بسم الله
الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة
والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
اتّفق الأصوليون على أنّ الشريعة الإسلامية
إنما وُضعت لتحقيق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، بجلب المنافع ودرء المفاسد عنهم،
وأنّ الأحكام ترجع في الجملة إلى حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
ومن هنا برزت عناية علم أصول الفقه ببيان
علاقة الأحكام بالمصالح والمفاسد، وتفصيل أنواع المصالح وحكم الاحتجاج بها، ومن أهم
تلك الأنواع: "المصلحة المرسلة"، لشدّة اتصالها بالاجتهاد في النوازل والمستجدات،
وبالسياسة الشرعية وتنظيم شؤون الدولة والمجتمع.
وتزداد أهمية دراسة المصلحة المرسلة في
العصر الحاضر مع تضخّم وظائف الدولة، وتعقّد المعاملات والعلاقات الدولية، وظهور صور
جديدة من العقود والمعاملات والأنظمة، تحتاج إلى اجتهاد يربط الفروع بالكلّيات والمقاصد،
دون إفراط أو تفريط.
ولهذا جاءت هذه الدراسة لبيان مفهوم المصلحة
المرسلة عند الأصوليين، وأنواعها، وأقوال العلماء في حجيتها مع أدلتهم ومناقشتها والترجيح
بينها، وبيان ضوابط العمل بها، ثم عرض نماذج من تطبيقاتها الفقهية التراثية والمعاصرة.
وسيُقسَّم البحث إلى المباحث الآتية:
المبحث الأول: مفهوم المصلحة المرسلة.
المبحث الثاني: أنواع المصلحة المرسلة
ومراتبها.
المبحث الثالث: أقوال العلماء في حجّيتها،
وأدلتهم ومناقشتها، مع بيان القول الراجح.
المبحث الرابع: ضوابط العمل بالمصلحة المرسلة.
المبحث الخامس: تطبيقات المصلحة المرسلة
في الفقه.
ثم تُختم الدراسة بأهم النتائج، يتلوها
فهرس المصادر والمراجع.
المبحث الأول: مفهوم المصلحة المرسلة
المطلب الأول: تعريف المصلحة لغةً واصطلاحًا
في اللغةً: المصلحة مأخوذة من مادة (صَلَحَ)،
وضدّها الفساد، يقال: "في الأمر مصلحة" أي: فيه منفعة وخير وصلاح.[1]
- اصطلاحًا: يعرّف الأصوليون المصلحة بأنها:
المنفعة التي قصد الشارع تحصيلها، أو المفسدة التي قصد دفعها، بحفظ أحد المقاصد الكلية
الخمسة: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.[2]
وهذا ينسجم مع ما قرّره مجمع الفقه الإسلامي
الدولي من أن المصلحة هي المحافظة على مقصود الشارع من هذه الكليات الخمس.[3]
المطلب الثاني: تعريف المصلحة المرسلة
عند الأصوليين:
اختلفت عبارات الأصوليين في تعريف المصلحة
المرسلة، مع اتحاد المضمون، فمن أشهر التعريفات:
1. تعريف الغزالي: عرّفها بأنها: "ما
لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نصّ معيّن".[4]
وهذا التعريف تبنّاه أيضًا ابن قدامة والآمدي مع اختلاف يسير في الألفاظ.[5]
2. تعريف الشاطبي: عرّفها بأنها: "ما
سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه".[6]
3. تعريف الشيخ البوطي: " كل منفعة
داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء".[7]
4. تعريف مجمع الفقه الإسلامي: "هي
التي لم ينص الشارع عليها بعينها أو نوعها بالاعتبار أو الإلغاء، وهي داخلة تحت المقاصد
الكلية ".[8]
ومن مجموع هذه التعريفات يمكن تلخيص مفهوم
"المصلحة المرسلة " بأنها: وصفٌ
مناسب يحقق منفعة حقيقية معتبرة شرعًا، في واقعة لا نصّ فيها ولا إجماع، ولم يرد دليل
خاصّ على اعتبار تلك المصلحة أو على إلغائها، لكنها مندرجة تحت مقاصد الشريعة العامة
وكلياتها.
المطلب الثالث: تمييز المصلحة المرسلة
عن المصلحة المعتبرة والملغاة:
قسّم الأصوليون المصالح – من حيث اعتبار
الشارع لها – إلى ثلاثة أقسام:[9]
1. مصالح معتبرة: شهد الشارع باعتبارها
بنصّ أو إجماع، كالمصالح التي بُنيت عليها أحكام حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
2. مصالح ملغاة: شهد الشارع بإلغائها وعدم
اعتبارها، كالمصلحة المتوهَّمة في الربا أو في تعطيل الحدود.
3. مصالح مرسلة: لم يرد نصّ خاصّ باعتبارها
ولا بإلغائها، وكانت ملائمة لمقاصد الشريعة وكلياتها.
وعلى هذا فالمصلحة المرسلة توسط بين المعتبرة
والملغاة: فهي ليست مردودة بإجماع أو نص، وليست منصوصًا على عينها، وإنما يُدرَك اعتبارها
من جهة موافقتها لمقاصد الشريعة العامة.
المبحث الثاني: أنواع المصلحة المرسلة
ومراتبها
المطلب الأول: مراتب المصالح من حيث القوة
(ضروري، حاجي، تحسيني)
قسّم العلماء المصالح – ومن ثمّ تدخل فيها
المصلحة المرسلة – إلى ثلاث مراتب أساسية:[10]
1. الضروريات: وهي التي يتوقف عليها قيام
حياة الناس واستقامة نظامهم في الدين والدنيا، وإذا فُقدت اختلّ النظام العام وعمّ
الفساد، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
2. الحاجيات: وهي التي يرفع بها الحرج
والمشقّة عن الناس، وتحسن أحوالهم وإن لم يترتّب على فقدها فساد كليّ، مثل كثير من
الرخص، وتنظيم شؤون المعاش.
3. التحسينيات: وهي ما يتعلّق بمكارم الأخلاق
وآداب العادات، وما يجمل حياة الناس ويزيّنها دون أن يؤدّي فقده إلى حرج عامّ.
والمصلحة المرسلة قد تكون ضرورية، أو حاجية،
أو تحسينية، لكنها لا يُعمل بها – عند أكثر الأصوليين – إلا إذا بلغت حدًّا قويًّا
من الاعتبار (غالبًا في الضروريات والحاجيات، وقد تلحق بها التحسينيات إذا تعلّقت بمقصد
عامّ واضح).[11]
المطلب الثاني: أنواع المصالح من حيث مجالها
(عبادات–معاملات)
بيّن الأصوليون أن مجال المصلحة المرسلة
هو: "العادات والمعاملات والسياسة الشرعية" بالأساس، لا العبادات المحضة
ولا المقادير المحددة.[12]
ويمكن التفصيل فيما يأتي:
١ - لا مدخل للمصلحة المرسلة في العبادات
المحضة: لأنّ العبادات مبناها على التعبد المحض، لا على إدراك المعاني الجزئية لكل
عبادة؛ ولو فُتح باب المصلحة فيها لآل الأمر إلى إدخال صور وأشكال للعبادة لم ترد الشريعة
بها، وهو عين البدعة.
٢ - ولا مدخل للمصلحة المرسلة في المقادير
الشرعية (كالحدود والكفّارات والأنصبة والمقادير المالية في الزكاة والميراث): لأنّ
الشارع استأثر بعلم حكمتها ومصلحتها، فليس للعقل أن يتصرّف في تقديرها بالزيادة أو
النقصان بحجة المصلحة.
٣ – مجال المصلحة المرسلة الرئيس: المعاملات
والعادات والتنظيمات: كتنظيم القضاء، والسياسة المالية، والأنظمة الإدارية، والعقود
الجديدة، وكلّ ما يرجع إلى تدبير شؤون الناس مما لم يرد فيه نصّ خاصّ، مع اعتبار المقاصد
العامة للشريعة.
المبحث الثالث: حجّية المصلحة المرسلة
وأقوال العلماء فيها.
المطلب الأول: القول بعدم الاحتجاج بالمصلحة
المرسلة.
ذهب طائفة من الأصوليين إلى منع التمسّك
بالمصلحة المرسلة مطلقًا، ونُقل ذلك عن جماعة من الشافعية والحنابلة، وعن بعض المتكلمين
من الأصوليين.[13]
أدلّتهم:[14]
1. الاستدلال بآية كمال الدين: قوله تعالى:
{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[سُورَةُ المَائـِدَةِ: ٣]
وجه الاستدلال: لو فتح باب المصالح المرسلة لكان ذلك
استدراكًا على الشريعة النازلة الكاملة.
ونوقش: بأنه لا يلزم من القول بالمصلحة المرسلة أن يكون استدراكًا على
كمال الشريعة؛ لأنّ محلّ الكلام هو: الاجتهاد في الوقائع الجديدة في ضوء الكليات والمقاصد
العامة التي قررتها الشريعة ذاتها، لا اختراع تشريع خارج إطارها. فالاستنباط من الكليات
مما يدخل في كمال الشريعة لا في نقصها.
2. أحاديث ذمّ البدع: كقوله صلى الله عليه
وسلم: «كلّ بدعة ضلالة». [15]
وجه الاستدلال: إحداث أحكام شرعية بناء على مصالح غير
منصوصة هو من البدع في الدين.
ونوقش: بأن الاحتجاج بأحاديث البدعة محله إحداث العبادات والشعائر والهيئات
التعبدية؛ وأما ما يدخل في تنظيم المعاملات، والوسائل، والأعراف، فالأصل فيه الإباحة،
ويُراعى فيه تحقيق مقاصد الشرع لا الوقوف عند صور النصوص.
3. سدّ باب التلاعب بالدين: إذ يُخشى أن
يُتّخذ ادّعاء المصلحة ذريعة لموافقة الأهواء والرغبات، خاصة مع اختلاف العوائد والبيئات
وتغيّر تقدير الناس للمصالح.
ونوقش: بأن التخوّف من التلاعب فهو وجه معتبر، لكنه لا يقتضي إلغاء
الدليل من أصله، بل يقتضي تقييده بضوابط وشروط، كما فعل جمهور المتأخرين ومجامع
الفقه.
4. الاستغناء عن هذا الأصل بأصول أخرى:
كالقياس والاستصحاب والاستحسان والعرف، مما يغني عن إحداث أصل مستقلّ اسمه المصلحة
المرسلة.
ونوقش: بأنه إذا ثبتت المصلحة المرسلة فهذا يجعل الشريعة في مرونة
أكثر وسعة للنظر في النوازل المستجدة.
المطلب الثاني: القول بالاحتجاج بالمصلحة
المرسلة مطلقًا
ذهب فريق آخر إلى جواز التمسّك بالمصلحة
المرسلة مطلقًا، حتى عُدّت أصلاً مستقلاً من أصول الاستدلال، ونُسب هذا إلى الإمام
مالك وتلامذته، وإلى بعض الشافعية والحنابلة، كما نُقل عن الطوفي الحنبلي تشديده في
تقديم المصلحة – في باب المعاملات – على ظاهر بعض النصوص عند التعارض، في حدود معينة.[16]
أدلّتهم:
1. الاستقراء لعمل الصحابة والخلفاء الراشدين:
أ - جمع القرآن في مصحف واحد في زمن أبي
بكر، ثم نسخه في مصاحف في زمن عثمان.
ب - تدوين الدواوين، واتخاذ السجون، وتنظيم
القضاء.
ج - الأذان الأول يوم الجمعة في زمن عثمان
رضي الله عنه؛ لما كثر الناس واتسعت المدينة.
وهذه الأمور لم يرد نصّ خاصّ بها، وإنما اقتضتها المصلحة العامة، مع موافقتها
لمقاصد الشريعة.
2. عمومات النصوص الدالة على اعتبار المصلحة:
مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»؛[17]
فهو أصل كليّ في رفع الأضرار عن الناس، ويدخل تحته صور كثيرة غير منصوص عليها.
3. أنّ ترك المصالح الحقيقية يُفضي إلى
فوات مقصود الشارع: إذ الشريعة جاءت لتحصيل مصالح العباد، فإهدارها في الوقائع المستجدة
مع وضوح ملاءمتها لمقاصد الشريعة مصادمةٌ لروح الشريعة.
المناقشة:
١ - ما نُسب إلى الإمام مالك من الإفراط
في المصلحة غير دقيق؛ إذ نصوص المالكية تدل على أنهم إنما يعملون بالمصلحة المرسلة
في حدود ضوابطها، وليس بإطلاق، كما نبّه على ذلك القرافي وغيره.
٢ - كذلك ما ذهب إليه نجم الدين الطوفي
من تقديم المصلحة على النص بإطلاق – في باب المعاملات – تعقّبه الأصوليون وبيّنوا أن
المصلحة لا يمكن أن تُعارِض نصًّا قطعيًّا صحيحًا، وأنّ التعارض إن وقع فإنما يُحمل
على سوء الفهم للنص أو لسعة دلالته، لا على تقديم المصلحة عليه.
٣ - ومع ذلك فاستقراء عمل الأئمة يدلّ
على وجود أصل معتبر اسمه المصلحة المرسلة، لكنّهم لم يطلقوه دون قيود، بل ضيّقوه بشروط
صارمة.
المطلب الثالث: القول بالتفصيل (القبول
المقيّد بضوابط)
وهذا هو مذهب جمهور المتأخّرين وكثير من
المحقّقين، حيث قرّروا:
١ - أنّ الأصل اعتبار المصلحة المرسلة
إذا تحقّقت شروطها وضوابطها.
٢ - مع منع العمل بها إذا كانت موهومة،
أو خالفت نصًّا أو إجماعًا، أو خرجت عن مقاصد الشريعة.
ومن أبرز من أصل لهذا الاتجاه: القرافي،
وابن تيمية، والشاطبي في الموافقات، وكثير من المعاصرين؛ كما تبنّته المجامع الفقهية
المعاصرة، كمجمع الفقه الإسلامي الدولي.[18]
استدلالهم:[19]
1. الجمع بين أدلّة كمال الشريعة وأدلّة
رعاية المصالح: فالشريعة كاملة في كلياتها ومقاصدها، لكنها تركت مجالاً للاجتهاد في
الفروع والجزئيات في ضوء هذه الكليات، تحقيقًا للتيسير ورفع الحرج.
2. الاستقراء العملي لفتاوى الصحابة والأئمة:
حيث عملوا بالمصلحة في وقائع كثيرة، لكن مع ضوابط، دون أن يعدّوا أنفسهم شارعِين من
عند أنفسهم.
3. نصوص مجمع الفقه الإسلامي: حيث عرّف
المصلحة المرسلة، وأثبت لها مجالاً واسعًا في الاجتهاد المعاصر، مع اشتراط ضوابط محددة
في اعتبارها.
ترجيح القول الراجح:
بالنظر إلى مجموع الأدلة، واستقراء عمل
السلف، ومقاصد الشريعة في حفظ المصالح، يظهر أن القول الراجح هو: اعتبار المصلحة المرسلة
دليلاً شرعيًّا تابعًا غير مستقلّ، يُحتجّ به في استنباط الأحكام في غير العبادات والمقادير،
بشرط التزام الضوابط الشرعية التي تمنع من التسيّب والتلاعب، وتضمن ملاءمة المصلحة
لمقاصد الشريعة وأصولها الكلية.
فلا يُهدر هذا الدليل بالكلية – لما يترتب على ذلك من تعطيل مصالح راجحة – ولا يطلق بلا قيد – لما في ذلك من فتح باب الهوى – بل يُسلك فيه مسلك الوسط الذي قرّره المحققون، وأكّدته المجامع الفقهية المعاصرة.
المبحث الرابع: ضوابط العمل بالمصلحة المرسلة:
وضع الأصوليون شروطًا وضوابط دقيقة لضبط
باب المصلحة المرسلة، من أهمّها:
1. أن تكون المصلحة حقيقية لا موهومة:
أ - أي أن يثبت تحقّقها في الواقع أو يغلب
على الظن تحقّقها، لا أن تكون مجرد تخمين أو توهّم.
ب - ولهذا اشترط الغزالي في المصلحة أن
تكون قطعية أو غالبية لا ظنية ضعيفة.[20]
2. أن تكون عامة أو غالبة لا خاصة بفئة
على حساب أخرى: أي أن تعود بالنفع على جمهور الناس أو مصلحة معتبرة للمجتمع، لا أن
تكون مصلحة لفئة قليلة مع الإضرار بغيرهم.[21]
3. أن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة وكلياتها:
أ - بحيث لا تخرج عن حفظ الدين والنفس
والعقل والنسل والمال، ولا تعارض مصلحة أرجح منها في هذه الكليات.
ب - وبيّن الشاطبي أن المصلحة المعتبرة
هي التي تشهد لها نصوص الشريعة العامة أو الخاصة من حيث الجنس، وإن لم يرد نصّ في عين
الواقعة.[22]
4. ألا تعارض نصًّا صحيحًا صريحًا، ولا
إجماعًا: فإذا خالفت المصلحة المزعومة نصًّا قطعيًّا أو إجماعًا ثابتًا فهي مصلحة ملغاة،
لا يجوز التعويل عليها؛ إذ لا مصلحة حقيقية فيما حرّمه الشارع قطعًا.[23]
5. ألا تغيّر عبادةً ولا حدًّا ولا مقدارًا
شرعيًّا: فلا يُزاد في أعداد الصلوات أو ركعاتها، أو شهور العِدَد، أو أنصبة المواريث،
بدعوى المصلحة؛ لأن هذه من العبادات والمقادير التعبدية التي لا مدخل للعقل في تقديرها.[24]
6. أن تكون في مجال العادات والمعاملات
والسياسة الشرعية: كتنظيم المعاملات المالية، وأنظمة المرور، والأنظمة الإدارية والقضائية،
وصيغ العقود المعاصرة، وغيرها مما تدخله المصلحة المرسلة.[25]
7. أن يقدّرها أهل الاجتهاد والرأي المعتبر:
فلا يُترك تقدير المصالح لكل أحد، بل يتولاه أهل العلم والاجتهاد، أو المجامع الفقهية،
أو الهيئات العلمية التي تجمع بين الفقه والخبرة بالواقع.[26]
8. مراعاة موازنة المصالح والمفاسد: فقد
تكون المصلحة حقيقية، لكن تعارضها مفسدة أعظم، فيُقدّم درء المفسدة على جلب المصلحة
إذا تساويا أو رجحت المفسدة، كما قرر ذلك العز بن عبد السلام والشاطبي وغيرهما.[27]
هذه الضوابط تجعل العمل بالمصلحة المرسلة
منضبطًا بمقاصد الشريعة وأصولها، وتحوّلها من باب مفتوح للهوى إلى أداة اجتهادية رشيدة.
المبحث الخامس: تطبيقات المصلحة المرسلة في الفقه.
المطلب الأول: تطبيقات تراثية للمصلحة المرسلة.
ذكر الأصوليون والفقهاء نماذج متعدّدة
لتطبيقات المصلحة المرسلة في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم، من أشهرها:
1. جمع القرآن في مصحف واحد:[28]
أ - في عهد أبي بكر ثم توحيد المصاحف في
عهد عثمان رضي الله عنهما؛ خشية ضياع شيء من القرآن باختلاف القرّاء وموت الحفّاظ.
ب - لم يكن هناك نصّ خاصّ يأمر بجمعه في
مصحف، لكن دلّت الكليات والمقاصد على أنّ حفظ القرآن مقصد ضروري يقتضي هذه الوسيلة.
2. الأذان الأول يوم الجمعة في زمن عثمان
رضي الله عنه: لـمَّا كثر الناس واتسعت المدينة أمر بالأذان الأول لتنبيه الناس، وهو
زيادة وسيلة لا تغيير في أصل العبادة، مراعاة لمصلحة حضور الجمعة في وقتها.[29]
3. اتخاذ الدواوين والكتابة على الأمصار
وتنظيم الجند: في عهد عمر رضي الله عنه، حيث دوّن أسماء الجند وأعطياتهم، ورتّب الدواوين،
وهي أنظمة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن اقتضتها مصلحة تنظيم الدولة
والمال العام.[30]
4. اتخاذ السجون: لم يكن في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم سجن بمعناه المؤسسي، ثم اتخذه عمر رضي الله عنه؛ حفظًا للأمن ومنعًا
للمجرمين من الإضرار بالناس.[31]
5. نقط المصحف وشكله: لم يكن في المصحف
الأول نقط ولا شكل، فلما كثر الأعاجم وخُشي اللحن في القرآن، قام العلماء بنقطه وضبطه؛
صيانة للفظ القرآن من التحريف، مع أن ذلك لم يرد به نص خاصّ، بل دلت عليه المصلحة المرسلة
الملائمة لمقصد حفظ الدين.
6. تضمين الصنّاع: أي إلزام الأجير (كالصانع
والحمّال) بضمان ما يتلف في يده من أموال الناس إذا تعدى أو فرّط، مع أن الأصل أن الأجير
أمين، وهذا الضمان روعي فيه حماية أموال الناس وسدّ باب التهاون.[32]
هذه الأمثلة تدلّ على أنّ الصحابة عملوا
بالمصلحة المرسلة في وقائع لا نصّ خاصّ فيها، لكنهم التزموا – عمليًّا – بضوابط موافقة
المقاصد وعدم مخالفة النصوص.
المطلب الثاني: تطبيقات معاصرة للمصلحة
المرسلة.
في العصر الحديث اتّسع مجال العمل بالمصلحة
المرسلة في فتاوى العلماء وقرارات المجامع الفقهية، خصوصًا في قضايا السياسة الشرعية،
والاقتصاد المعاصر، والأنظمة القانونية والإدارية، ومن أهم الأمثلة:[33]
1. قوانين السير وأنظمة المرور: تنظيم
السير، وتحديد السرعات، وفرض الغرامات على المخالفات، وترتيب المسؤوليات في الحوادث،
كلّها من باب المصلحة المرسلة، لحفظ الأنفس والأموال والنظام العام.
2. توثيق العقود رسمياً: اشتراط تسجيل
عقود البيع والزواج والطلاق والشركات في جهات رسمية، خوفًا من النزاع والتلاعب؛ وهو
من الوسائل التنظيمية التي تحقق مقصدي حفظ المال والنسب.
3. إنشاء المحاكم المتخصصة والنيابات العامة
والأنظمة القضائية الحديثة: تقسيم القضاء إلى جنائي، ومدني، وأحوال شخصية… إلخ، مع
إجراءات الاستئناف والتمييز، كلها تنظيمات مصلحية ملائمة لمقاصد الشريعة في تحقيق العدل
وحفظ الحقوق.
4. الأنظمة المالية المعاصرة (المصارف
الإسلامية، الصكوك، التأمين التعاوني): كثير من صيغ العقود المستحدَثة – كالتأمين التعاوني،
وبعض صيغ الصكوك والمشاركة والمضاربة المنظمة – مبنية على اعتبار المصلحة المرسلة مع
مراعاة الضوابط الشرعية في تحريم الربا والغرر والمقامرة.
5. اعتماد الأوراق النقدية بدل الذهب والفضة:
الورق النقدي لم يكن موجودًا في العصور الأولى، ومع ذلك أفتى العلماء باعتباره نقدًا
قائمًا مقام الذهب والفضة في أحكام الزكاة والربا والديون؛ تحقيقًا لمقاصد التعامل
وتيسير المبادلات، مع ضبطه بضوابط الشرع.
6. تنظيم المرافق العامة والخدمات (الماء،
الكهرباء، الاتصالات): وضع أنظمة للاشتراك والرسوم والعقوبات على التعدي والسرقة، يدخل
في باب السياسة الشرعية المبنيّة على المصالح المرسلة التي تحفظ المال العام والمرافق
المشتركة.
7. بعض صور التبرّع بالأعضاء ونقلها بشروط
معيّنة: حيث توسّع كثير من المجامع والهيئات الفقهية في جواز نقل الأعضاء البشرية
– في ضوء شروط صارمة – حفظًا للنفس وعدم الاعتداء على الكرامة الإنسانية؛ وهذا مبنيّ
على موازنة دقيقة بين المصلحة (إنقاذ النفس) والمفسدة المحتملة.
هذه الأمثلة المعاصرة تبيّن أثر المصلحة
المرسلة في مرونة الفقه، وقدرته على استيعاب الوقائع والنوازل الجديدة، مع بقاء الانضباط
بالمقاصد والقواعد والأصول الكلية.
خاتمة
من خلال هذا البحث تبيّن ما يأتي:
1. أنّ المصلحة المرسلة أصل أصولي معتبر
عند طائفة من الأئمة، وأنّ الاختلاف حوله راجع في الغالب إلى مدى استقلاله كدليل، وإلى
شروط اعتباره، أكثر من كونه اختلافًا في أصل رعاية المصالح.
2. أنّ تعريف المصلحة المرسلة يدور على
كونها مصلحة واقعية لم يشهد لها الشرع باعتبار خاصّ ولا بإلغاء، لكنها مندرجة تحت مقاصده
وكلياته في الجملة.
3. أنّ المصالح تنقسم من حيث قوتها إلى
ضرورية وحاجية وتحسينية، وأنّ مجال عمل المصلحة المرسلة هو أساسًا في العادات والمعاملات
والسياسة الشرعية، لا في العبادات المحضة ولا المقادير المحددة.
4. أنّ أقوال العلماء في حجّيتها ثلاثة:
المنع، والجواز المطلق، والقبول المقيّد بضوابط، وأنّ الراجح هو القول الثالث الذي
يجمع بين حفظ كمال الشريعة ورعاية مصالح العباد.
5. أنّ ضوابط العمل بالمصلحة المرسلة تتلخص
في: تحقق المصلحة وواقعيتها، وعمومها أو كليّتها، وملاءمتها لمقاصد الشريعة، وعدم معارضتها
لنصّ أو إجماع، وعدم تعلّقها بالعبادات والمقادير التعبدية، وأن يتولّى تقديرها أهل
الاجتهاد، مع موازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد.
6. أنّ للمصلحة المرسلة أثرًا كبيرًا في
الفقه قديمًا وحديثًا؛ إذ أسهمت في تشريع أنظمة عظيمة في حفظ الدين والمال والنفس والنظام
العام، من جمع القرآن وتدوين الدواوين قديمًا، إلى أنظمة المرور والتنظيمات الاقتصادية
والإدارية في العصر الحاضر.
وبهذا يتبيّن أنّ المصلحة المرسلة – بضوابطها
– أداة اجتهادية مركزية في تحقيق خلود الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، دون أن تكون
بابًا مفتوحًا للهوى أو التسيّب، بل وسيلة منضبطة لإعمال مقاصد الشريعة في النوازل
والمستجدّات.
المصادر والمراجع
1. الغزالي، أبو حامد. المستصفى من علم
الأصول. تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي. بيروت: دار الكتب العلمية.
2. الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات
في أصول الشريعة. تحقيق: مشهور حسن سلمان. الرياض: دار ابن عفان.
٣. الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الاعتصام.
تحقيق: مشهور حسن سلمان. الرياض: دار ابن عفان.
٤. الآمدي، علي بن أبي علي. الإحكام في
أصول الأحكام. بيروت: دار الكتب العلمية.
٥. ابن قدامة، موفق الدين. روضة الناظر
وجنّة المناظر في أصول الفقه. تحقيق: طه جابر العلواني. مؤسسة الرسالة.
٦. القرافي، شهاب الدين. الفروق نفائس
اﻷصول شرح المحصول. بيروت: دار الكتب العلمية.
٧ . القرافي، شهاب الدين. شرح تنقيح
الفصول. بيروت: دار الكتب العلمية.
٨. العز بن عبد السلام. قواعد الأحكام
في مصالح الأنام. تحقيق: طه جابر العلواني. مؤسسة الرسالة.
٩. الشنقيطي، محمد الأمين. نثر الورود
شرح مراقي السعود في علم الأصول، دار عالم الفوائد.
١٠. أبو زهرة، محمد. أصول الفقه. القاهرة:
دار الفكر العربي.
١١. ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. مجموع
الفتاوى. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم.
١٢. الشوكاني، محمد بن علي. إرشاد الفحول
إلى تحقيق الحق من علم الأصول. تحقيق: محمد صبحي بن حسن حلاق. دار ابن كثير.
١٣. البوطي، محمد سعيد رمضان. ضوابط المصلحة
في الشريعة الإسلامية. دمشق: دار الفكر.
١٤. البغا، مصطفى ديب، أثر اﻷدلة
المختلفة فيها. دمشق: دار القلم.
١٥. الشنقيطي، عبد الدائم ولد الشيخ
أحمد. المصلحة المرسلة بين نفاتها ومثبتيها. نواكشوط: ديوان الشناقطة.
١٦ . بو ركاب، محمد أحمد، المصالح
المرسلة وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي. دبي: دار البحوث للدراسات اﻹسلامية
وإحياء التراث.
١٧. مجمع الفقه الإسلامي الدولي. قرار
رقم 141 (15/7) بشأن المصالح المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة. موقع المجمع الرسمي.
١٨. خلاف، عبدالوهاب، علم أصول الفقه،
دمشق: دار الفجر.
١٩. الزركشي، بدر الدين، البحر
المحيط، تحقيق: مجموعة علماء، الكويت: وزارة اﻷوقاف الكويتية.
٢٠. للزبيدي، مرتضى، تاج العروس،
تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية.
٢١. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح
المنير، تحقيق: عبدالعظيم الشناوي، القاهرة: دار المعارف.
[1] انظر ترتيب القاموس،
والمصباح المنير، وتاج العروس مادة: (صلح)
[2] انظر المستصفى للغزالي (١
/ ١٤٤)، البحر المحيط للزركشي (٦ / ٧٦).
[3] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي. قرار رقم 141 (15/7) بشأن المصالح
المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة. موقع المجمع الرسمي.
[4] المستصفى للغزالي (١ / ١٤٤).
[5] انظر روضة الناظر وجنة
المناظر (١ / ٣١٧)، اﻹحكام في أصول اﻷحكام للآمدي (٥ /٢٧٨٨).
[6] انظر الموافقات في أصول
الشريعة للشاطبي (٢ / ٢٥ – ٢٦).
[7] انظر ضوابط المصلحة في
الشريعة اﻹسلامية للبوطي (ص: ٣٣٩).
[8] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي. قرار رقم 141 (15/7) بشأن المصالح
المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة. موقع المجمع الرسمي.
[9] انظر المستصفى للغزالي (١
/ ٢٨٥)، روضة الناظر وجنة المناظر (١ / ٣١٧).
[10] انظر الموافقات للشاطبي (
١ / ٧٠)، أثر اﻷدلة المختلف فيها لمصطفى البغا (ص: ٢٩ – ٣١).
[11] انظر المستصفى للغزالي (١
/ ٢٩٠)، روضة الناظر وجنة المناظر (١ / ٣٢٠).
[12] انظر الموافقات للشاطبي (
٢ / ٣٠٠ – ٣٠٤)، أثر اﻷدلة المختلف فيها لمصطفى البغا (ص: ٣٦ – ٤٠).
[13] انظر البرهان ﻹمام الحرمين
(٢ / ١١١٣)، المسودة ﻵل تيمية (ص: ٤٥٠)، الاعتصام للشاطبي (٢ / ٦٠٨)، تيسير
التحرير شرح التحرير ﻷمير بادشاه (٣ / ٣١٤).
[14] المرجع السابق.
[15] أخرجه مسلم
(867).
[16] انظر نفائس اﻷصول للقرافي
(٣ / ٢٠١)، الضياء اللامع للشيخ حلولو (٢ /٣٦٨)، التعيين شرح اﻷربعين للطوفي (ص: ٤٤
، ٣٥٧).
[17] أخرجه الدارقطني
(3/77)، والحاكم (2345) مطولاً واللفظ لهما، والبيهقي (11717) مطولاً باختلاف يسير.
[18] انظر شرح تنقيح الفصول
للقرافي (ص: ٤٤٨)، مجموع الفتاوى (١١ / ٣٤٤)، الاعتصام للشاطبي (٢ / ١١٢)، أثر
اﻷدلة المختلف فيها لمصطفى البغا (ص: ٤٤).
[19] المرجع السابق.
[20] انظر المستصفى للغزالي (١
/ ٢٩٣)، علم أصول الفقه لعبدالوهاب خلاف (ص:١٨٩).
[21] انظر علم أصول الفقه
لعبدالوهاب خلاف (ص:١٩٠).
[22] انظر أصول الفقه لمحمد أبو
زهرة (ص: ٢٥٧).
[23] انظر ضوابط المصلحة في
الشريعة الإسلامية للبوطي (ص: ١٤١، ١٧٦).
[24] انظر الموافقات للشاطبي (
٢ / ٣٠٠ – ٣٠٤)، أثر اﻷدلة المختلف فيها لمصطفى البغا (ص: ٣٦ – ٤٠).
[25] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي. قرار رقم 141 (15/7) بشأن المصالح
المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة. موقع المجمع الرسمي.
[26] المرجع السابق.
[27] انظر قواعد اﻷحكام للعز ابن
عبدالسلام (١ / ٦٨)، الموافقات للشاطبي (٢ / ١٨)، ضوابط المصلحة في الشريعة
الإسلامية للبوطي (ص: ٢٦٠).
[28] انظر الصالح المرسلة
وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي لأحمد بوركاب (ص: ٢٥٤)، المصلحة المرسلة بين
نفاتها ومثبتيها الدكتور عبدالدائم الشنقيطي (ص: ٢٢٤).
[29] انظر الصالح المرسلة
وأثرها في مرونة الفقه الإسلامي ﻷحمد بوركاب (ص: ٢٥٤).
[30] انظر المصلحة المرسلة بين
نفاتها ومثبتيها الدكتور عبدالدائم الشنقيطي (ص: ٢٢٩).
[31] انظر المرجع السابق (ص:
٢٣٣).
[32] المرجع السابق.
[33] انظر مجمع الفقه الإسلامي الدولي. قرار رقم 141 (15/7) بشأن المصالح
المرسلة وتطبيقاتها المعاصرة. موقع المجمع الرسمي.
تعليقات
إرسال تعليق