعب ولا يكل فيركد، بل يظل مستوفزاً.
- بِنْتُ ماءٍ: طائر مائي يشبه الإوز والبط سريع الجري والطيران في البرك والأودية.
- تِلاعَهُ: جمع تَلْعة، وهي: مجاري الماء المرتفعة من الجبال أو التلال المشرفة.
- الْعَصْبِ: برود يمانية مشهورة منقوشة تُعصب خيوطها وتنسج في دقة وجمال.
- مَوْشِيُّ الْحَبائِكِ: الموشى المزين والمنقوش؛ والحبائك جمع حبيكة، وهي: طرائق الثوب وخطوطه المنسوجة.
- كَلالِها: تعبها وإعياؤها.
- ذُو الْحِجا: صاحب العقل الناضج والحلم والرزانة.
- نَرُودُ الأَرْضَ: نطوف فيها ونستكشفها بأبصارنا بحثاً عن مرتع الصيد.
- رَبِيئَتُنا: الرقيب أو الطليعة الذي يُبعث أمام القوم ويرتقي مكاناً عالياً ليرصد الصيد أو الخصوم.
- خُوطُ الضَّيْمَرانِ الْمُشَذَّبُ: الخُوط الغصن الناعم اللدن؛ والضيمران نبات عطري الريح (الريحان البري) مستقيم العيدان؛ والمشذب المقلم والمقصوص الزوائد فصار دقيقاً رشيقاً.
- بُزاةٌ: جمع بازٍ، وهو: طائر كاسر من سباع الطير يُدرب على صيد الطرائد.
- لَفْتَةُ الْجِيدِ: الجيد هو: العنق؛ ولفتة الجيد التفاته السريعة الخاطفة، كناية عن سرعة انقضاء الأمر في لحظة وجيزة.
- انْفَضَّ مَأْرَبُ: انقضت الحاجة، وتم نيل المراد بنجاح تام.
ثانياً: شرح المعنى إجمالاً:
يفتتح الشاعر لوحة الصيد بوصف دعوته لرفاقه في أواخر الليل، حين كان الكرى يضرب خيامه المشدودة على أهداب الجفون لشدة النعاس. دعاهم إلى مربع بديع تتخلله أنسام الصباح العليلة، معطرة بشذى نبات الخزامى وقطرات الندى المتساقطة على الرياض. فلم يتردد الفتيان، بل لبوا نداءه خفافاً مسرعين كقطيع ظباء وحشية تهوي نحو مورد الماء.
وقد أقبلوا ممتطين صهوات خيول بيضاء كأنها آرام الرمل نقاء ورشاقة، وخلفها كلاب صيد سلوقية ضارية؛ بعضها يحمل أطواقاً في نحوره وبعضها عاطل منها. وتلك الكلاب لا ترضى إلا بأكل ما تفتك به بأنيابها من اللحم الطري العذب ترَفّعاً. وتراها متوقدة الأعين، محمرة الحماليق، فاغرة الأفواه نحوَ الصيد، لا تقصر في العدو ولا تستكين. فإذا ما لاح لها طائر مائي أو ثعلب مراوغ، انقضت عليه بعدو شديد يكاد يسبق وميض البرق الخاطف.
وانتهى بهم المسير إلى وادٍ خصيب تبدو تلاله ووهاده من فرط تناسق أزهارها كأثواب العصب اليمانية المنسوجة بخيوط الذهب؛ وهو موضع تنشرح فيه الآمال وتستريح النفوس من عنائها، حتى إن الشيخ الوقور ذا العقل الرصين يصبو إلى حسنه ويستعيد فيه صباه. وبينما هم يستكشفون الأرض بأبصارهم، لمح الرقيب سرباً من الطرائد فنادى فيهم بالركوب، فهبوا إلى خيل ضامرة كأن متونها وظهورها في استقامتها ولينها أغصان ريحان بري مشذبة. ولما بلغوا الموضع أُطلقت الصقور والكلاب السلوقية في مقاودها، فما كانت إلا لحظة خاطفة كلمح البصر أو لفتة عنق، حتى غلت القدور بلحم الصيد النضيج، وانقضت حاجاتهم في جو من الظفر والسرور.
ثالثاً: الصور الشعرية:
- الاستعارة التمثيلية في قوله "ولِلْكَرَى خِباءٌ بِأَهْدَابِ الْجُفُونِ مُطَنَّبُ": صوّر النعاس في الصباح الباكر بخيمة مشدودة الأوتاد على أهداب العيون، في تجسيد حسي بديع لثقل الرقاد وسيطرته على الأجفان.
- التشبيه التمثيلي في قوله "سِراعاً كَما وَافَى عَلَى الْماءِ رَبْرَبُ": شبه سرعة تلبية الرفاق للدعوة بإسراع قطيع الظباء وبقر الوحش نحو منهل الماء لشدة العطش.
- التشبيه في قوله "بِخَيْلٍ كَآرَامِ الصَّرِيمِ": شبه الخيل في رشاقتها وبياض لونها بظباء الرمال النقية الناصعة.
- الكناية في قوله "تَرَى كُلَّ مُحْمَرِّ الْحَمالِيقِ فاغِرٍ": كناية عن الغيظ والتحفز والشراسة التامة في ترصد الطرائد.
- المبالغة التخييلية المقترنة بالتشبيه في قوله "يَكَادُ يَفُوتُ الْبَرقَ شَدَّاً": شبه سرعة الكلاب في انقضاضها بالبرق الخاطف تجاوزاً لإبراز خفة حركتها الهائلة.
- التشبيه في قوله "وادٍ كَأَنَّ تِلاعَهُ مِنَ الْعَصْبِ مَوْشِيُّ الْحَبائِكِ مُذْهَبُ": شبه مروج الوادي وتلاله المكسوة بالأزهار بثوب يماني فاخر موشى بخيوط الذهب.
- الاستعارة المكنية في قوله "تُرَاحُ بِهِ الآمَالُ بَعْدَ كَلالِها": شبه الآمال بكائنات حية يصيبها الإعياء ثم تستريح في ذلك الوادي الخصيب.
- التشبيه في قوله "خَيْلٍ كَأَنَّ مُتُونَها مِنَ الضُّمْرِ خُوطُ الضَّيْمَرَانِ الْمُشَذَّبُ": تشبيه تمثيلي لظهور الخيل الضامرة بأغصان الريحان البري المشذبة، للدلالة على كمال القوة وخفة الحركة والرشاقة.
- الكناية في قوله "فَما كَانَ إِلَّا لَفْتَةُ الْجِيدِ": كناية عن السرعة الفائقة والوقت الزمني الخاطف في اقتناص الفرائس وطهيها.
المقطع الرابع:
مجلس الشراب ووصف الحانة والمدام العتيقة
(الأبيات 35 – 46)
وَقُلْنَا لِساقِينَا أَدِرْها فَإِنَّما ... قُصَارَى بَنِي الأَيّامِ أَنْ يَتَشَعَّبُوا
فَقامَ إِلَى رَاقُودِ خَمْرٍ كَأَنَّهُ ... إِذَا اسْتَقْبَلَتْهُ الْعَيْنُ أَسْوَدُ مُغْضَبُ
يَمُجُّ سُلافاً في إناءٍ كَأَنَّهُ ... إِذَا ما اسْتَقَلَّتْهُ الأَنَامِلُ كَوْكَبُ
فَلَمْ نَأْلُ أَنْ دَارَتْ بِنَا الأَرْضُ دَوْرَةً ... وَحَتَّى رَأَيْنَا الأُفْقَ يَنْأَى وَيَقْرُبُ
إِلَى أَنْ تَوَلَّى الْيَومُ إِلَّا أَقَلَّهُ ... وَقدْ كادَتِ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ تَغْرُبُ
فَرُحْنَا نَجُرُّ الذَّيْلَ تِيهاً لِمنزلٍ ... بِهِ لأَخِ اللَّذَّاتِ واللَّهْو مَلْعَبُ
مَسارِحُ سِكِّيرٍ وَمَرْبِضُ فاتِكٍ ... وَمُخْدَعُ أَكْوابٍ بِهِ الخَمْرُ تُسْكَبُ
فَلَمَّا رآنا صاحبُ الدّارِ أَشْرَقَتْ ... أَسارِيرُهُ زَهْواً وَجاءَ يُرَحِّبُ
وقَالَ انْزِلُوا يا بَارَكَ اللهُ فيكُمُ ... فَعِنْدِي لَكُمْ ما تَشْتَهُونَ وَأَطْيَبُ
وَرَاحَ إِلَى دَنٍّ تَكَامَلَ سِنُّهُ ... وَشَيَّبَ فَوْدَيْهِ مِنَ الدَّهْرِ أَحْقُبُ
فَما زالَ حتَّى اسْتَلَّ مِنْهُ سَبِيكَةً ... مِنَ الخمرِ تَطْفُو في الإِنَاءِ وتَرْسُبُ
يَحُومُ علَيهَا الطَّيْرُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ ... وَيَسْرِي عَلَيْهَا الطّارِقُ الْمُتَأَوِّبُ
أولاً: شرح الكلمات الغريبة
- قُصارَى: غاية الشيء ونهايته ومنتهاه وما يُقصر عليه.
- يَتَشَعَّبُوا: يتفرقوا بالرحيل والافتراق والموت وصروف الأيام.
- راقُودِ خَمْرٍ: الراقود إناء فخاري كبير بيضوي الشكل يُطلى بالقار الأسود ويُدفن جزئياً لتبريد الخمر وحفظها.
- أَسْوَدُ مُغْضَبُ: رجل أسود اشتد غيظه، شبّه به إناء الخمر لعظمه ولونه القاتم.
- يَمُجُّ سُلافاً: يمجّ أي يدفق ويسكب؛ والسُّلاف هو خلاصة عصير العنب وأجوده، وهو ما سال من العنب قبل عصره بالقوة.
- اسْتَقَلَّتْهُ الأَنامِلُ: استقلته أي رفعته وحملته، والأنامل أطراف الأصابع.
- فَلَمْ نَأْلُ: لم نقصر في الشرب والشغف باللذة والاستمتاع.
- يَنْأَى وَيَقْرُبُ: يبتعد ويدنو؛ والمراد اضطراب الرؤية واهتزاز الأفق من فرط النشوة والسكر.
- تِيهاً: كبراً وزهواً ودلالاً وتمايلاً في المشي.
- مَرْبِضُ فاتِكٍ: المربض مأوى الحيوان ومستقر الفرسان؛ والفاتك هو الشجاع الجريء الذي لا يهاب الردى؛ والمراد: نادٍ يجتمع فيه أصحاب البأس والنجدة.
- مُخْدَعُ أَكْوابٍ: المخدع هو الخزانة أو الحجرة الصغيرة اللطيفة التي تُصان فيها الأواني الثمينة.
- أَسارِيرُهُ: خطوط الوجه والجبهة، وإشراقها كناية عن طلاقة المحيا وشدة الفرح والابتهاج.
- دَنٍّ: وعاء خزفي ضخم جداً يُصنع لتعتيق الخمر فترات طويلة.
- فَوْدَيْهِ: الفودان هما جانبا الرأس مما يلي الأذنين وفوق الصدغين.
- أَحْقُبُ: جمع حِقبة، وهي: المدة الطويلة المتطاولة من الدهر.
- سَبِيكَةً: القطعة المصهورة النقية من الذهب أو الفضة، شبّه بها صفاء الخمرة ونقاء لونها الذهبي.
- الطّارِقُ الْمُتَأَوِّبُ: الطارق هو الزائر الذي يأتي ليلاً؛ والمتأوب الذي يعود ويقصد المأوى في دجى الليل بعد طول مسير.
ثانياً: شرح المعنى إجمالاً
بعد الانتهاء من نيل فرائس الصيد، دعا الشاعر رفاقه إلى إدارة كؤوس الشراب، معللاً ذلك بحتمية الفناء والزوال؛ فغاية بني الإنسان ومصيرهم المحتوم هو التفرق بالموت وتقلب الدهر. فنهض الساقي إلى راقود خمر ضخم مطلي بالقار الأسود يشبه في ضخامته وهيبته رجلاً أسوداً استبد به الغضب، فأخذ يسكب سلاف الخمر الصافي في كأس زجاجية متألقة، إذا رفعتها أنامل الندماء بدت كالكوكب الدري المضيء. فشرب القوم حتى دارت بهم الأرض وتمايلت خطاهم، وبات الأفق يتراءى لأعينهم كأنه يقترب تارة ويبتعد تارة أخرى تحت وطأة السكر.
وظلوا في نشوتهم تلك حتى شارف النهار على الانقضاء وكادت الشمس تغرب في الأفق. فانطلقوا يتهادون في مشيتهم تيهاً وزهواً نحو نزل أو حانة أُعدت للذة ومسامرة الكرام. وذلك المنزل ملتقى للشاربين، وملاذ للفرسان الفتاك، وحافل بمخادع تفيض بالأكواب المترعة. فلما رآهم صاحب الدار تهللت ملامح وجهه بشراً وزهواً بقدومهم، وجاء يسعى مرحباً بهم، داعياً إياهم للنزول ومؤكداً أن لديه من صنوف الطيبات ما تشتهيه أنفسهم وزيادة.
ثم مضى الحاني إلى دنّ عتيق تقادمت عليه العصور، حتى كأن الحقب الطويلة قد شيبت فوديه لطول مقامه. وظل يعالجه برفق حتى استخرج من جوفه خمرة نقية كأنها سبيكة ذهب مصفاة، تتماوج في الإناء بين طفو وركود من فرط صفائها وعتقها. وهي خمرة فواحة يطير أريجها في الآفاق حتى تحوم الطيور عليها من كل ناحية، ويهتدي بريحها ونورها المسافر الطارق الذي يسري في ظلام الليل بحثاً عن القرى والمأوى.
ولا شك أن هذا مما لا يرضي الله سبحانه وليت البارودي لم يذكر هذا ولم يجهر به فهو في غنى عنه وليس في الخمر ولا السكر نفعٌ في الدنيا ولا مرضاة عند الله تعالى، والشعراء الغالب فيهم أنهم يقولون أموراً لم يفعلوها، وإن كان التصريح بهذه اﻷمور ليس فيه ما يفتخر به والله المستعان.
ثالثاً: الصور الشعرية
- التشبيه في قوله "فَقامَ إِلَى رَاقُودِ خَمْرٍ كَأَنَّهُ... أَسْوَدُ مُغْضَبُ": شبه دن الخمر الأسود المطلي بالقار برجل أسود اشتد به الغضب، وهي صورة حسية بصرية توحي بعظم الإناء وهيبته ولونه القاتم.
- التشبيه في قوله "يَمُجُّ سُلافاً في إناءٍ كَأَنَّهُ... كَوْكَبُ": شبه الكأس التي تفيض بالخمر الصافية بكوكب متلألئ في السماء حين تحمله الأنامل، لإبراز بريق الزجاج وتوهج الخمر ونقائها.
- الكناية في قوله "دَارَتْ بِنَا الأَرْضُ... وَحَتَّى رَأَيْنَا الأُفْقَ يَنْأَى وَيَقْرُبُ": كناية عن تمكن نشوة السكر واختلال توازن الندماء وترنح أبصارهم.
- الكناية في قوله "نَجُرُّ الذَّيْلَ تِيهاً": كناية عن مشاعر العزة والخيلاء والدلال والفخار بعد يوم الصيد المظفر.
- الكناية في قوله "أَشْرَقَتْ أَسارِيرُهُ": كناية عن فرط الفرح والسرور وحسن الضيافة والتهلل بالقادمين.
- الاستعارة المكنية في قوله "دَنٍّ تَكَامَلَ سِنُّهُ وَشَيَّبَ فَوْدَيْهِ مِنَ الدَّهْرِ أَحْقُبُ": شخّص دن الخمر بصورة شيخ وقور متقدم في السن خط الشيب في صدغيه، للدلالة على فرط قِدم الخمر.
- الاستعارة التصريحية في قوله "اسْتَلَّ مِنْهُ سَبِيكَةً مِنَ الخمرِ": استعار لفظ "السبيكة" الذهبية للخمرة النقية الصافية.
- الكناية في قوله "يَحُومُ علَيهَا الطَّيْرُ... وَيَسْرِي عَلَيْهَا الطّارِقُ الْمُتَأَوِّبُ": كناية عن ذكاء رائحتها وعطرها الفواح الذي يملأ الأرجاء، وشهرة ذلك الموضع الذي يقصده السراة في الليل.
المقطع الخامس:
الحكمة والتأمل في تقلبات الدهر وتصاريف القدر
(الأبيات 47 – 52)
فَيا حُسْنَ ذاكَ اليومِ لَوْ كانَ باقياً ... ويا طِيبَ هَذا الليلِ لَوْ دامَ طَيِّبُ
يَوَدُّ الْفَتَى ما لا يَكُونُ طَماعَةً ... وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الدَّهْرَ بِالنَّاسِ قُلَّبُ
وَلَوْ عَلِمَ الإنْسَانُ ما فِيهِ نَفْعُهُ ... لأَبْصَرَ ما يَأْتِي وَمَا يَتَجَنَّبُ
وَلَكِنَّها الأَقْدَارُ تَجْرِي بِحُكْمِها ... عَلَيْنَا وَأَمْرُ الْغَيْبِ سِرٌّ مُحَجَّبُ
نَظُنُّ بِأَنَّا قادِرُونَ وَأَنَّنا ... نُقادُ كَمَا قِيدَ الْجَنِيبُ وَنُصْحَبُ
فَرَحْمَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى امْرِئٍ ... أَصَابَ هُداهُ أَو دَرَى كَيْفَ يَذْهَبُ
أولاً: شرح الكلمات الغريبة:
- طَماعَةً: فرط الطمع والحرص والرغبة الملحة؛ والمراد طمع الإنسان في خلود النعيم المستحيل.
- قُلَّبُ: صيغة مبالغة على وزن فُعَل، تفيد كثرة التقلب والتحول وتبدل الأحوال من حال إلى حال.
- مُحَجَّبُ: مستور ومغطى بحجاب لا تنفذ إليه مدارك البشر ولا يحيط به عقل.
- الْجَنِيبُ: الفرس الذي يُقاد إلى جنب الخيل ولا يُركب، ويكون تابعاً لسائسه مسلوب الإرادة ينقاد حيثما يُقاد.
- نُصْحَبُ: نُساق وننقاد كرهاً، من صحب الدابة إذا قادها وانقادت معه دون مقاومة.
- أَصَابَ هُداهُ: وفق إلى طريق الحق والرشاد والصواب في دينه ودنياه.
- دَرَى كَيْفَ يَذْهَبُ: علم وجهة مسيره وسلك طريق الهداية ببصيرة نافذة متجنباً مزالق الهلاك.
ثانياً: شرح المعنى إجمالاً
يختتم البارودي منظومته بلحظة تأمل عميقة تمتزج فيها الحكمة بنبرة الإيمان والتسليم؛ فيتحسر على انقضاء ذلك اليوم البهيج وتلك الليلة الطيبة، متمنياً لو دامت تلك اللذات وتوقف الزمان، غير أن أداة التمني "لو" تفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط. فالإنسان بطبعه يطمع في دوام ما يستحيل بقاؤه، غافلاً عن حقيقة الدهر وطبيعته القائمة على تقليب الأحوال والتحول الدائم بين السراء والضراء.
ولو كُشف للإنسان سر عواقب الأمور وعلم مواطن نفعه وضره الحقيقيين، لاستطاع أن يبصر بوضوح ما يجب عليه الإقدام عليه وما ينبغي له تجنبه والابتعاد عنه. غير أن حكمة الإله قضت أن تجري المقادير على الخلائق كافة، وأن يظل علم الغيب سراً مصوناً محجوباً عن عقول البشر وأبصارهم.
ويعرض الباردوي أن اﻹنسان يتوهم أنه يملك القوة والاقتدار وحرية التصرف المطلقة في شؤونه، بينما هو في حقيقة الأمر مسير ومقود إلى أقداره المحتومة كما يُقاد الفرس الجنيب بزمامه إلى جانب راكبه بلا حول ولا قوة.
ولها يرجو فيه رحمة الله ورضوانه لكل امرئ وُفّق لإصابة طريق الرشد والاستقامة، وعرف وجهة مسيره في هذه الحياة الفانية، فسار فيها ببصيرة واعية متجرداً من الغرور والأوهام حتى يلقى ربه بقلب سليم.
ثالثاً: الصور الشعرية:
- أسلوب النداء المتضمن للتمني والتحسر في قوله "فَيا حُسْنَ ذاكَ اليومِ... ويا طِيبَ هَذا الليلِ": يعكس حزن النفس الإنسانية أمام سرعة زوال المسرات، ويبرز تكرار "لو" الامتناعية استحالة دوام النعيم الأرضي.
- صيغة المبالغة والتشخيص في قوله "أَنَّ الدَّهْرَ بِالنَّاسِ قُلَّبُ": صوّر الدهر في صورة شخص دائم التبدل والتقلب، لإظهار غدر الزمان وعدم ثباته على حال.
- الطباق في قوله "ما يَأْتِي وَمَا يَتَجَنَّبُ": طباق يبرز التمييز العقلي المفقود بين مواطن الصواب والخطأ لعجز الإنسان عن معرفة الغيب.
- الاستعارة المكنية في قوله "الأَقْدَارُ تَجْرِي بِحُكْمِها... وَأَمْرُ الْغَيْبِ سِرٌّ مُحَجَّبُ": شبه الأقدار بحاكم قاهر ينفذ حكمه على الجميع، وشبه الغيب بسر ثمين وراء حجاب ساتر لا تنفذ إليه الأبصار.
- التشبيه التمثيلي البارع في قوله "نَظُنُّ بِأَنَّا قادِرُونَ وَأَنَّنا نُقادُ كَمَا قِيدَ الْجَنِيبُ وَنُصْحَبُ": شبه حال الإنسان الذي يتوهم القدرة والسيطرة وهو في حقيقته مسوق إلى قدره قسراً، بحال الفرس الجنيب المربوط المنقاد إلى جانب راكبه؛ وهي صورة تمثيلية تعكس عمق تقلب الإنسان بين إرادة الله واختياره.
- الأسلوب الخبري المتضمن للدعاء في قوله "فَرَحْمَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى امْرِئٍ...": يمثل مسك الختام؛ حيث ينقل القصيدة من أجواء الوغى والقنص ومجالس اللذة إلى محراب الخشوع والتسليم، مؤكداً أن الفوز الحقيقي يكمن في الهداية ومعرفة المصير.
تعليقات
إرسال تعليق