التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التقنين الفقهي في الشريعة الإسلامية. [المفهوم والجذور التاريخية والمواقف الفقهية والتطبيقات المعاصرة].


المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. 

أما بعد:

فيُعدّ موضوع التقنين الفقهي من أبرز القضايا التشريعية والفقهية التي شغلت الفكر الإسلامي المعاصر، وتقاطعت فيها مسالك الفقهاء والقانونيين ورجال الدولة على حدٍّ سواء. فالشريعة الإسلامية اتسمت بالثراء والتنوع في آرائها ومذاهبها، باتت في العصر الحديث أمام تحدٍّ جوهري؛ وهو كيفية توظيف هذا الإرث الفقهي الضخم في منظومة قانونية حديثة تتسم بالوضوح والإلزام والانضباط.(1)

وقد تجلّت هذه الإشكالية بوضوح حين شرعت الدول الإسلامية في بناء منظوماتها القانونية إبّان النهضة الحديثة، فوجدت نفسها أمام خيارين: إما الاستعانة بالتقنينات الغربية الجاهزة والمنضبطة، وإما إيجاد تقنين إسلامي يُعبّر عن هويتها ويصون ارتباطها بالشريعة. 

وكان لهذا الصراع مراحل تاريخية متعاقبة، بدأت تباشيرها منذ محاولات الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، ولا سيما مجلة الأحكام العدلية التي تُعدّ أولى التجارب الإسلامية المنظّمة في هذا الشأن.(2)

ولهذا كله جاء هذا البحث محاولةً لاستيعاب هذه القضية من جوانبها الأساسية: المفهومية والتاريخية والفقهية والتطبيقية، سعياً إلى تقديم رؤية متكاملة حول موضوع التقنين الفقهي، بدءاً من تحديد مفهومه وتمييزه من المصطلحات المجاورة، ومروراً بالجذور التاريخية لهذه الفكرة، وانتهاءً برصد المواقف الفقهية المعاصرة والنماذج التطبيقية في الدول الإسلامية.(3)

أهداف البحث وإشكالياته

يهدف هذا البحث إلى: 

أولاً: بيان مفهوم التقنين الفقهي لغةً واصطلاحاً، وتوضيح الفرق بين الفقه التقليدي والتقنين. 

ثانياً: استعراض الجذور التاريخية لتقنين الفقه الإسلامي من المحاولات المبكرة إلى مجلة الأحكام العدلية. 

ثالثاً: رصد مواقف المجامع الفقهية الكبرى والهيئات الشرعية المعاصرة. 

رابعاً: حصر الدول العربية والإسلامية التي طبقت التقنين الفقهي. 

خامساً: دراسة أنواع التقنين ومناهجه وضوابطه.

منهج البحث

يعتمد هذا البحث على المنهج الاستقرائي التحليلي المقارن، حيث يستقرئ النصوص الفقهية والقانونية ذات الصلة، ثم يحللها ويقارنها لاستخلاص النتائج. كما يوظّف المنهج التاريخي في تتبع مراحل تطور فكرة التقنين.

التمهيد: مفهوم التقنين الفقهي

المبحث الأول: مفهوم التقنين لغةً واصطلاحاً

المطلب الأول: التقنين في اللغة

التقنين في اللغة العربية مصدر الفعل قنّن، مأخوذ من لفظة "القانون" التي جمعها قوانين، وهي كلمة مُعرَّبة من اليونانية (Kanon)، وتعني في الأصل: القضيب أو المسطرة المستقيمة التي يُقاس بها، ثم أطلق على كل ضابط وأصل يُرجع إليه. وقد أورد ابن منظور في لسان العرب أن القانون هو: الأمر المستقيم والضابط الكلي الذي ينطبق على كثير من الجزئيات.(4)

وفي الاصطلاح العلمي القديم كان القانون يُستعمل بمعنى: القاعدة الكلية التي تشمل جملة من الأحكام الجزئية؛ إذ يقول الجرجاني في التعريفات: "القانون قضية كلية يُتعرف منها أحكام الجزئيات". 

وبذلك فإن مادة هذه الكلمة في أصلها اللغوي تحمل دلالة الانضباط والإلزام والتوحيد، وهو ما يتلاقى مع معنى التقنين في الاستعمال المعاصر.(5)

المطلب الثاني: التقنين في الاصطلاح الفقهي والقانوني

التقنين في الاصطلاح القانوني يُقصد به: جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجال من مجالات العلاقات الاجتماعية وتبويبها وترتيبها وصياغتها بعبارات آمرة موجزة واضحة في بنود تُسمّى "مواد ذات أرقام مسلسلة"، ثم إصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس. 

وهذا التعريف يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسة: الجمع والتبويب، والصياغة في مواد موجزة، والإلزام والإصدار الرسمي.(6)

أما في حقل الفقه الإسلامي فإن التقنين يأخذ بُعداً أعمق؛ إذ يرى فقهاء الشريعة أن التقنين لا يأتي بمعنى الخلق والإنشاء كما في القانون الوضعي، وإنما يأتي بمعنى الإظهار والكشف عمّا هو مودَع في نصوص الشريعة وتراث الفقهاء. 

ومن هنا يتضح الفارق الجوهري بين طبيعة التقنين في النظام الإسلامي وطبيعته في الأنظمة الوضعية؛ ففي الأول هو كشف واستنباط، وفي الثاني هو إنشاء وإبداع.(7)

وخلاصة المعنى الاصطلاحي أن التقنين الفقهي هو: عملية تنظيم أحكام الفقه الإسلامي وصياغتها في مواد قانونية مرقّمة على غرار التقنينات الحديثة، بما يجعلها ملزمةً للقضاء والتطبيق، مع الإبقاء على جوهرها الشرعي وأساسها الفقهي.(8)

المطلب الثالث: الفرق بين الفقه والتقنين وبين النظريات الفقهية:

الفقه الإسلامي في صورته التقليدية يُمثّل الصياغة العلمية لأحكام الشريعة المستمدة من القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد، وقد اكتسب عبر القرون طابعاً خاصاً يتمثل في استيعاب الخلاف الفقهي وعرض الآراء المتعددة مع بيان المسوّغات والأدلة. فكتاب "المغني" لابن قدامة مثلاً، أو "المجموع" للنووي، يستوعبان الرأي الراجح والمرجوح، والمذاهب المختلفة والأدلة المتعارضة.(9)

أما المادة القانونية في التقنين الفقهي فهي على النقيض من ذلك؛ إذ تُحدّد رأياً واحداً غالباً، وتُلزم به دون عرض للبدائل، وتصاغ بلغة إنشائية آمرة موجزة خالية من الاستدلال والتعليل، ومرتّبة ترتيباً منطقياً يتسلسل من العام إلى الخاص. 

ومثال ذلك نصوص مجلة الأحكام العدلية كالمادة الأولى منها: "العلم بالشيء خير من الجهل به"، والمادة العاشرة: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان".(10)

وبين هذين النمطين توجد النظريات الفقهية التي تمثّل مستوىً أعلى من التجريد، وتحتل موقعاً وسطاً بين الفقه التقليدي والتقنين؛ فهي تستخلص من أحكام الفروع الفقهية مبادئ كلية تضبط التشريع وتوجهه. (11)

المبحث الثاني: الجذور التاريخية لتقنين الفقه الإسلامي.

المطلب الأول: المحاولات المبكرة.

تمتد جذور التفكير في تقنين الأحكام الفقهية إلى العصور الإسلامية الأولى، وإن كانت لم تتخذ شكلها القانوني المنضبط الذي نعرفه اليوم. فقد كانت الحاجة إلى توحيد الأحكام القضائية حاضرةً في الأذهان، ولاسيما بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتنوع الآراء الفقهية بين القضاة في مناطق مختلفة. وقد أشار المؤرخون إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُرسل تعليمات وتوجيهات للقضاة في الأمصار لتوحيد بعض الأحكام.(12)

وفي القرن الثاني الهجري، برزت أولى الدعوات الصريحة للتقنين على يد الأديب والكاتب عبد الله بن المقفع (ت 142هـ) حين كتب رسالته الشهيرة إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، التي عُرفت بـ"رسالة الصحابة" - يعني: صحابة اﻷمير-، أشار فيها على الخليفة بأن يُوحّد ما يُقضى به بين الناس في قانون يُدوّنه ويختاره من آراء القضاة المجتهدين والفقهاء بعد تمحيصها والترجيح بينها، ودفعه إلى ذلك ما لاحظه من اختلاف القضاة المجتهدين في المسألة الواحدة اختلافاً كبيراً يُفضي إلى التضارب في الأحكام.(13)

وقد استجاب أبو جعفر المنصور لهذه الفكرة وأراد تطبيقها، وكذلك الرشيد من بعده، ففكّرا في اتخاذ كتاب الإمام مالك "الموطأ" قانوناً قضائياً مُلزماً؛ غير أن مالكاً رحمه الله رفض هذا الاقتراح رفضاً باتاً، وأجابهما بقوله المشهور: "إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان، وكل صواب"، مؤسساً بذلك لمبدأ اعتبار تنوع الفقه الإسلامي ثروةً لا عبئاً.(14)

وفي العصر العباسي، كانت كتب المذاهب الفقهية في جوهرها ضرباً من التقنين غير الرسمي؛ إذ أصبح الفقه الحنفي مثلاً مرجعاً رسمياً لقضاء الدولة العباسية، والفقه المالكي مرجعاً للقضاء في بلاد المغرب والأندلس. وكانت مؤلفات كالجامع الكبير للشيباني وأحكام السلطانية للماوردي تؤدي وظيفة قانونية فعلية وإن لم تُصدر في صورة قوانين رسمية ملزمة.(15)

المطلب الثاني: تجربة مجلة الأحكام العدلية في الدولة العثمانية:

تُعدّ مجلة الأحكام العدلية أول تقنين مدني إسلامي رسمي في التاريخ، وأولى ثمرات التفكير المنهجي في ترتيب أحكام الفقه الإسلامي وإخراجها في صورة قانونية حديثة. 

وقد صدرت بأمر سلطاني عام 1286هـ (1869م)، حين أصدر السلطان العثماني أمراً بتأليف لجنة من سبعة علماء يترأسها ناظر العدلية أحمد جودت باشا (1822-1895م) لوضع قانون في المعاملات مستقىً من الفقه الحنفي الذي يمثل المذهب الرسمي للدولة العثمانية.(18)

ويرتبط السياق التاريخي لنشأة المجلة بضغوط التحديث التي مارسها الغرب على الدولة العثمانية، إذ كانت القوى الأوروبية تُطالب بتقنين واضح للقانون يمسّ حقوق الرعايا الأجانب في الدولة العثمانية. 

وقد رفضت لجنة الفقهاء اتباع النموذج الفرنسي (القانون المدني الناپليوني)، وأصرّت على صياغة قانون مستمد كلياً من الفقه الحنفي. وقد استغرق إعداد المجلة نحو سبع سنوات، وأنهت اللجنة مهمتها عام 1876م.(19)

تضمّنت المجلة مقدمة تحتوي على 99 قاعدة فقهية كلية، تليها ستة عشر كتاباً مرتبة ترتيباً فقهياً يبدأ بكتاب البيوع وينتهي بكتاب القضاء، وبلغ مجموع موادها 1851 مادة. 

وتميّزت المجلة بأنها جمعت بين الأصالة الفقهية الإسلامية والمنهجية القانونية الحديثة في الصياغة؛ فافتتحت كل كتاب بمقدمة تضمّ الاصطلاحات اللازمة، ثم المسائل الأساسية، وأدرجت تحتها المسائل الفرعية المستخرجة من كتب الفقه الحنفي.(20)

وفور صدورها وُضعت المجلة موضع التنفيذ واعتبرت قانوناً للدولة العثمانية وولاياتها التابعة، عدا مصر فقد كان نظام المحاكم المختلطة هو المطبق في عهد الخديوي إسماعيل (تـ: 1312هـ). واستمر العمل بها حتى منتصف القرن العشرين في كثير من البلاد العربية، ولا يزال معمولاً بها في قطاع غزة كقانون مدني إلى اليوم. ويظل الأثر الأكبر للمجلة أنها أثبتت قابلية الفقه الإسلامي للتقنين، وأنه يمكن تحويله إلى قانون منضبط يفي بمتطلبات الدولة الحديثة.(21)

وقد قامت لجنة المجلة في منهجيتها على مبدأ انتقاء الأقوال المعتمدة في المذهب الحنفي، دون الأخذ بالأقوال الضعيفة أو الشاذة، مع مراعاة سهولة العبارة وانضباط الصياغة ليسهل للقضاة الرجوع إليها. 

غير أن ثمة انتقادات وُجّهت للمجلة، أبرزها: اقتصارها على المذهب الحنفي دون سائر المذاهب، وعدم شمولها لمجالات الأحوال الشخصية والعبادات والعقوبات، وأنها اشتملت على مواد هي أقرب إلى اﻷسلوب التعليمي منها إلى اﻷسلوب التشريعي. وقد ظلّت هذه القيود مثار نقاش في أوساط فقهاء القانون الإسلامي إلى يومنا هذا.(22)

المطلب الثالث: جهود محمد قدري باشا:

يُعدّ محمد قدري باشا (1821-1888م) من أبرز رواد التقنين الفقهي في العصر الحديث، وقد أسهم في صياغة أول تقنين حديث للأحوال الشخصية الإسلامية. إذ ألّف كتابه "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية" وصاغ أحكامه في 647 مادة قانونية مأخوذة كلها من القول الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة، تلبيةً لحاجات القضاء الشرعي الإسلامي في مصر التي كانت تعتمد هذا المذهب. وقد شاع هذا الكتاب وانتشر في أكثر الأقطار العربية والإسلامية، واعتمده القضاة في أقضيتهم وإن لم يصدر به قانون ملزم.(16)

كذلك ألّف محمد قدري باشا كتابه "مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان" وهو تقنين للمعاملات المدنية في 1045 مادة على المذهب الحنفي أيضاً، ويُعدّ هذا الكتاب نموذجاً مبكراً للتقنين الشامل في مجال المعاملات. 

وقد استمدّ منه السنهوري لاحقاً بعض النصوص القانونية للقانون المدني المصري.(17)

المطلب الرابع: امتدادات التجربة العثمانية في القرن العشرين:

أفرزت التجربة العثمانية في التقنين موجةً من الجهود المتواصلة التي حملت لواءها باحثون وفقهاء في مطلع القرن العشرين؛ ففي عام 1336هـ (1917م) أصدرت الدولة العثمانية "قانون العائلة العثماني"، وهو أول تقنين رسمي لأحكام الأحوال الشخصية في التاريخ الإسلامي، واتسم بطابع خاص إذ شمل أحكام الزواج والطلاق ليس للمسلمين وحدهم بل لجميع رعايا الدولة من مسلمين ونصارى ويهود، كل بحسب شريعتهم.(23)

وفي مصر برزت جهود تشريعية مهمة؛ ففي عام 1920م صدر القانون رقم 25 المتعلق بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية، وهو يُعدّ أول قانون أحوال شخصية حديث في مصر، يتبعه القانون رقم 25 لسنة 1929م المتعلق بمسائل الطلاق والتفريق القضائي. 

وقد تميزت هذه القوانين المصرية بالأخذ من آراء متعددة من المذاهب الفقهية المختلفة ولم تقتصر على المذهب الحنفي.(24)

أما العلامة عبد الرزاق السنهوري (1895-1971م) فيُعدّ أبرز شخصية قانونية عربية أسهمت في التقنين في العالم العربي، إذ أسند إليه وضع القانون المدني المصري عام 1948م، والقانون المدني العراقي (1951م) والسوري (1949م) والليبي (1952م)، إضافة إلى المساهمة في وضع دستور الكويت. 

وقد اعتمد السنهوري في منهجه على استمداد الجوهر من الشريعة الإسلامية مع الاستفادة من تقنيات الصياغة الغربية، وإن تعرّض لانتقادات بسبب ابتعاد بعض نصوصه عن الأحكام الفقهية الصريحة.(25)

المبحث الثالث: مواقف المجامع الفقهية والهيئات الشرعية من التقنين.

المطلب الأول: موقف مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

مجمع الفقه الإسلامي الدولي هيئة علمية فقهية عالمية متخصصة، تأسّس عام 1401هـ (1981م) بقرار من مؤتمر القمة الإسلامي الثالث المنعقد بمكة المكرمة. ومقره مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، ويضم في عضويته نخبة من كبار العلماء والفقهاء من نحو 57 دولة. وقد أصدر المجمع عشرات القرارات والتوصيات المتعلقة بالقضايا الفقهية المعاصرة، وأدرج في اهتمامه موضوع التقنين الفقهي في دوراته المختلفة.(26)

وتجلّى موقف المجمع من التقنين من خلال عدة توصيات وقرارات متعاقبة دعت إلى تطوير الفقه الإسلامي وصياغته في قوالب قانونية منضبطة يُمكن تطبيقها في الدول الإسلامية المعاصرة، مع التأكيد على ضرورة أن يكون أساس التقنين هو: الفقه الإسلامي ومناهجه الاجتهادية، وليس التقليد الأعمى للنماذج الغربية. 

وقد أسهم المجمع في إصدار مسودات تقنينية في موضوعات عدة كالعقود والمعاملات المالية الإسلامية والأحوال الشخصية.(27)

ومن أبرز ما أصدره المجمع في هذا الشأن قراراه بشأن "الفقه الإسلامي وأساليب تيسير تطبيقه" الذي دعا فيه إلى تصنيف أحكام الفقه الإسلامي وتبويبها وصياغتها في شكل مدونات متخصصة تُغطي مجالات الأحوال الشخصية والمعاملات المالية وسائر أبواب الفقه، معتمداً أسلوب التخيير والترجيح بين المذاهب عند التقنين، بدلاً من الالتزام بمذهب واحد بعينه.(28)

المطلب الثاني: موقف هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية:

يُعدّ موقف هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية من أبرز الآراء الفقهية المؤسسية المتعلقة بالتقنين، نظراً لثقلها العلمي ومكانتها في المرجعية الفقهية السنية. 

وقد درست الهيئة مسألة التقنين منذ أكثر من ثلاثة عقود، وكانت أولى دراساتها للموضوع في عهد الملك فيصل رحمه الله، حين طُلب من الهيئة إبداء رأيها في مدى جواز تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به.(29)

وفي قرارها الأول المعروف، خلصت الهيئة بالأغلبية إلى أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به، وأسّست لهذا القرار بجملة من الحجج، أبرزها: 

١ - أن إلزام القضاة بما اختير يقتضي الحكم بخلاف ما يعتقدون، وهذا مخالف لمبدأ الاجتهاد القضائي. 

٢ - أن التقنين يُفضي إلى الحجر على القضاة وفصلهم عن الكتاب والسنة وعن التراث الفقهي الإسلامي. 

٣ - كما استدلت الهيئة بالتجارب السابقة في الدول الإسلامية التي طبّقت التقنين فوجدت أنه لم يرفع الاختلاف بين القضاة.(30)

غير أن الهيئة عادت وأعادت النظر في موقفها في عام 1432هـ (2010م) تقريباً، حين صوّت أعضاؤها - في الدورة 72 للأجتماع - بأغلبية كبيرة على إجازة التقنين، واستُحدثت لجان علمية للبدء في صياغة المواد الفقهية وفق منهجية محددة. 

وكشف الدكتور عبد الرحمن السند عن أن مشروع التدوين أُعيد للدراسة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز وصدر قرار بإجازته، وأن المشروع كان يستهدف إعانة القضاء على إصدار الأحكام الشرعية وتحقيق الوحدة بين الأحكام.(31)

المطلب الثالث: موقف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر:

لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف حضور فاعل في مسيرة تقنين الفقه الإسلامي؛ ففي مؤتمره الأول المنعقد عام 1383هـ نادى بفكرة الاجتهاد الجماعي ووضع الحلول الفقهية الملائمة للمستجدات. 

وفي عام 1983م أطلق الأزهر مشروعاً طموحاً لتقنين الشريعة الإسلامية على مذاهب الفقهاء الأربعة، وأنجز فيه مسودات تقنينية في الأحوال الشخصية والمعاملات المدنية والجنائية، وصدرت في مجلدات تحت مسمى "مشروع تقنين الشريعة الإسلامية على مذهب الإمام أبي حنيفة" و"على مذهب الإمام مالك" وسواها.(32)

ويتميز مشروع الأزهر بأنه لم يلتزم بمذهب فقهي واحد بل اعتمد أسلوب العرض المقارن بين المذاهب، مع إتاحة الخيار للمشرّع الوطني في اختيار ما يُناسب واقعه وظروفه. وتُمثّل هذه المسودات مرجعاً ثميناً للدول الإسلامية الراغبة في إصلاح منظومتها القانونية وفق مرجعية فقهية إسلامية، وقد استفادت منها عدة دول في صياغة بعض قوانينها.(33)

المطلب الرابع: الحجج المؤيدة والمعارضة للتقنين:

أ - تتوزع الحجج المؤيدة للتقنين الفقهي على عدة محاور: 

١ - أن التقنين يُحقق وحدة الأحكام القضائية ويحول دون تفاوتها بين القضاة في القضايا المتماثلة، مما يضمن العدالة ويصون ثقة المتقاضين بالقضاء. 

٢ - أن التقنين يُيسّر على القضاة الفصل في القضايا دون الحاجة إلى البحث في مطولات الفقه الإسلامي التي لا يستوعبها إلا الفقهاء المتخصصون، لا سيما في زمن كثُرت فيه القضايا وأكثر القضاة فيه من المقلّدين لا من المجتهدين.(34)

٣ - أن التقنين يُسهل دراسة وتدريس الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالقوانين الوضعية الأخرى، كما يُمكّن من صون الهوية الإسلامية التشريعية في مواجهة موجة التغريب القانوني. أما على الصعيد العملي فإن التقنين يُتيح للأفراد والمتعاملين معرفة حقوقهم وواجباتهم بوضوح دون الحاجة إلى استشارة العلماء في كل مسألة. 

وقد أشار أصحاب هذا الرأي إلى أن محاسن التقنين تستغرق مساوئه لاسيما في هذا العصر.(35)

ب - في المقابل، يستند المعارضون للتقنين إلى جملة من الحجج الجوهرية: 

١ - أن التقنين يُوقف الاجتهاد أو يُقلّصه؛ إذ إن صياغة أحكام الفقه في مواد ملزمة يُجمّد هذه الأحكام ويُعسّر تغييرها حتى إذا تغيرت الظروف والمصالح. 

٢ - أن إلزام القاضي بحكم قد لا يعتقده صحيحاً يُفضي إلى إصدار أحكام يُخالف فيها قناعته الفقهية، وهو ما يتعارض مع اشتراط اقتناع القاضي برأيه.(36)

٣ - أن في التقنين حجراً على القضاة وفصلاً لهم عن التراث الفقهي الإسلامي الثري بآرائه المتنوعة، وأن تجارب الدول التي طبّقته لم تُسفر عن النتائج المرجوّة بل أدّت إلى التحاكم بالقوانين الوضعية في أغلب المجالات. (37)

الترجيح: التقنين جائز في الأصل ويعد وسيلة صحيحة للعدل وفصل الخصومات متى بُني على أصول واجتهادات منضبطة. وقد تتغير صفة التقنين بين الوجوب، الحظر، أو خلاف الأولى بحسب مآلاته، وواقع كل بلد، ومدى مراعاة فقهائه لظروفهم الخاصة في حفظ الشريعة أو درء المفاسد. 

المبحث الرابع: التقنين الفقهي في الدول العربية والإسلامية.

المطلب الأول: نماذج التقنين في الدول العربية:

أولاً: مصر. 

تُمثّل مصر تجربة تاريخية رائدة في تقنين الفقه الإسلامي؛ فقد بدأت مسيرتها القانونية في الأحوال الشخصية مبكراً بصدور القانون رقم 25 لسنة 1920م المتعلق بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية الذي جاء في 13 مادة تنظّم النفقة والتفريق بين الزوجين. 

ثم أعقبه القانون رقم 25 لسنة 1929م الذي توسّع في أحكام الطلاق والتفريق القضائي ووقعه في 25 مادة، وقد ميّزت هذه القوانين الأولى بأخذها من مذاهب متعددة لا بالالتزام بمذهب بعينه.(41)

وقد واصلت مصر مسيرة التقنين فأصدرت القانون رقم 78 لسنة 1931م المنظّم للإجراءات أمام محاكم الأحوال الشخصية، ثم القانون رقم 44 لسنة 1979م الذي عُدّ الأكثر إنصافاً للمرأة في مجال الطلاق وحق السكن والحضانة، إلا أن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستوريته عام 1985م لعيوب إجرائية في إصداره، فصدر بديلاً عنه القانون رقم 100 لسنة 1985م الذي لا يزال مُعمَلاً به حتى اليوم مع تعديلات عديدة.(42)

أما في مجال القانون المدني المصري الصادر عام 1948م فقد صيغ في 1149 مادة، استمدّ بعضها من الفقه الإسلامي لاسيما من مجلة الأحكام العدلية ومرشد الحيران لقدري باشا، وإن ظلّ النصيب الأكبر منه مأخوذاً من القانون المدني الفرنسي. 

ويختلف القانونيون حول مدى إسلامية هذا القانون؛ فيرى البعض أن السنهوري أفرط في الاستعارة من الغرب، بينما يرى آخرون أنه نجح في التوفيق بين المصدرين في حدود إمكانيات عصره.(43)

ثانياً: الأردن:

طوّر الأردن منظومة قانونية إسلامية متكاملة نسبياً؛ ففي مجال المعاملات المدنية أصدر القانون المدني الأردني عام 1976م الذي يُعدّ من أكثر القوانين المدنية العربية استمداداً من الفقه الإسلامي، إذ أخذ بآراء المذاهب الفقهية الأربعة دون تقيّد بمذهب واحد، مُطبّقاً بذلك منهج التخير بين المذاهب على نطاق واسع. وفي مجال الأحوال الشخصية أصدر قانون الأحوال الشخصية الأردني عام 1976م أيضاً.(44)

وتتجلى خصوصية التجربة الأردنية في منهجية صياغة قانونها المدني؛ إذ نصّت المادة الأولى منه على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للقانون، وأن القاضي يلجأ إلى الفقه الإسلامي عند غياب النص الصريح. وقد أفردت الدراسات الأكاديمية الأردنية باباً خاصاً لبحث واقع التقنين الفقهي في الأردن وآفاقه المستقبلية، حيث صدرت دراسات مهمة لباحثين أردنيين كالدكتور عبد الرحمن الكيلاني في كتابه "تقنين الفقه الإسلامي في الأردن الواقع والآفاق".(45)

ثالثاً: الكويت. 

تُعدّ الكويت من أبرز نماذج التقنين الفقهي في دول الخليج العربي؛ إذ أصدرت قانون الأحوال الشخصية رقم 51 لسنة 1984م في 7 يوليو 1984م، ويتألف هذا القانون من 346 مادة تُغطي أحكام الزواج وإنشائه وأركانه وشروطه، وأنواع الزواج وآثاره من مهر ونفقة وسكن، وفرق الزواج من طلاق وخلع وتطليق قضائي، وما يترتب على الفراق من عدة وحضانة ونفقة. كما يشمل القانون أحكام الولادة وآثارها من نسب ورضاع وحضانة وولاية، وأحكام الوصية والمواريث.(38)

ويُجمع الباحثون على أن القانون الكويتي اتبع في التقنين منهج التخير والترجيح بين المذاهب الفقهية، إذ لم يلتزم بمذهب واحد بعينه، بل جمع بين الأحكام الراجحة من المذاهب المختلفة وفق ما تقتضيه المصلحة والظروف المعاصرة.(39)

المطلب الثاني: نماذج أخرى بارزة في العالم الإسلامي

١ - في المملكة العربية السعودية ظلّت الأحكام القضائية تقوم أساساً على الاجتهاد المباشر من المذهب الحنبلي دون تقنين رسمي، حتى صدرت في العقود الأخيرة أنظمة متخصصة في مجالات عدة كنظام المرافعات الشرعية ونظام الأحوال الشخصية وسواها. 

وقد دفع اتساع الدولة وكثرة القضايا إلى الأخذ بالتقنين تدريجياً في مجالات محددة. وقد كشفت هيئة كبار العلماء عن مشروع التقنين الشامل المرفوع للمقام السامي لاعتماده.(46)

٢ - في دولة الإمارات العربية المتحدة صدر قانون المعاملات المدنية عام 1985م وهو الأوسع نطاقاً في العالم الإسلامي من حيث الاستمداد من الفقه الإسلامي؛ إذ نصّت مادته الأولى على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الأول، وجاء في نحو 1600 مادة متأثرة بالقانون الأردني والمجلة العثمانية. كذلك أصدرت الإمارات قانون الأحوال الشخصية عام 2005م الذي وضع إطاراً فقهياً للأسرة الإماراتية.(47)

٣ - وفي باكستان صدر عام 1979م تشريع العقوبات الإسلامية المستمدة من الشريعة، وأُسست محاكم الشريعة الفيدرالية لمراجعة القوانين من زاوية مطابقتها للإسلام. 

٤ - أما ليبيا فقد سلكت مسلك تقنين أحكام الحدود والقصاص والدية في نصوص واضحة، على غرار نظام التعزير.(48)

وتجدر الإشارة إلى أن الدول العربية تتوزع في تعاملها مع التقنين الفقهي على ثلاثة أصناف: 

اﻷول: دول استمدّت قانونها المدني كله من الفقه الإسلامي، كالسعودية واليمن والأردن والإمارات. 

والثاني: دول استمدّت بعضه من الفقه الإسلامي وأكثره من القوانين الغربية، كمصر وسوريا والعراق والكويت. 

والثالث: دول زاوجت في الاستمداد بين الفقه الإسلامي والقوانين الغربية بشكل متوازن كالمغرب والجزائر وتونس.(49)

المبحث الخامس: أنواع التقنين الفقهي ومناهج العمل فيه.

المطلب الأول: أنواع التقنين الفقهي من حيث الشمولية والتخصص:

تتنوع صور التقنين الفقهي وتتباين بحسب نطاق الموضوعات التي تتناولها وعمق تغلغلها في المنظومة التشريعية؛ فمن حيث الشمولية يمكن تقسيمه إلى: التقنين الشامل الذي يسعى إلى تحويل الفقه الإسلامي بأسره في كل أبوابه من العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والعقوبات إلى مواد قانونية شاملة، وهو الهدف الذي سعى إليه مشروع الأزهر الشريف في مسودات التقنين على المذاهب الأربعة، وإن ظلّت إنجازاً أكاديمياً لم يرتدِ بعدُ ثوب التطبيق الرسمي الكامل في أي دولة.(50)

والتقنين المتخصص هو الأكثر شيوعاً واتساعاً في العالم الإسلامي المعاصر، وفيه تنتقي الدولة مجالاً أو أكثر من مجالات الفقه الإسلامي لإخضاعه للتقنين، كقانون الأحوال الشخصية الذي تبنّته أغلب الدول الإسلامية، أو قانون المعاملات المدنية، أو قانون الأسرة، أو قانون العقوبات الإسلامية. 

وقد أثبتت التجربة أن التقنين المتخصص في الأحوال الشخصية هو الأكثر رسوخاً لدى الدول العربية قاطبة، نظراً لعمق الانتماء الديني في هذا المجال وحساسيته الاجتماعية.(51)

ويمكن تصنيف التقنين أيضاً بحسب درجة إلزاميته القانونية إلى: تقنين ملزم هو القانون الذي يُصدره المشرّع ويُلزم القضاة بتطبيقه، وتقنين إرشادي هو الذي يُعدّه الفقهاء والعلماء في صورة مسودات أو مراجع مقنّنة يستأنس بها القضاة دون إلزام قانوني مباشر، ومثال الأول قانون الأحوال الشخصية الكويتي، ومثال الثاني كتب محمد قدري باشا الذي استعان به القضاء المصري دون صدور قانون رسمي يجعله ملزماً.(52)

المطلب الثاني: مناهج العمل في التقنين الفقهي:

تتباين مناهج العمل في التقنين الفقهي تبايناً جوهرياً يتصل بموقف المُقنِّن من الاتجاهات المذهبية المختلفة: 

والمنهج الأول: هو منهج الالتزام بمذهب واحد، وهو المنهج الذي سلكته مجلة الأحكام العدلية العثمانية حين اقتصرت على الفقه الحنفي، وسار عليه كتاب محمد قدري باشا في الأحوال الشخصية الذي أخذ حصراً بالقول الراجح في المذهب الحنفي. 

ويتميز هذا المنهج بالانسجام الفقهي والاتساق الداخلي، غير أنه يُضيّق دائرة الاختيار ويُعسّر الأخذ بالمصلحة عند وجود رأي أرجح في مذهب آخر.(53)

المنهج الثاني: هو منهج التخير والترجيح بين المذاهب، وقد اعتمده المشرّعون المعاصرون في معظم قوانين الأحوال الشخصية العربية الحديثة كالقانون الكويتي والأردني والمصري في جزء منه. 

ويقوم هذا المنهج على تحكيم المصلحة ومقتضيات العصر في الاختيار بين الآراء الفقهية المختلفة، دون التقيد بمذهب بعينه. ومن أبرز ميزاته المرونة في التعامل مع متغيرات الواقع والاستفادة من ثروة الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه.(54)

المنهج الثالث: هو منهج الاجتهاد الجديد في حدود المبادئ الكلية، الذي يتجاوز حدّ الترجيح بين الأقوال الموجودة ليدخل في ميدان الاجتهاد في المسائل المستحدثة التي لم يتكلم عنها الفقهاء القدامى. 

ويمثّل هذا المنهج أعلى درجات التجديد التشريعي الإسلامي، ويشترط أن يُناط بعلماء راسخين يجمعون بين الفقه الإسلامي والمعرفة بمقتضيات العصر وفقه المصالح والمآلات، ككتاب المعايير الشرعية، ومعايير المحاسبة والمراجعة والحوكمة والأخلاقيات، لهيئة المحاسبة والمراجعة للمءسسات المالية اﻹسلامية (AAOIFI).(55)

وتُضاف إلى هذه المناهج قضية ضوابط التقنين وشروطه؛ إذ يشترط الفقهاء لإجازة التقنين: 

١ - أن يُبنى على أصول المذاهب الفقهية الأربعة المعتبرة. 

٢ - أن لا يخالف أصول التشريع الإسلامي من الكتاب والسنة والإجماع. 

٣ - أن يتسم بحسن الصياغة ووضوح العبارة وقابلية التطبيق. 

٤ - أن يُعاد النظر فيه دورياً لتحديثه وفق المستجدات. 

ويُلحق بعض الفقهاء شرطاً آخر وهو أن يصدر التقنين بعد دراسة مقارنة وافية مع التقنينات الوضعية المعاصرة.(56)

الخاتمة والنتائج

بعد هذه الجولة العلمية في أرجاء موضوع التقنين الفقهي بمحاوره المختلفة، تتكشّف جملة من النتائج والتوصيات التي تُلقي الضوء على أهمية هذا الموضوع وإشكالياته الراهنة والمستقبلية.

أولاً: إن التقنين الفقهي ظاهرة تاريخية ضاربة جذورها في الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري، ولم تكن وليدة الاحتكاك بالغرب في العصر الحديث؛ وإن كان هذا الاحتكاك قد أضفى عليها زخماً وأعطاها طابعاً تقنياً حديثاً. وتُثبت التجارب التاريخية من مجلة الأحكام العدلية إلى القوانين العربية المعاصرة أن الفقه الإسلامي قابل للتقنين وقادر على التكيّف مع متطلبات التشريع الحديث.

ثانياً: إن الخلاف حول التقنين ليس خلافاً في جوهر الشريعة بل في كيفية تطبيقها وتنزيلها على الواقع؛ فأصحاب المنع يخشون على الاجتهاد وعلى سلامة الأحكام من الجمود، وأصحاب الجواز يبتغون صون العدل وتوحيد الأحكام وتيسير التقاضي. وقد رجحت كفّة المجيزين في أغلب الدول الإسلامية المعاصرة، وإن ظلّ حجم التقنين ومجالاته يتفاوت تفاوتاً ملحوظاً بين دولة وأخرى.

ثالثاً: إن منهج التخير والترجيح بين المذاهب الفقهية، يُتيح الأخذ بالأصلح والأرجح من مختلف المذاهب، وهو ما يُعبّر عن روح الشريعة في مرونتها وملاءمتها للظروف المتغيرة.

رابعاً: إن النموذج الكويتي في تقنين الأحوال الشخصية يُمثّل منهج الترجيح والتخير مع الحرص على سلامة الأحكام الشرعية. كما أن التجربة الأردنية في قانونها المدني المستمد أصالةً من الفقه الإسلامي تُشكّل أنموذجاً مرجعياً للدول الراغبة في إصلاح قانوني مبني على التراث الفقهي الإسلامي.

خامساً: إن المستقبل يُرجّح أن يشهد مزيداً من جهود التقنين الفقهي في الدول الإسلامية؛ دافع ذلك حاجات التطبيق العملي وتطلع الأمة إلى هوية قانونية متميزة. غير أن هذه الجهود ينبغي أن تنطلق من منطلقات علمية رصينة تُوازن بين صون الحكم الفقهي والتجاوب مع متطلبات العصر، وأن تُعنى بإعداد الكفاءات المتخصصة القادرة على الجمع بين العلمين: الفقه الإسلامي وعلم القانون المقارن.

المصادر والمراجع:

(1) لمزيد من التفاصيل حول أهمية التقنين ودواعيه، انظر: محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي المبدأ والمنهج والتطبيق (قطر: إدارة إحياء التراث الإسلامي، 1986)، ص 15-20.

(2) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي ما له وما عليه"، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة زيان عاشور بالجلفة، العدد 27 (2016): ص 68.

(3) حمد بوجمعة، "موقف عبد الرزاق السنهوري من تقنين الفقه الإسلامي"، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، المجلد 8، العدد 1 (2023): ص 1761.

(4) ابن منظور، لسان العرب (بيروت: دار صادر، 1414هـ)، مادة "قنن"، المجلد 13، ص 358. والجرجاني، التعريفات (بيروت: دار الكتب العلمية، 1983)، ص 177.

(5) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 23-25.

(6) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 69.

(7) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي (دمشق: دار الفكر، 1987)، ص 11.

(8) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي (الرياض: دار الراية، 1996)، ص 32.

(9) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 41.

(10) أحمد جودت باشا، مجلة الأحكام العدلية (بيروت: الدار الشامية، 1991)، المادة الأولى والعاشرة.

(11) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 18-22.

(12) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 17.

(13) عبد الله بن المقفع، رسالة الصحابة، نقلاً عن: أحمد زكي صفوة، جمهرة رسائل العرب (القاهرة: المكتبة العلمية، 1937)، ج 3، رسالة رقم 26. وانظر أيضاً: صحيفة عكاظ، "مجلة الأحكام أول محاولة لتقنين الشريعة"، 6 يونيو 2006.

(14) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 21. والصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 72.

(15) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 55-60.

(16) اليوم السابع (القاهرة)، "تطور قوانين الأحوال الشخصية في التشريعات العربية"، 22 ديسمبر 2019.

(17) حمد بوجمعة، "موقف عبد الرزاق السنهوري"، مرجع سابق، ص 1765.

(18) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 73.

(19) أحمد جودت باشا، مجلة الأحكام العدلية، مرجع سابق، مقدمة الطبعة.

(20) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 44-46.

(21) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 89، هيثم الرومي، الصياغة الفقهية في العصر الحديث، ص ٣٨٥.

(22) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 75-76.

(23) اليوم السابع، "تطور قوانين الأحوال الشخصية"، مرجع سابق.

(24) موقع المنشورات القانونية، قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929 (مصر)، نُشر 7 مارس 2020. متاح على: https://manshurat.org/node/12369

(25) حمد بوجمعة، "موقف عبد الرزاق السنهوري"، مرجع سابق، ص 1762-1763. وانظر: موقع إسلام أون لاين، "منهج السنهوري في تجديد الفقه الإسلامي"، 19 مايو 2024.

(26) موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة). وانظر: وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 65.

(27) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 67-70.

(28) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 180-185.

(29) صحيفة الأنباء الكويتية، "كبار علماء السعودية يرفعون مشروع تقنين الشريعة لاعتماده"، 6 مايو 2012.

(30) موقع مؤسسة ريجستون للبحوث، "تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة"، 20 مايو 2021. وانظر: المكتبة الشاملة، أبحاث هيئة كبار العلماء.

(31) صحيفة عكاظ، "تقنين الأحكام يحدّ من التفاوت"، 7 مايو 2012. وصحيفة الرياض، "تدوين وتقنين الأحكام الشرعية"، 30 يوليو 2012.

(32) عبدالناصر العطار، توحيد تقنينات الأزهر للشريعة اﻹسلامية، ١ / ١١. 

(33) المرجع السابق.

(34) صحيفة عكاظ، "تقنين الأحكام يحدّ من التفاوت"، مرجع سابق.

(35) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 82-83.

(36) موقع مؤسسة ريجستون، "تدوين الراجح من أقوال الفقهاء"، مرجع سابق.

(37) المكتبة الشاملة، أبحاث هيئة كبار العلماء، مرجع سابق.

(38) موقع ويكيبيديا العربي، "قانون الأحوال الشخصية (الكويت)"، تاريخ الاطلاع: 8 أبريل 2026.

(39) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 210.

(41) موقع المكتبة النسوية، "الولاية حقي: التسلسل الزمني للتطور التشريعي"، أغسطس 2024.

(42) موقع البيروني للقانون المصري، "قانون رقم 25 لسنة 1929 في شأن بعض أحكام الأحوال الشخصية"، يناير 2024.

(43) حمد بوجمعة، "موقف عبد الرزاق السنهوري"، مرجع سابق، ص 1771-1773.

(44) عبد الرحمن الكيلاني، تقنين الفقه الإسلامي في الأردن الواقع والآفاق (عمان: دار عمار، 2000)، ص 25.

(45) المرجع السابق، ص 30-35.

(46) صحيفة الأنباء الكويتية، "كبار علماء السعودية يرفعون مشروع تقنين الشريعة"، مرجع سابق.

(47) حمد بوجمعة، "أثر الفقه الإسلامي في القوانين المدنية للدول العربية"، مجلة العلوم القانونية والاجتماعية، المجلد 2، العدد 3 (2017): ص 1.

(48) موقع مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، "مسألة تكرار الجرائم بين قانون العقوبات وقوانين الحدود"، (2007): ص 2-4.

(49) حمد بوجمعة، "أثر الفقه الإسلامي في القوانين المدنية"، مرجع سابق.

(50) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 55-56.

(51) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 112-115.

(52) اليوم السابع، "تطور قوانين الأحوال الشخصية"، مرجع سابق.

(53) الصادق ضريفي، "تقنين الفقه الإسلامي"، مرجع سابق، ص 77.

(54) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 80-82.

(55) محمد زكي عبد البر، تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 245-248.

(56) وهبة الزحيلي، جهود تقنين الفقه الإسلامي، مرجع سابق، ص 85.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...