التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي حول العملات: دراسة تحليلية لتطور الأحكام الفقهية ومستجداتها

 

                                 مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. 

وبعد:

يُعد مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، مرجعية فقهية عالمية رائدة في معالجة النوازل والقضايا المعاصرة التي تواجه المسلمين. تأسس المجمع بهدف تقديم الأحكام الشرعية المستنبطة من نصوص الشريعة وقواعدها، مما يبرز سعة الفقه الإسلامي وقدرته على التكيف مع المستجدات. يسعى المجمع بشكل مستمر إلى ضبط وتقنين الخلاف الفقهي وتعزيز المعاملات المالية الإسلامية من خلال قراراته.

تعتبر العملات عصب الاقتصاد وأساس المعاملات المالية في أي مجتمع، وقد شهدت تطورات جذرية عبر التاريخ، من الذهب والفضة كمعادن نفيسة ذات قيمة ذاتية، إلى النقود الورقية التي تعتمد قيمتها على الثقة والاعتبار، وصولاً إلى العملات الرقمية الحديثة التي تمثل تحديًا جديدًا في عالم المال. هذا التطور المستمر أثار العديد من التساؤلات الفقهية حول طبيعة هذه العملات وأحكامها الشرعية، مما جعلها من أهم النوازل التي يتناولها مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دوراته المتعاقبة.

سيتناول هذا التقرير تطور قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المتعلقة بالعملات، بدءًا من تكييف النقود الورقية، مرورًا بمعالجة تغير قيمة العملة والتضخم، وانتهاءً بأحدث المستجدات حول العملات الرقمية المشفرة، مع تحليل معمق للأسس الفقهية والآثار العملية لهذه القرارات.


المحور الأول: أحكام النقود الورقية (القرارات التأسيسية):

شكلت النقود الورقية نقلة نوعية في تاريخ المعاملات المالية، وأثارت جدلاً فقهيًا واسعًا حول طبيعتها وأحكامها الشرعية. وقد تصدى مجمع الفقه الإسلامي الدولي لهذه القضية مبكرًا، وأصدر قرارات حاسمة أرست الأساس الفقهي للتعامل بها.

القرار رقم 21 (9/3) بشأن أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة (الدورة الثالثة، 16 أكتوبر 1986)

في هذا القرار المحوري، قرر المجمع أن "العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها". هذا يعني أن النقود الورقية، على الرغم من كونها ليست معادن ثمينة بذاتها، إلا أنها تؤدي وظيفة الثمنية بشكل كامل، وبالتالي تخضع لنفس الأحكام الشرعية التي تنطبق على الذهب والفضة.

من النقاط الجديرة بالذكر في هذا القرار هو تأجيل المجمع النظر في مسألة تغير قيمة العملة في هذه الدورة، موصيًا باستيفاء دراسة جميع جوانبها للنظر فيها في دورة لاحقة. هذا التأجيل يعكس منهجية المجمع في التريث والبحث المعمق قبل إصدار الأحكام في القضايا المعقدة والمتشعبة.

كان هذا القرار تأسيسيًا ومحوريًا في الفقه المالي المعاصر. فقبل هذا القرار، كان هناك جدل فقهي حول طبيعة النقود الورقية؛ هل هي مجرد سندات دين تمثل ذهبًا أو فضة مودعة، أم أنها أثمان قائمة بذاتها؟ المجمع حسم هذا الجدل باعتبارها أثمانًا كاملة، مما يعني تطبيق جميع أحكام النقود الأصلية (الذهب والفضة) عليها. هذا التكييف كان له تداعيات واسعة على جميع المعاملات المالية الحديثة.

يمثل هذا القرار تحولاً جذرياً في فهم طبيعة النقود في الفقه الإسلامي. فبدلاً من حصر الثمنية في المعادن النفيسة كالذهب والفضة، أقر المجمع أن الثمنية يمكن أن تكون "اعتبارية" أي مستمدة من قوة القانون وثقة الناس بها. هذا التوسع في مفهوم النقد يعكس مرونة الشريعة وقدرتها على استيعاب المستجدات الاقتصادية، مع الحفاظ على الأصول الفقهية المتعلقة بالمال، مثل أحكام الربا والزكاة. هذا الفهم المتقدم للنقود الورقية مهد الطريق لتطوير صناعة التمويل الإسلامي الحديثة، حيث أمكن تطبيق العقود المالية الإسلامية على أساس هذه النقود.

القرار رقم 22 (6/5) حول العملة الورقية (الدورة السادسة)

عمق هذا القرار ما جاء في القرار السابق، وقدم تفصيلات أكثر دقة حول أحكام النقود الورقية. أكد المجمع أن "العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة". وبناءً على ذلك، "تجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه، فضلاً ونسيئةً، كما يجري ذلك في النقدين الذهب والفضة تمامًا".

من أهم ما جاء في هذا القرار هو تحديد المجمع بأن "الورق النقدي أجناسًا مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس. وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته". هذا التحديد له أثر بالغ في أحكام الصرف، حيث يترتب عليه أن "لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض، أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى، من ذهب أو فضة أو غيرهما، نسيئة مطلقًا. فلا يجوز مثلاً بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلاً نسيئة بدون تقابض".

يعمق هذا القرار ما جاء في القرار السابق، ويحدد بشكل أكثر تفصيلاً الأحكام المترتبة على اعتبار النقود الورقية أثمانًا. التأكيد على جريان الربا بنوعيه (ربا الفضل: الزيادة في البيع مع اتحاد الجنس، وربا النسيئة: التأخير في التقابض) يشدد على ضرورة التقابض الفوري في عمليات الصرف بين العملات المختلفة. اعتبار كل عملة (مثل الريال السعودي والدولار الأمريكي) جنسًا مستقلاً يُعد أساسًا فقهيًا لعمليات الصرافة الدولية، حيث يجوز التفاضل بينها (مثلاً: 1 دولار = 3.75 ريال) بشرط التقابض الفوري.

يعكس هذا القرار التزام المجمع بمبدأ التقابض الفوري في عقود الصرف، وهو شرط أساسي لمنع ربا النسيئة (ربا التأخير). هذا المبدأ مستمد من النصوص الشرعية التي تحرم بيع الربوي بجنسه أو بغير جنسه مع التأخير. تطبيق هذا المبدأ على العملات الورقية المختلفة، التي اعتبرت أجناساً مستقلة، يضمن أن تكون معاملات الصرف خالية من الربا. هذا التحديد الدقيق له آثار عملية كبيرة على أسواق الصرف الأجنبي (الفوركس)، حيث يحرم التعامل بالهامش أو العقود الآجلة التي لا يتوفر فيها التقابض الحقيقي أو الحكمي.

الأسس الفقهية لاعتبار النقود الورقية أثمانًا

استند المجمع في قراراته إلى أن علة جريان الربا في الذهب والفضة هي "مطلق الثمنية" ، أي كونها وسيلة للتبادل ومقياسًا للقيم، وليس لكونها معدنًا أصليًا بحد ذاته. وبما أن العملة الورقية قد حلت محل الذهب والفضة في أداء هذه الوظائف وأصبحت "ثمنًا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تُقَوَّمُ الأشياء في هذا العصر" ، فقد أخذت حكمهما.

يبرز هذا التكييف الفقهي مرونة الشريعة الإسلامية في التعامل مع التطورات الاقتصادية. فبدلاً من التقييد بالشكل المادي للنقد (الذهب والفضة)، ركز المجمع على وظيفته الأساسية كأداة للتبادل ومخزن للقيمة. هذا الفهم الوظيفي للنقد هو ما سمح بتمديد أحكام الربا والزكاة وغيرها من الأحكام المالية إلى النقود الورقية، ويفتح الباب أمام تكييفات مستقبلية لأنواع جديدة من العملات، مع التأكيد على أن الثقة العامة بها وقبول الدولة لها هما العنصران الأساسيان في اكتسابها صفة النقد.


المحور الثاني: تغير قيمة العملة التضخم:

تعد قضية تغير قيمة العملة والتضخم من التحديات الاقتصادية الكبرى التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات، وقد أولاها مجمع الفقه الإسلامي الدولي اهتمامًا خاصًا، وأصدر بشأنها قرارات وتوصيات هامة.

القرار رقم 42 (5/4) بشأن تغير قيمة العملة (الدورة الخامسة، 15 ديسمبر 1988)

في هذا القرار، حسم المجمع مسألة مهمة تتعلق بالديون في ظل تقلبات قيمة العملة. فقد قرر أن "العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة، لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيًا كان مصدرها، بمستوى الأسعار".

يؤكد هذا المبدأ على أن يسدد المدين نفس العدد من الوحدات النقدية التي اقترضها، بغض النظر عن تغير قوتها الشرائية. هذا المبدأ يحمي استقرار العقود ويقلل من النزاعات، كما أنه يتفق مع طبيعة القرض في الشريعة الإسلامية كعقد إرفاق (مساعدة) لا يهدف إلى الربح أو تحمل مخاطر تقلبات السوق من قبل المقرض. فلو كانت العبرة بالقيمة السوقية المتغيرة للعملة، لأدى ذلك إلى عدم استقرار في المعاملات، ولأدخل عنصر الغرر (الجهالة) في عقود الديون، مما قد يؤدي إلى نزاعات وخسائر غير متوقعة لأحد الطرفين. هذا التحديد يحمي المدين من تحمل مخاطر التضخم التي قد لا يكون له يد فيها، ويضمن للمقرض استرداد رأس ماله الاسمي.

القرار رقم 115 (12/9) بشأن موضوع التضخم وتغير قيمة العملة (الدورة الثانية عشرة، 23-28 سبتمبر 2000)

يمثل هذا القرار تطورًا هامًا في معالجة المجمع لقضية التضخم، حيث جاء ليؤكد على القرار السابق ويقدم حلولًا وتوصيات تفصيلية.

أولاً، أكد المجمع على العمل بالقرار رقم 42 (5/4) الخاص بأن العبرة في وفاء الديون بالمثل لا بالقيمة.

ثانياً، أجاز المجمع التحوط من التضخم عند إبرام العقود بأن يتم الدين بغير العملة المتوقع هبوطها، مثل الذهب أو الفضة، أو سلعة مثلية، أو سلة من السلع، أو عملة أخرى أكثر ثباتًا، أو سلة عملات. وشدد على أن يكون بدل الدين بمثل ما وقع به الدين فعلاً. هذا يتيح للأطراف حماية أنفسهم من آثار التضخم دون مخالفة المبادئ الشرعية.

ثالثاً، حرم المجمع شرعًا الاتفاق عند إبرام العقد على ربط الديون الآجلة بأي شيء من المؤشرات، مثل مؤشر تكاليف المعيشة، الذهب، الفضة، سعر سلعة معينة، معدل نمو الناتج القومي، عملة أخرى، سعر الفائدة، أو سلة أسعار سلع. ويعود سبب التحريم إلى ما يترتب على ذلك من غرر كثير وجهالة فاحشة، وعدم تماثل بين ما في الذمة وما يطلب أداؤه، مما يجعله ربا. هذا التحديد يعزز مبدأ المعلومية في العقود ويحارب الغرر والربا، حيث أن تحديد الدين بمبلغ غير ثابت وغير معلوم وقت العقد يتعارض مع مقاصد الشريعة في العقود المالية.

رابعاً، أظهر المجمع توازنًا فقهيًا بإجازة الربط القياسي للأجور تبعًا للتغير في مستوى الأسعار، وكذلك في الإجارات الطويلة للأعيان، شريطة أن تصير الأجرة معلومة المقدار عند بدء كل فترة. هذا التمييز بين الديون (التي لا يجوز ربطها) والأجور والإجارات (التي يجوز ربطها) يعكس الفهم الدقيق لطبيعة كل عقد؛ فالأجور والإجارات هي عقود معاوضة مستمرة وليست ديونًا، وبالتالي فإن ربطها بمستوى الأسعار يحقق العدالة ويحفظ حقوق الأطراف في ظل تغير القوة الشرائية.

تضمنت التوصيات المرافقة لهذا القرار دعوة السلطات النقدية إلى العمل على القضاء على أسباب التضخم، وتجنب التمويل بالتضخم، وزيادة التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ودراسة آثار التضخم على أصول البنوك الإسلامية، ودراسة جدوى العودة إلى ربط العملة بالذهب، وزيادة الإنتاج، وتحقيق التوازن في الموازنات العامة، والالتزام بالضوابط الشرعية في السياسات المالية، واستقلالية البنوك المركزية. هذه التوصيات تبرز الدور الشمولي للمجمع في تقديم رؤى اقتصادية متكاملة تستند إلى الشريعة لمواجهة التحديات الاقتصادية.

يوضح هذا القرار كيفية تحقيق التوازن بين ثبات الأحكام الشرعية (مثل مبدأ المثلية في الديون وتحريم الربا والغرر) ومرونتها في التعامل مع الظروف المتغيرة (مثل التضخم). فالمجمع لم يلغِ مبدأ المثلية، بل قدم بدائل شرعية للتحوط من آثار التضخم دون الوقوع في المحاذير الشرعية. هذا النهج يؤكد أن الشريعة الإسلامية ليست جامدة، بل قادرة على تقديم حلول عملية وواقعية للمشكلات الاقتصادية المعاصرة، مع الحفاظ على مقاصدها في حفظ المال وتحقيق العدل.


المحور الثالث: العملات الرقمية المشفرة (المستجدات والتحديات):

مع التطور التكنولوجي المتسارع، ظهرت العملات الرقمية المشفرة كظاهرة مالية حديثة، مما طرح تحديات جديدة أمام الفقه الإسلامي. وقد تابع مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه المستجدات بحذر وتريث، مع التركيز على الدراسة المعمقة قبل إصدار الأحكام النهائية.

القرار رقم 237 (24/8) بشأن العملات الإلكترونية (الدورة الرابعة والعشرون، 20 نوفمبر 2019)

يمثل هذا القرار الخطوة الأولية للمجمع في التعامل مع العملات الرقمية. بدلاً من إصدار حكم سريع، اتبع المجمع منهجية التريث والبحث العلمي المعمق، وهو ما يتناسب مع طبيعة النوازل المعقدة والحديثة.

أولاً، قام المجمع بتعريف العملات الإلكترونية بمصطلح "العملات الرقمية المعماة (المشفرة)"، وذكر أشهرها مثل البتكوين، والإيثيريوم، والريبل. وأوضح أنها أرقام مشفرة بلا كيان مادي ملموس، وتتداول بنظام الند للند، وتعتمد غالبًا على تقنية البلوكتشين (سلسلة الكتل). وصنفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية: عملات (coins) مثل البتكوين، وبدائل عملات (altcoins) مثل اللايت كوين والإيثيريوم، وقسائم (tokens) وهي أصول قابلة للاستبدال والتداول بالسلع والعملات المشفرة. كما أشار إلى مخاطرها، أبرزها التقلبات السعرية العالية.

ثانياً، فيما يتعلق بالحكم الشرعي، لم يصدر المجمع حكمًا قاطعًا في هذه الدورة. بل أشار إلى أن هناك "قضايا مؤثرة في الحكم لا تزال محل نظر"، مثل: ماهية العملة المشفرة (هل هي سلعة أم منفعة أم أصل مالي استثماري أم أصل رقمي؟)، وهل هي متقومة ومتمولة شرعًا؟. هذه الأسئلة الفقهية الجوهرية هي مفتاح التكييف الفقهي، فلكل تكييف أحكامه المترتبة عليه.

ثالثاً، أوصى المجمع "بمزيد من البحث والدراسة للقضايا المؤثرة في الحكم" نظرًا لما يكتنف هذه العملات من مخاطر عظيمة وعدم استقرار التعامل بها. الاعتراف بالتقلبات السعرية والمخاطر الكامنة فيها يبرز حذر المجمع من الوقوع في محاذير شرعية كالغرر (الجهالة والمخاطرة المفرطة). هذا التريث يعكس منهجية الاجتهاد الجماعي التي تعطي الأولوية للفهم الشامل للظاهرة قبل إصدار الحكم.

البيان الختامي الصادر عن ندوة العملات الرقمية المشفرة (جدة، 15 نوفمبر 2021)

جاءت هذه الندوة تنفيذاً لتوصية القرار 237 (24/8) بهدف تعميق البحث والدراسة في القضايا المؤثرة في الحكم الشرعي للعملات المشفرة. ركزت الندوة على محاور رئيسية شملت تعريف العملات المشفرة وأنواعها، آليات إصدارها وتداولها، طبيعة البتكوين، بروتوكول العملة وسلسلة الكتل (البلوكتشين)، والتكييف الفقهي لها (هل هي سلعة أم نقد، وهل هي متقومة ومتمولة شرعًا؟).

بعد مناقشات مستفيضة، قررت الأمانة العامة تأجيل إعلان التوصيات النهائية للندوة لتمكين إعادة صياغتها بدقة وشمولية، وعرضها على المشاركين للمراجعة والاعتماد قبل رفعها لمجلس المجمع. تعكس هذه الندوة استمرارية جهود المجمع في دراسة العملات الرقمية. تأجيل إعلان التوصيات يشير إلى تعقيد الموضوع وتعدد الآراء الفقهية والاقتصادية حوله، مما يستدعي مزيدًا من التمحيص والتدقيق للوصول إلى حكم جماعي مستقر. هذا النهج يعزز الثقة في قرارات المجمع، حيث لا يتم التسرع في الفتوى في المسائل المستجدة التي تحتاج إلى فهم عميق لآلياتها وتداعياتها.

آراء العلماء المعاصرين بعد قرارات المجمع (محل نظر):

لا يزال هناك انقسام بين العلماء المعاصرين حول حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة، مما يعكس الطبيعة المعقدة لهذه الظاهرة وغياب حكم فقهي موحد ونهائي من المجامع الكبرى حتى الآن.

القول بالتحريم أو التحفظ:

يرى بعض العلماء تحريم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة أو التحفظ عليها لأسباب عدة:

 ١ - شيوع الغرر والجهالة: تتميز هذه العملات بتقلبات سعرية شديدة وعدم استقرار، بالإضافة إلى غياب جهة مركزية ضامنة أو منظمة لها، مما يؤدي إلى مخاطر عالية واحتمال كبير لضياع المال. هذا الغرر يعتبر محرمًا شرعًا.

 ٢ - غياب التملك الحقيقي: خاصة في المضاربات اليومية وعقود الفروقات (CFD) التي لا تتضمن تملكًا حقيقيًا للعملة، وهو ما يتعارض مع مبدأ "لا تبع ما ليس عندك".

 ٣ - الارتباط بأنشطة محرمة: يُلاحظ أن بعض هذه العملات قد تستخدم في أنشطة غير مشروعة مثل القمار، الربا، غسيل الأموال، أو في تمويل مشاريع تضر بالقضايا الإنسانية، مما يجعل التعامل بها محرمًا من باب التعاون على الإثم والعدوان.

 ٤ - تعدٍّ على صلاحيات الدول: يرى البعض أن إصدار هذه العملات وتداولها خارج سيطرة البنوك المركزية والدول يمثل تعديًا على صلاحيات الدولة في تنظيم النقد والاقتصاد، وينقص من إجراءات الرقابة المالية اللازمة.

 ٥ - عدم تحقق وظائف النقود: بعض الآراء ترى أن العملات الافتراضية لا تحقق وظائف النقود ولا شروطها الشرعية بشكل كامل، مثل كونها مقياسًا عامًا للسلع والخدمات، وصادرة عن سلطة معلومة، وشائعة بين الناس.

القول بالجواز بضوابط:

في المقابل، يرى آخرون جواز التعامل بها بشروط وضوابط صارمة، خاصة إذا كانت لا تمثل عملات حقيقية أو كانت خاضعة لرقابة مركزية:

 ١ - التقابض الفوري: يجب أن يتم التداول فورياً (Spot) بأن يجري التسليم للمبيع وتسلم الثمن فوراً، مع تحقق القبض الحقيقي أو الحكمي (مثل التحويل المباشر للعملة إلى حساب المتداول البنكي).

 ٢ - تجنب المحرمات: الابتعاد عن الربا بكافة أنواعه، وتجنب الرافعة المالية (Leverage) وعقود المبادلات (Swap) التي تعتبر محرمة شرعًا.

 ٣ - مشروعية المصدر والنشاط: التأكد من أن العملة لا تعتمد على أنشطة محرمة، وأنها تستخدم في أغراض مشروعة، مع ضرورة البحث الجيد قبل الاستثمار.

 ٤ - العملات الرقمية الرسمية (CBDCs): يجوز التعامل بالعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية أو الحكومات (Central Bank Digital Currencies)، لأنها تأخذ حكم النقد الورقي وتخضع لرقابة الجهات الرسمية.

 ٥ - الزكاة: وجوب الزكاة فيها إذا بلغت قيمتها نصاب الذهب (85 جرامًا) أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة، شأنها شأن النقود الورقية.

يعكس هذا التباين في الآراء الطبيعة المعقدة للعملات الرقمية، التي تجمع بين خصائص السلع والأصول الاستثمارية ووسائل التبادل. ينبع الخلاف بشكل كبير من عدم وضوح تكييفها الفقهي النهائي، وهل يمكن اعتبارها "نقودًا" بالمعنى الشرعي الكامل الذي يترتب عليه أحكام الصرف والربا والزكاة بشكل مباشر. المخاطر العالية المرتبطة بها، مثل التقلبات الشديدة وغياب الجهة المركزية الضامنة، هي نقطة خلاف رئيسية. بينما يرى بعض العلماء أن هذه المخاطر ترقى إلى مستوى الغرر المحرم شرعًا، يرى آخرون أنها مخاطر تجارية يمكن للمتعامل تحملها بمسؤوليته الخاصة، شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية الأخرى كالتقابض الفوري وتجنب الربا. هذا النقاش المستمر يؤكد على أهمية الاجتهاد الجماعي والمزيد من البحث الذي أوصى به المجمع، للوصول إلى تكييف فقهي موحد ومستقر لهذه الظاهرة المالية الحديثة.

يمثل موضوع العملات الرقمية تحديًا فقهيًا كبيراً يختبر قدرة الفقه الإسلامي على التعامل مع الابتكارات المالية السريعة. عدم وجود تكييف شرعي واضح وموحد حتى الآن يعود إلى عدة عوامل: أولاً، الطبيعة المعقدة والمتغيرة لهذه العملات؛ وثانياً، غياب جهة إصدار مركزية موثوقة في معظمها؛ وثالثاً، المخاطر العالية التي تكتنفها. هذا يدفع إلى ضرورة تعميق البحث في ماهيتها الحقيقية - هل هي مجرد أصول استثمارية، أم سلع رقمية، أم يمكن أن ترقى إلى مستوى النقد الشرعي؟ هذا التحديد هو أساس بناء الأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بها، مثل أحكام الصرف والزكاة والربا.


الخاتمة والتوصيات:

لقد أظهرت قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي حول العملات تطورًا منهجيًا وفقهيًا بارزًا، يعكس قدرة الفقه الإسلامي على التكيف مع المستجدات الاقتصادية مع الحفاظ على أصول الشريعة ومقاصدها.

بدأ المجمع بتكييف النقود الورقية كأثمان كاملة تخضع لأحكام الذهب والفضة من حيث الربا والزكاة والسلم، مع التأكيد على تحريم البيع الآجل (النسيئة) بين العملات المختلفة. هذا التكييف كان حجر الزاوية في شرعنة التعاملات المالية الحديثة القائمة على النقود الورقية.

ثم انتقل المجمع لمعالجة تحدي تغير قيمة العملة والتضخم، مؤكدًا على مبدأ المثلية في وفاء الديون، وهو ما يحقق العدالة ويمنع الغرر في عقود الإرفاق. وفي الوقت نفسه، قدم حلولًا شرعية للتحوط من التضخم عند التعاقد، وحرم ربط الديون الآجلة بالمؤشرات الاقتصادية لما فيها من غرر وربا، بينما أجاز ربط الأجور والإجارات بالمؤشرات لما يحقق ذلك من عدالة في عقود المعاوضة المستمرة.

أما فيما يتعلق بالعملات الرقمية المشفرة، فقد اتسم موقف المجمع بالحذر والتريث، حيث لم يصدر حكمًا قاطعًا بعد. بدلاً من ذلك، ركز على دراسة مفهومها وآلياتها ومخاطرها، وأوصى بمزيد من البحث لبيان طبيعتها وتكييفها الفقهي الصحيح. هذا النهج يعكس عمق المنهجية الفقهية في التعامل مع النوازل المعاصرة التي تتسم بالتعقيد والجدة.

بناءً على التحليل السابق، يمكن صياغة التوصيات التالية:

 ١ -  تعميق البحث في العملات الرقمية: ضرورة استمرار وتكثيف الدراسات الفقهية والاقتصادية المتخصصة حول العملات الرقمية المشفرة، مع التركيز على تحديد ماهيتها الشرعية (هل هي نقد، سلعة، أم أصل مالي؟) وبيان مدى تحقق شروط النقد فيها، وذلك للوصول إلى تكييف فقهي موحد ومستقر يمكن أن تستند إليه المؤسسات والأفراد.

 ٢ - التأكيد على ضوابط التعامل: التأكيد المستمر على الضوابط الشرعية الأساسية في أي تعاملات مالية، خاصة تلك المتعلقة بالعملات، وهي: ضرورة التقابض الفوري في عقود الصرف، تجنب الربا بكافة أنواعه (الفضل والنسيئة)، الابتعاد عن الغرر والجهالة والمقامرة، والتأكد من مشروعية الأنشطة التي تدعمها هذه العملات أو تستخدم فيها.

 ٣ - دور الرقابة الشرعية: دعوة المؤسسات المالية الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية إلى التنسيق والتعاون لوضع معايير موحدة للتعامل مع المستجدات المالية، بما في ذلك العملات الرقمية، لضمان الامتثال الشرعي وحماية المتعاملين من المخاطر المحتملة.

 ٤ - التوعية والتثقيف: أهمية توعية الجمهور والمهتمين بالمعاملات المالية الإسلامية بالأحكام والضوابط الشرعية المتعلقة بالعملات، وخاصة العملات الرقمية، لتجنب الوقوع في المحاذير الشرعية والمخاطر المالية، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة والبرامج التعليمية المتخصصة.

 ٥ - التعاون مع الجهات الرسمية: تشجيع التعاون بين المجامع الفقهية والمؤسسات المالية الإسلامية والجهات التنظيمية الحكومية لوضع أطر قانونية وتنظيمية للتعامل مع العملات الرقمية، بما يضمن حماية المستهلكين ويقلل من المخاطر المرتبطة باللامركزية وغياب الرقابة، ويسهم في استقرار الأسواق المالية.


المراجع:

أحميداني، عبدالعالي. "العملات الرقمية: دراسة فقهية اقتصادية مقاصدية عملة البيتكوين (BTC) أنموذجا". https://islamic-economics.net/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D9%82%D9%87%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9/

بيومي، عبد الناصر حمدان. "العملات الرقمية المشفرة في ضوء عقود المعاملات الشرعية الحكم الشرعي وتحرير محل النزاع (٦/٧)". https://forum.albaraka.site/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%81%D8%B1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B6%D9%88%D8%A1-%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84-6/

"البيان الختامي الصادر عن ندوة العملات الرقمية المُشفَّرة - مجمع الفقه الإسلامي الدولي". https://iifa-aifi.org/ar/28224.html

"تأثير قرارات المجامع الفقهية على الاقتصاد الإسلامي العملات". https://journals.ekb.eg/article_101176_c84f2a2da2d260296aecb46d89afe952.pdf

"تغيرات النقود والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي". https://iefpedia.com/arab/wp-content/uploads/2009/10/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A3.%D8%AF.-%D9%86%D8%B2%D9%8A%D9%87-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%AF.doc

"عام / المجمع الفقهي الإسلامي يصدر قرارات وبيانات في عددٍ من القضايا والمستجدات في ختام دورته الـ 23.". https://www.spa.gov.sa/N2088120

"قرار بشأن أحكام النقود الورقية وتغير قيمة العملة - مجمع الفقه الإسلامي الدولي". https://iifa-aifi.org/ar/1679.html

"قرار بشأن العملات الإلكترونية - مجمع الفقه الإسلامي الدولي". https://iifa-aifi.org/ar/5192.html

"قرار بشأن تغيُّر قيمة العملة – مجمع الفقه الإسلامي الدولي". https://iifa-aifi.org/ar/1754.html

"قرار بشأن موضوع التضخم وتغيُّر قيمة العملة - مجمع الفقه الإسلامي الدولي". https://iifa-aifi.org/ar/2074.html

"قرارات المجمع الفقهي الإسلامي للرابطة - مكة | مجلد 1 | صفحة 22 | قرار رقم: 22 (6/5) حول العملة الورقية". https://ketabonline.com/ar/books/24407/read?part=1&page=23&index=4390761

مشوقة، حمزة. "المسائل الفقهية المشهورة في التداول عبر منصات الفوركس". https://aliftaa.jo/ArticlePrint.aspx?ArticleId=5860

"مجمع الفقه الإسلامي: حكم التعامل بالعملات الرقمية محل نظر - صحيفة مكة". https://makkahnewspaper.com/article/1111925/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%84-%D9%86%D8%B8%D8%B1

"من قرارات المجمع الفقهي حول العملة الورقية". https://ar.islamway.net/fatwa/31639/%D9%85%D9%86-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%82%D9%8A%D8%A9

"موقع دار الإفتاء الأردنية". https://aliftaa.jo/Research/261

"النوازل المعاصره وصار فيها جدل طويل". https://www.youtube.com/watch?v=at4pnM4mB6o

السالوس، علي أحمد. "أحكام النقود واستبدال العملات في الفقه الإسلامي". https://iefpedia.com/arab/wp-content/uploads/2009/10/%D8%A3%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%88%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A3.%D8%AF.-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B3.doc

السويلم، سامي. "البيتكوين والعملات المشفرة وإشكاليات شرعية". https://islamonline.net/%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%81%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A5%D8%B4%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/

"حكم المضاربة اليومية في العملات الرقمية في الإسلام: ضوابط". https://icobench.com/ar/cryptocurrency/cryptocurrency-halal-or-haram/

"حكم المضاربة اليومية في العملات الرقمية في الإسلام: ضوابط وتوضيحات | Binance Square". https://www.binance.com/ar/square/post/17654522193874


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

الإمام صفي الدين البغدادي وكتابه "قواعد الأصول" [دراسةٌ في منهجه، ومقارنًة بمنهج ابن قدامة في كتابه روضة الناظر]

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد: تمثل دراسة المناهج الأصولية حجر الزاوية في فهم التطور الفكري للمذاهب الفقهية؛ إذ لا يقتصر التحليل العميق على معرفة ما قاله العالم، بل يمتد إلى كيفية بناء حجته، وترتيب مادته، وتحديد غايته من التصنيف. إن هذا المنهج التحليلي، الذي يتجلى بوضوح في الدراسات المعاصرة، يكشف عن الأولويات العلمية للمصنف، وجمهوره المستهدف، وموقعه الدقيق ضمن خريطة التراث العلمي الذي ينتمي إليه. وفي هذا السياق، شهد التأليف في أصول الفقه داخل المذهب الحنبلي تطورًا لافتًا. فيقف هذا البحث على معلمين رئيسيين تمثل مسارًا فكريًا متصاعدًا في هذا التطور: أولها الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 620 هـ) وكتابه "روضة الناظر وجنة المناظر"، الذي يمثل مرحلة من مراحل التأسيس المنهجي في صلب الفكر الأصولي الحنبلي.  وثانيها الإمام صفي الدين البغدادي (المتوفى سنة 739 هـ) وكتابه "قواعد الأصول ومعاقد الفصول"، الذي يمثل مرحلة التجريد والتقطير التعليمي، حيث تم استخلاص القواعد العملية من رحم النقاشات النظرية المعقدة. وعليه، يهد...