الحمد لله الذي خلقنا وأنعم علينا بهذا الدين العظيم، فهدانا إلى الصراط المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وعد المستقيمين بالثواب الكريم، وتوعد المنحرفين بالعذاب الأليم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من سار على صراط المستقيم، فصلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد
إن يوم عرفة من أعظم أيام السنة، وأجلها عند الله تعالى، وهو موسم عظيم للخيرات والأجور الجزيلة، تتجلى فيه أسمى معاني العبادة والتقرب إلى الخالق سبحانه وتعالى.
يجمع الله فيه بين مواسم البر والطاعات، ويتيح للمسلمين فرصة فريدة للتزود من الأعمال الصالحة والمغفرة.
يوم مشهود تتجلى فيه رحمة الله:
يوم عرفة هو "اليوم المشهود" الذي أقسم الله به في القرآن الكريم في قوله: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)} [ البروج: ٣]، ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكر النبي أن اليوم المشهود هو يوم عرفة، وأن فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه.
تزداد عظمة هذا اليوم بما حدث فيه من إكمال الدين وإتمام النعمة. ففي يوم عرفة، نزلت آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فهذا إعلانًا من الله بكمال الشريعة الإسلامية وتمام فضل الله على عباده. وقد نزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة يوم جمعة.
ولعظمة هذا اليوم، يتجلى فيه جانب من عظمة الله تعالى وهو مباهاته ملائكته بعباده الواقفين بعرفة. فالملائكة تشهد تجمع الحجيج، وشعثهم وغبرتهم، فيقول الله تعالى مباهيًا بهم: "انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا". هذه المباهات تدل على رضا الله عن هؤلاء العباد وقبولهم.
أعمال مستحبة وفرص لا تعوض:
في هذا اليوم العظيم، تُستحب العديد من الأعمال التي يتقرب بها المسلمون إلى ربهم:
١ - صيام يوم عرفة لغير الحاج: يُعد صيام يوم عرفة لغير الحاج من أفضل الأعمال التي يكفِّر الله بها ذنوب سنتين: السنة الماضية والسنة القادمة، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".
أما الحاج، فلا يشرع له الصيام في هذا اليوم، لأنه يوم عيد لأهل الموقف، وقد أفطر النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة أثناء حجه.
٢ - الإكثار من الدعاء والذكر والاستغفار والتوبة: يوم عرفة هو يوم الدعاء بامتياز، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
ينبغي للمسلم أن يُكثر من الدعاء بإلحاح وإخلاص، موقناً بالإجابة، وحسن الظن بالله. قال الإمام عبد الله بن المبارك لسفيان الثوري: " مَن أسوأُ هذا الجمع حالاً ؟ قال سفيان: "الذي يظنُّ أنَّ الله لا يغفرُ له".
يوم العتق من النار:
من أعظم فضائل يوم عرفة أنه اليوم الذي يدنو فيه الله تعالى من عباده، وهو أكثر يوم يعتق الله فيه العباد من النار. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟".
هذه الفضيلة تؤكد على رحمة الله الواسعة وفضله العميم على عباده في هذا اليوم المبارك.
ولا يفوتنا أن نذكر أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم من أركان الحج، فالحج "عرفة"، فمن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. وهذا يدل على الأهمية القصوى لهذا اليوم في مناسك الحج.
خاتمة: اغتنام الفرصة:
إن هذه الفضائل العظيمة ليوم عرفة تستدعي منا اغتنام هذه الفرصة المباركة. فلنجعل هذا اليوم محطة للتزود بالبر والتقوى، ولنكثر فيه من الدعاء والاستغفار والتوبة، عسى الله أن يعتق رقابنا من النار وأن يغفر ذنوبنا ويقبل توبتنا، إنه هو الغفور الرحيم.
تعليقات
إرسال تعليق