التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح قصيدة المثقب العبدي: " لَا تَقُولَنَّ إِذَا مَا لَمْ تُرِدْ"

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. 

أما بعد

لم تكن "الكلمة" عند العرب قديماً مجرد أصواتٍ تُنطق، بل كانت ميثاقاً غليظاً، وعقداً ملزماً، تدور حوله رحى "المروءة" وتُوزن به أقدار الرجال. 

​ومن بين القصائد التي زخر بها العصر الجاهلي، تبرز قصيدة الشاعر عائذ بن محصن، المعروف بـ "المثقب العبدي"، لا لكونها تصف أطلالاً أو تفاخر بنسب، بل لكونها تؤسس لدستورٍ أخلاقي واجتماعي دقيق، يعالج واحدة من أدق الآفات البشرية: آفة الوعد الكاذب والكلمة المرتجلة.

 فتُعد قصيدته الميمية بحق من عيون الحكمة العربية في أدب الوعد، والوفاء بالعهد، وحفظ اللسان، واحترام وعي الآخرين.

ونذكر قبل البدأ في شرح هذه الأبيات التعريف بالشاعر. 

التعريف بالشاعر:

الْـمُثَقِّب (بكسر القاف)، لَقَبٌ عُرف به الشاعر عائذ الله بن محصن بن ثعلبة من بني عبد القيس بن أفصى من ربيعة.

وجاء لقبه هذا لقوله الشهير في قصيدته النونية يصف ظعائن حجبن هودجهن وفتحن ثقوباً صغيرة فيه لرؤية الطريق: "ظهرن بكلة وسدلن أخرى... وثقبن الوصاوص للعيون".

ويتميز بدقةِ الوصف، وقوة الملاحظة، مع رهافةٍ في الحس وتوثّبِ الخاطر من غرض إلى غرض، إلى جانب ابتداع في المعنى وابتداع في اللفظ. 

وقد حظي شعره بالانتشار بين الرواة والعلماء الذين ضمّنوا بعض قصائده في كتبهم، واستحسنوا كثيراً من أبياته ومعانيه، وأشاروا إلى سبقه إلى بعض المعاني التي قلّده فيها الشعراء بعده.

وهو شاعر فحل جاهلي عريق عاصر الملك عمرو بن هند وكان أقدم عهداً من النابغة الذبياني.


شرح القصيدة:

البيت الأول:

لَا تَقُولَنَّ إِذَا مَا لَمْ تُرِدْ... أَنْ تُتِمَّ الوَعْدَ فِي شَيْءٍ نَعَمْ

يحذر الشاعر من خطر عدم الالتزام بالكلمة؛ فيقرر وجوب ألا يلفظ الإنسان بكلمة الوعد والإيجاب "نعم" لأي سائل أو طالب حاجة إلا إذا كان عازماً ومستعداً للوفاء الكامل بهذا الوعد.

البيت الثاني:

حَسَنٌ قَوْلُ «نَعَمْ» مِنْ بَعْدِ «لا»... وَقَبِيحٌ قَوْلُ «لا» بَعْدَ نَعَمْ

يوازن الشاعر موازنة عقلية واجتماعية؛ فمن المستحسن أخلاقياً ونفسياً أن يبادر المرء بقول "نعم" بعد المنع الأول "لا" لأن نجدته بعد يأس السائل تقع موقعاً طيباً بليغاً في النفوس، في حين يقبح ويرذل الرجوع بالمنع "لا" بعد إعطاء عهد الإيجاب "نعم" لما في ذلك من صدمة وإيلام للنفس التي ركنت واطمأنت للوعد.

البيت الثالث:

إِنَّ «لا» بَعْدَ «نَعَمْ» فَاحِشَةٌ... فَبِ «لا» فَابْدَأْ إِذَا خِفْتَ النَّدَمْ

يصف الشاعر النكث بالعهود والرجوع عن الإيجاب بصفة "الفاحشة" التي تشين كرامة صاحبها، ويرشد إلى ضرورة الابتداء بالمنع "لا" بجرأة ووضوح من أول الأمر إذا كان المرء يخشى العجز عن الوفاء والندم اللاحق.

البيت الرابع:

فَإِذَا قُلْتَ «نَعَمْ» فَاصْبِرْ لَهَا... بِنَجَاحِ القَوْلِ، إِنَّ الخُلْفَ ذَمَّ

يوجب الشاعر الصبر الجميل وتحمل مشاق تحقيق الوفاء بالكلمة مهما كانت الظروف صوناً لشرف اللفظة؛ فالنكث وخلف العهود يورث صاحبه سخط الناس وذمهم الملازم له.

البيت الخامس:

وَاعْلَمَ أَنَّ الذَّمَّ نَقْصٌ لِلْفَتَى... وَمَتَى لَا يَتَّقِ الذَّمَّ يُذَمَّ

يؤكد الشاعر أن ذم الناس للمرء لنكثه هو وصمة نقص تقدح في كمال مروءته وإنسانيته، ومن لا يحترس من أسباب الذم بسوء أفعاله فإنه يستحق سخط المجتمع ومذمته.

البيت السادس:

أَكْرِمِ الجَارَ وَأَرْعَى حَقَّهُ... إِنَّ عِرْفَانَ الفَتَى الحَقَّ كَرَمْ

يفخر الشاعر تالياً بسجاياه الكريمة؛ فيبين التزامه الراسخ بإكرام جاره وحفظ حقوقه كاملة، ويرى أن بصر المرء بحقوق الناس وإقرارها والالتزام بها هو منبع الكرم وأرفع خصال الشرف.

البيت السابع:

أَنَا بَيْتِي مِنْ مَعَدٍّ فِي الذُّرَى... وَلِيَ الهَامَةُ وَالفَرْعُ الأَشَمُّ

"معد" هي قبيلته، و"الذرى" القمم الشاهقة، و"الأشم" ذو الإباء والشمم.

ويفخر بعراقة نسبه، واصفاً بيته بأنه يتبوأ ذؤابة الشرف وأعلى رأس القبيلة في أكثر فروعها منعة وكرامة.

البيت الثامن:

لَا تَرَانِي رَاتِعاً فِي مَجْلِسٍ... فِي لُحُومِ النَّاسِ كَالسَّبْعِ الضَّرِمِ

"راتعاً" هو الأكل بنهم وجشع، و"الضرم" الشديد الجوع والنهم.

وينزه الشاعر نفسه ومجالسه عن بذاءة الغيبة والطعن في الأعراض، نافياً أن يسلك سلوك اللؤماء الذين ينهشون كرامة الناس بنهم ووحشية تشبه وحشية السبع الجائع.

البيت التاسع:

إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ يَكْشِرُ لِي... حِينَ يَلْقَانِي وَإِنْ غِبْتُ شَتَمْ

"يكشر" يضحك مبدياً نواجذه وأسنانه رياءً.

ويقرر حكمة اجتماعية مفادها أن أرذل الناس وأشرهم هم ذوو الوجهين؛ المنافقون الذين يتصنعون البشاشة والضحك كذباً عند اللقاء، فإذا غاب المرء عن أعينهم أظهروا ضغائنهم ورموه بالشتائم والذم.

البيت العاشر:

وَكَلَامٍ سَيِّءٍ قَدْ وُقِرَتْ... أُذُنِي عَنْهُ وَمَا بِي مِنْ صَمَمْ

"وقرت" ثقل سمعها وأصابها الصمم.

ويؤكد ترفعه الأخلاقي بإعراضه وصم سمعه عن خبيث الكلام والسب، ترفعاً ونبلاً، من غير علة صمم حقيقية بأذنه.

البيت الحادي عشر:

فَتَعَزَّيْتُ خَشَاةً أَنْ يَرَى... جَاهِلٌ أَنِّي كَمَا كَانَ زَعَمْ

"تعزيت" أي تصبرت، و"خشاة" أي خشية.

ويشير إلى تجلده وتصبره وإعراضه عن مجاراة السفهاء في قبيح القول، لئلا يتوهم الجاهل بجهله أنه يقرهم على سفاهتهم أو يشاركهم الخوض في السوء.

البيت الثاني عشر:

وَلَبَعْضُ الصَّفْحِ وَالإِعْرَاضِ عَنْ... ذِي الخَنَا أَبْقَى وَإِنْ كَانَ ظَلَمْ

"الخنا" هو الفحش والبذاءة.

ويبين أن التغافل والإعراض والصفح عن بذيء اللسان الظالم هو أحفظ لعِرض الكريم وأبقى لمروءته؛ لأن مقابلة الإساءة بالإحسان تدفع الآخرين لصنع الجميل وتدرأ عار السفاهة.

البيت الثالث عشر:

إِنَّمَا جَادَ بِشَأْسٍ خَالِدٌ... بَعْدَ مَا حَاقَتْ بِهِ إِحْدَى الظُّلَمِ

"شأس" هو شأس بن نهار بن أخت الشاعر، و"خالد" هو خالد بن أنمار، و"حاقت" حلت وأحاطت، و"الظلم" الجور الشديد والظلم الحالك.

ويمتدح الشاعر هنا صنيع خالد بن أنمار الذي فك بوجاهته وسخائه أسر ابن أخت الشاعر بعد أن أحاط به الجور الشديد الذي كاد يودي بحياته.

البيت الرابع عشر:

مِنْ مَنَايَا يَتَخَاسَيْنَ بِهِ... يَبْتَدِينَ الشَّخْصَ مِنْ لَحْمٍ وَدَمِ

"يتخاسين" يتنافسن ويهاجمنه الواحدة تلو الأخرى، و"يبتدين" يعاجلن ويسرعن.

ويصف هجوم الأقدار والمنايا المتوالية التي كانت تتهدد ابن أخته الأسير، معاجلة بنيته الجسدية بالهلاك لولا تدخل خالد المنقذ.

البيت الخامس عشر:

مُتْرَعُ الجَفْنَةِ رِبْعِيُّ النَّدَى... حَسَنٌ مَجْلِسُهُ غَيْرُ لُطَمْ

"مترع" أي: ملآن بالطعام كأثر للقرى، و"الجفنة" وعاء إطعام الضيوف، و"ربعي الندى" كرمه باكر متقدم سخي، و"غير لطم" منزه عن السفه واللجاج واللطام والتنازع في مجالس الخصومة.

ويمتدح خالداً بكثرة إطعامه وسخاء يده التي تشبه فصل الربيع في عموم عطائه، منوهاً بوقار مجلسه المزدان بالحلم والحشمة والاحترام.

البيت السادس عشر:

يَجْعَلُ الهَنْءَ عَطَايَا جَمَّةً... إِنَّ بَعْضَ الـمَالِ فِي العِرْضِ أَمَمْ

"الهنء" العطاء، و"جمة" كثيرة، و"العِرض" شرف المرء وحسبه، و"الأمم" القصد والهدف الشريف.

ويوضح الشاعر كثرة أعطيات خالد وجزالتها، مبيناً أن استهلاك المال وصرفه في صون الأعراض وبناء المكارم هو غاية القصد وأرفع غايات المروءة وليس سفهاً أو تبذيراً.

البيت السابع عشر:

لَا يُبَالِي طَيِّبَ النَّفْسِ بِهِ... تَلَفَ المَالِ إِذِ العِرْضُ سَلِمْ

يؤكد الشاعر أن كريم النفس السخي يطيب فؤاده ببذل المال وإتلافه واستهلاكه ما دام هذا البذل سبيلاً لصون عرضه وحفظ كرامته وحقوقه من التدنيس.

البيت الثامن عشر:

أَجْعَلُ المَالَ لِعِرْضِي جُنَّةً... إِنَّ خَيْرَ المَالِ مَا أَدَّى الذِّمَمْ

"جنة" وقاية وحصن، و"الذمم" الحقوق والعهود والحرمات.

ويختم الشاعر بتقرير كبرياء شخصيته؛ معلناً أنه يتخذ ماله درعاً ووقايةً لصون كرامته وعِرضه، لإيمانه بأن أنفع الأموال هو ما صان الحرمات ووفى بالحقوق وأدى الواجبات.

التجربة الشعرية:

تمثل هذه القصيدة مزيجاً ناضجاً من الشعر التعليمي والأخلاقي العريق؛ حيث تتقاطع في فلكها ثلاثة محاور أساسية:

أولها: حكم ووصايا تؤكد الالتزام بشرف الكلمة وصدق الوعد والأنفة من النكث.

وثانيها: فخر نبيل بسجايا الشاعر المتمثلة فينسبه الشريف، وحفظ الجار، ورعاية مروءة المجالس، والترفع عن البذاءة والجهالة.

وثالثها: مدح عظيم لصنيع خالد بن أنمار، وتأصيل لدور المال كوسيلة لصون الحرمات والذمم وبناء الشرف.

وتبرز هذه القيم والمعاني كأدب إنساني ممتد ومستمر النفع في كل عصر وبيئة.

بناء القصيدة:

ولج الشاعر في غرضه وموضوعاته مباشرة متجاوزاً عادة أهل عصره من الوقوف على الأطلال أو التشبيب لانسجام خطابه الوعظي والمدحي مع البداية المباشرة.

وتعددت موضوعات القصيدة بين حكمة وفخر ومدح، مما أدى لغياب الوحدة العضوية، لولا وجود خيط شعوري يربط أجزاء النص بالإشادة بالمكارم الكبرى.

ونظمت الأبيات على وزن "بحر الرمل التام" المتميز بالانسيابية والرقة، وقافية "الميم الساكنة" المقيدة الذلول.

اللغة:

-      تبرز طاقة الألفاظ الموحية في قوله "لا تقولن" بنون التوكيد المفيدة لشدة النهي عن التساهل في عهد اللسان، وتنكير "شيء" للعموم الشمولي.

-      تعكس لفظتا "حسن" و"قبيح" الأثر النفسي والاجتماعي المتباين للوفاء والنكث، وتبرز "فاحشة" قبح الرجوع بالعهد.

-      يدل "فاصبر لها" على مشقة الصدق وحاجته لعزيمة قوية، وتوحي "الذم نقص" بانتقاص شرف الناكث.

-      يعزز بناء "يذم" للمجهول كثرة لائمي الناكث، بينما يفيد المضارع "أكرم" و"أرعى" الاستمرار والتجدد.

-      تبرز الكبرياء في "الفرع الأشم"، والفظاعة والنفور من المغتاب في تصويره بالسبع الضاري الراتع في لحوم البشر.

-      تفيد اللفظة "وقرت أذني" وضع حاجز المروءة النفسية دون بذاءة اللسان، وتبرز "يتخاسين" هول الأقدار، و"مترع الجفنة" وسخاء المنقذ.

الأسلوب:

١ - الخبر والإنشاء: راوح النص بين الخبر التقريري، وهو معظم الأبيات، والإنشاء الإرشادي ؛ كالأمر ("فابدأ"، "فاصبر"، "واعلم") لبيان التثقيف الأخلاقي، والنهي المؤكد بالنون في مطلعها "لا تقولن" للتحذير الصارم.

أما الخبري فجاء لغرض التقرير، والتنبيه، والفخر، والوصف وغيرها.

٢ - التقديم والتأخير: وظفه الشاعر لإثارة الانتباه والتخصيص؛ كتقديم الخبر "حسن" و"قبيح" على المبتدأ لإبراز البهجة بالوفاء والشناعة بالنكث، وتقديم الجار والمجرور "فبلا فابدأ" تأكيداً للحزم.

وتقديم الجار والمجرور "بشأس خالد" لتعظيم الفضل على الممدوح، وتقديم أيضاً الجار والمجرور "لعرضي جنة" للتأكيد على مصارف المال النبيلة.

٣ - التقابل: اعتمد عليه الشاعر بوضوح كتقابل "حسن وقبيح"، و"نعم ولا"، و"يلقاني وغبت وشتم"، و"تلف وسلم" لتوضيح المعاني ودفعها في فكر المتلقي.

٤ - الحذف والاعتراض: برز إيجاز الحذف في مواضع كحذف موصوف "أن يرى جاهل" و"عن ذي الخنا" و"مترع الجفنة" للتركيز على الصفة.

وتجلى الاعتراض بالشرط محذوف الجواب "إذا ما لم ترد أن تتم الوعد في شيء" حيث أعترضت هذه الجملة بين قوله " لا تقولن" وبين "نعم" لتنبيه السامع لشرف وخطورة الكلمة.

٥ - التذييل: عوّل الشاعر على أسلوب التذييل لترسيخ المعاني الأخلاقية بقواعد الحكمة في قوله "إن الخلف ذم" و"إن عرفان الفتى الحق كرم" و"إن بعض المال في العرض أمم"، لتأكيد المعنى.

الصورة الشعرية:

جاءت الصورة قليلة جداً في هذه القصيدة؛ ﻷن معظم أبيات القصيدة جاء في الحكم واﻷخلاق ومن هذه الصور:

١ - الاستعارات المكنية: تبرز في قوله "لا يتق الذم" بتشبيه الذم بنبال يتقيها الكريم حمايةً لشرفه تجسيماً للمعنى، وفي قوله "حاقت به إحدى الظلم" حيث شبه الظلم بمكانٍ يحيط بالأسير ويعزله عن النجاة.

٢ - الكنايات: جاءت الكناية عن الحرص في حقوق الجار في "أكرم الجار وأرعى حقه"، وعن سمو النسب والشرف في البيت السابع بأكمله، وجاءت الكناية عن صون اللسان في "لا تراني راتعاً في مجلس في لحوم الناس". وقوله: "فتعزيت"  كناية عن عدم اشتراكه في أحاديث السوء.

وقوله: "مترع الجفنة، ربعي الندى، حسن" كناية عن شدة كرمه، واتساعه ليشمل كل الموجودات، وأخلاقه الحسنة النبيلة. وقوله: "قد وقرت أذني عنه"  كناية عن خلقه الكريم النبيل .

وقوله: "مجلسه غير لطم" كناية عن نزاهة مجلسه، وهدوئه، وبعده عن السفه، وحلمه وسكونه

٣ - التشبيه والتشخيص: تجلى التشبيه التمثيلي في تشبيه المغتاب بالسبع الضاري النهم تشنيعاً للغيبة.

وتجلى تشخيص المنايا في البيت الرابع عشر في صورة حسية واضحة متحركة تنبض بالحياة والحركة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

تلخيص كتاب التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية للدكتور محمد عثمان شبير.

  بسم الله الرحمن الرحيم   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.  أما بعد: ​تعد الشريعة الإسلامية، بخصائصها الذاتية وقواعدها الكلية، نظاماً قانونياً وأخلاقياً متكاملاً يستهدف استيعاب حركة الزمان وتقلبات أحوال الإنسان، ويبرز "التكييف الفقهي" كأداة معرفية واجتهادية بالغة الأهمية، تعمل كجسر يربط بين الواقع المتغير والأصل الثابت، مما يضمن تدفق الأحكام الشرعية لتغطية كافة جوانب النشاط الإنساني دون انقطاع.  ​الفصل الأول: الماهية المعرفية للتكييف الفقهي وسياقاته الاصطلاحية ​إن الولوج إلى عمق العملية الاجتهادية يتطلب أولاً تفكيك المصطلح وتحديد هويته المعرفية ضمن المنظومة الفقهية.  فالتكييف الفقهي ليس مجرد عملية وصفية سطحية، بل هو نشاط فكري مركب يستهدف سد الثغرة في الاجتهاد المعاصر نتيجة الاختلاف الكبير في إعطاء الأوصاف الفقهية للقضايا النازلة. ​المبحث الأول : البنية اللغوية والاصطلاحية لمفهوم التكييف.  ​يعود الجذر اللغوي لمصطلح "التكييف" إلى مادة "كيف"، التي تدل في أصلها على القطع والتجزئة، كما في قولهم "كيف ال...