بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
وبعد...
فهذا شهرٌ قد أطل علينا من الأشهر الحرم وهو شهر ذي الحجة يحمل معه أفضل أيام السنة أيام عشر ذي الحجة، قد أرشدَ النبي صلى الله عليه وسلم الى التزود من الإعمال الخيرة فيه, ومن خصائصه ما يذبح من بهيمة الإنعام من بداية يوم العيد وما بعده على سوف نبينه إن شاء الله، وتسمى: الأضحية.
فأحببتُ في هذه المقالة أن اكتب بعض الأحكام التي تتعلق في الأضحية، وما يلزم المضحي من الأحكام، على طريقةِ قصصية، بعيدةٌ عن طريقة المتون، أو البحوث، وبعيدة كل البعد عن ما يعسر على الفهم من العبارات الغامضة، واعتمدت في هذه الأحكام على المذهب الحنبلي
فاسأل الله أن تكون خالصة لوجهه الكريم, ونافعة لجميع المسلمين.
{1}
وإذا أردة أن تعرف الأضحية فهي: ما يذبح من الإبل أو البقر أو الغنم في أيام النحر. ولا تصح الأضحية بغيرها؛ لقوله تعالى: {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}. وبهيمة الإنعام هذه الثلاث.
وأما حكمها فهي مشروعة؛ لقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] المراد: التضحية بعد صلاة العيد. وروي أنه صلى الله عليه وسلم «ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما» متفق عليه. ووقع الإجماع على ذلك.
وسنة مؤكدة للمسلم القادر، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم.
إلا أنها تجب في حالتين:
الأولى: أن يذر، بأن يقول: نذرت أن أضحي؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه". والأمر في الحديث يقتضي وجوب الفعل.
والثانية: أن يحدد الأضحية، فيقول: هذه أضحية، أو بقوله: هذا لله، أو هذه لله، أو لله عليّ ذبحه؛ لأن هذا التحديد يقتضي الإيجاب.
{2}
إذا عرفة الأضحية وحكمها.. فإن من أراد أن يضحي إذا دخل شهر ذي الحجة فيحرم عليه أن يأخذ شئ من شعره أو ظفره إلى أن يذبح أضحية؛ لحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي" رواه مسلم.
وإذا كانت له أكثر من أضحية فإنه يجوز له أن يأخذ من شعره أو ظفره مع ذبح أول أضحية منها.
{3}
وأفضل الأضاحي هي الإبل وبعدها في الترتيب البقر، تأتي الغنم (الضأن)، وفي الأخير المعز، وهذا التفضيل أخذ من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة مرفوعا: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن" متفق عليه.
وتقديم الإبل والبقر في الأفضلية، إذا اشتراها المضحي لوحده ولم يشرك معه غيره، وإلا كانت الغنم (الضأن)، والمعزة أفضل.
والأفضل أن تكون (الإبل، والبقر، والغنم، والمعزة) سمينة، فإن تساووا في السمن، فأغلى ثمناً؛ لقوله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32]. قال ابن عباس: " تعظيمها: استسمانها واستحسانها " .
{4}
والسن المجزئ في الأضحية يختلف بين الإبل والبقر، والغنم، والمعزة.
فأقل سن مجزئ في الغنم الجذع، وهو: ما ستة أشهر كاملة؛ لقول أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: "نعم، أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن" رواه أحمد والترمذي.
وأقل سن مجزئ في المعز الثني، وهو: ما له سنة كاملة؛ لأنه قبلها لا يلقح.
وأقل سن مجزئ في البقر، والجاموس الثني، وهو: ما له سنتان كاملتان.
وأقل سن مجزئ في الإبل الثني، وهو: الذي بلغ خمس سنين كاملة.
وسمي ثني؛ لأنه ألقى ثنيته.
{5}
وإذا أراد المضحي أن يشتري أضحيت فلا بد أن يحذر من تسعةِ أمور:
الأول: التي ظهر عليها المرض، مثل: الخمول، أو الجرب، أو ورم.
والثاني: العوراء، بأن انخسفت عينها.
والثالث: العمياء؛ لأن العمى يمنع مشيتها مع رفيقتها.
والرابع: الهزيلة التي ذهب شحمها، ولحمها، ومخ عظمها وهو: الودك الذي في العظم، وتسمى: (عجفاء).
والخامس: العرجاء لا تطيق مشياً مع صحيحة؛ لحديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة. - وفي لفظ - والعجفاء التي لا تنقي" رواه الخمسة، وصححه الترمذي. فنص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأربعة الناقصة اللحم، وقيس عليها ما في معناها.
والسادس: التي سقطت ثنايا أضراسها، وتسمى: هتماء
والسابع: ما أنكسر غلاف قرنها، وتسمى: العصماء.
والثامن: ما قطع ذكره وأنثياه.
والتاسع: ما ذهب أكثر أذنها، أو ذهب أكثر قرنها، وتسمى: عضباء؛ لحديث علي رضي الله عنه "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يضحى بأعضب الأذن والقرن" قال ابن المسيب: العضب: النصف، فأكثر من ذلك. رواه النسائي.
{6}
وقت الذبح التي تصح معه الأضحية، يبدأ مع انتهاء أول صلاة عيد في البلد، ولو قبل خطبة العيد، والبلد التي لا يصلى فيها العيد فإنهم يقدرون الوقت الذي تصلى صلاة العيد ثم يبدأ وقت الذبح لهم.
ولا تجزئ الأضحية قبل صلاة العيد، أو الوقت المقدر في البلاد التي لا تصلى فيها صلاة العيد؛ لحديث أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم، يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد" متفق عليه. وللبخاري: "ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين".
ويستمر وقت ذبح الأضحية في أيام التشريق في النهار والليل؛ لأن الليل داخل في مدة الذبح.
وينتهي وقت ذبح الأضحية آخر ثاني أيام التشريق، قال الإمام أحمد: أيام النحر ثلاثة - [وهي: يوم العيد، وأول أيام التشريق, وثاني أيام التشريق] - عن خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: عمر وابنه وابن عباس وأبي هريرة وأنس رضي الله عنه، ولا مخالف لهم.
{7}
يسن للمضحي أن يذبح هو أضحيته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذبح ضحاياه، ويجوز له أن يستنيب في ذبح أضحيته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «نحر مما ساقه في حجته ثلاثاً وستين بدنة، واستناب علياً رضي الله عنه في نحر الباقي»
وإذا استعان بمن يذبح ضحاياه، فإنه يسن أن يكون مسلماَ؛ لأنها قربة، فينبغي أن لا يليها غير أهلها.
ويحضر المضحي إذا لم يكن هو من يذبح ضحاياه؛ لحديث ابن عباس الطويل «وأحضروها إذا ذبحتم فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها».
{8}
إذا أراد المضحي أن يذبح أضحيته فهناك طريقتان:
الطريقة الأُولى: هي الطريقة المسنون وهي على قسمين:
القسم الأول: النحر، وهي خاصة في الإبل.
وصفتها: أن تكون الإبل واقفة ويربط يدها اليسرى، ثم يطعنها بسكينه طويلة في الوهدة - وهي: بين أصل العنق والصدر -
والدليل: عبد الرحمن بن سابط: « أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها» وروى أبو داود
والقسم الثاني: الذبح، وهي تشمل البقر، والغنم.
وصفتها: أن تنوم على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة.
الدليل: قول الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67]
وحديث «ضحى بكبشين أملحين أقرنين. وذبحهما بيده» متفق عليه.
والطريقة الثانية: الطريقة الجائزة، وهي: يجوز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر, ويكون حلالاً.
وصفة الذبح: أولاً يجب أن يسمي - [وهي: بسم الله]- عند النحر، أو الذبح، وإذا نسى أن يسمي، فإنه ليس عليه شيء، والأضحية حلال.
والدليل على وجوب التسمية: قوله تعالى: { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } [سورة الأنعام:121].
ويسن أن يقول: بعد التسمية الله أكبر، اللهم هذا منك ولك.
والدليل: حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح يوم العيد كبشين - وفيه - ثم قال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك" رواه أبو داود.
{9}
وبعد الانتهاء من ذبح أو نحر الأضحية، فإن السنة أن يقسم الأضحية ثلاث أثلاث:
الثلث الأول: يأكله هو وأهل بيته.
والثلث الثاني: يهديه إلى أقربائه، أول جيرانه، أو غيرهم.
والثلث الثالث: يتصدق به على الفقراء، والمساكين.
والدليل: حديث ابن عباس مرفوعا في الأضحية قال: "ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السؤال بالثلث" قال الحافظ، وأبو موسى: هذا حديث حسن.
قال علقمة " بعث معي عبد الله بهدية فأمرني أن آكل ثلثا، وأن أرسل إلى أهل أخيه بثلث، وأن أتصدق بثلث " وهو قول ابن مسعود.
ولا يجب على المضحي أن يأكل من أضحيته، فلو تصدق بها كلها جاز، أو تصدق بنصفها، وأهدى نصفها جاز.
والدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نحر خمس بدنات وقال من شاء فليقتطع ولم يأكل منهن شيئا».
ولكن يجب أن يتصدق بأقل ما يقع عليه اسم اللحم، وهو: (119) جرام.
والدليل: قوله تعالى: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} وظاهر الأمر الوجوب.
ويحرم على المضحي بيع شئ من الأضحية حتى لو كان من شعرها وجلدها؛ لأنه ساقها لله على تلك الصفة، فلا يأخذ شيئا مما جعله لله.
وكذا يحرم أن يعطي المضحي الجزار - [وهو الذابح]- أجرة الذبح من الأضحية.
والدليل: حديث علي أمرني صلى الله عليه وسلم: «أن أقوم على بدنه وأن أقسم جلودها وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا. وقال: نحن نعطيه من عندنا» متفق عليه.
ويجوز للمضحي أن يعطي الجزار صدقة أو هدية من الأضحية.
{10}
وبعد أن يذبح المضحي أضحيته فإنه يباح له يحلق شعره ويقرض أظفاره، ويشكر الله على هذه النعمة، ويعايد أهله في العيد ويسلم على الناس ويفرح فإنه هذا اليوم يوم فرح للمسلمين.
وهذا ختام هذه المقالة، فأسال الله أن تكون نافعة لمن قراءها ويكتب لي أجرها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أله وصحبة أجمعين.
انتهيت من هذا المقالة ليلة الأحد بتاريخ 26 / 7 / 2020م.
تعليقات
إرسال تعليق