التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكم دفع الزكاة بالقيمة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي وفق خير خلقه للفقه بالدين، وجعلهم هداةً مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه الهداة المهتديين.
أما بعد:
إن مما يتكرر السؤال عنه برمضان هو حكم إعطاء زكاة الفطر بالقيمة فأحببت أن اجمع أقوال العلماء، والمعول عليه من أدلتهم، ليكون نافعاً لي ولمن قراه. ودفع القيمة في زكاة الفطر إنما هي فرع عن مسالة دفع القيمة في جميع أصناف الزكويات فتجد أدلة العلماء - من حيث زكاة الفطر أو غيرها مثل: (الإبل, والغنم, والزروع.....) - واحدة.

- الأقوال:
القول الأول:
لا يجزء إخراج الزكاة بالقيمة، أختاره مالك،([1]) والشافعي، ([2]) وأحمد بن حنبل.([3])
قال النووي: " لا يجوز إخراج القيمة في شئ من الزكوات. وبه قال مالك وأحمد..."([4])

القول الثاني:
يجزء إخراج الزكاة بالقيمة، اختاره سفيان الثوري، ([5]) وأبو حنيفة، ([6]) وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز،([7]) والحسن البصري.([8])
قال المرغيناني: " (ويجوز دفع القيم في الزكاة) عندنا وكذا في الكفارات, وصدقة الفطر, والعشر, والنذر."([9])

- الأدلة:

- أدلة القول الأول:
1_  قول ابن عمر: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل عبد أو حر، صغير، أو كبير» متفقٌ عليه.([10])
ولهما ([11]) عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، عن كل صغير، وكبير، حر أو مملوك، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب».

ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض هذه الأصناف وخصها بالذكر فإذا عدل عن ذلك فقد ترك ما فرضه النبي صلى الله عليه وسلم عليه؛ لأن الذي يخرج القيمة قد عدل عن النصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد.
ونوقش: بأننا نجيز الجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف بذلك غيرها.
وأجيب: بأن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأصناف دليل على نفي ما عداه، ومفهوم المخالفة حجةٌ عندنا فصرنا إليه.
وأيضاً فإن قول أبي سيعد الخدري " كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم...." يدل على أنهم لا يدفعون القيمة، ولا يعلم احد خالف في هذا، وأول من عُرف عنه في دفع القيمة هو عمر بن عبد العزيز, قال أبو طالب: ([12]) قال لي أحمد: لا يعطي قيمته. قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة. قال: يدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان، قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلموقال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] . وقال: قوم يردون السنن: قال فلان، قال فلان.
2_ قال النبي صلى الله عليه وسلم : «في أربعين شاةٍ شاةً, وفي مائتي درهم خمسة دراهم».([13])
وجه الدلالة: أن هذا الحديث ورد بياناً لمجمل قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]، والمبيِن له حكم المبيَّن, فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب.
 والنبي صلى الله عليه وسلم فرض الصدقة على هذا الوجه، وأمر بها أن تؤدى، ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال: «هذه الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بها أن تؤدى. وكان فيه: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر»([14])
فهذا  يدل على أنه أراد عينها لتسميته إياها، ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز؛ لأن خمساً وعشرين لا تخلو عن مالية بنت مخاض، فدل الى ابن لبون ذكر، فلو أراد المالية للزمه مالية بنت مخاض، دون مالية ابن لبون.
ونوقش: أن الخبر يقتضي وجوب ما نص عليه، وهذا موضع قد اتفقنا عليه واختلفنا هل يقوم غيره مقامه أم لا؟ وليس في وجوب الشيء ما يمنع جواز أخذ بدله، فلم يبق إلا استصحاب الإجماع.([15])
وأجيب: أن استصحاب الإجماع ضعيف ليس بحجة عند الجمهور.([16])
3_  عن معاذ: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فقال: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل والبقر من البقر.»([17])
وجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: دل على تعيين ما يخرج من الزكاة.
والثاني: سياق الكلام على أخذ كل جنس من جنسه، فدل أنه مستحق فانتفى جواز إخراج القيمة.([18])
4_ أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.

- أدلة القول الثاني:
1_ قول معاذ لأهل اليمن:" ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة".([19])
وعن طاوس قال: قال لهم معاذ باليمن: «ائتوني بعرض  آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة». ([20])
وجه الدلالة: ولا يؤخذ الثياب عن الذرة والشعير إلا على وجه البدل.([21])
نوقش من وجهين:([22])
أحدهما: أن هذا مرسل، وطاوس لم يدرك معاذاً، قاله الدارقطني.([23])
وقال الإسماعيلي: حديث طاوس عن معاذ إذا كان مرسلاً فلا حجة فيه.([24])
والثاني: أنه محمول على الجزية؛ لأن مذهب معاذ لا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وإنما سماها صدقة تجوزاً، ويدل عليه ما روي عن معاذ بن جبل قال: بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعه، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافر.رواه أبو داود,([25]) والحاكم وقال: على شرطهما.([26])
قال البيهقي: "هذا هو الأليق بمعاذ، والأشبه بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ الجنس في الصدقات، وأخذ الدينار أو عدله معافر- ثياب باليمن- في الجزية، وأن يرد الصدقات على فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة، الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة، والله أعلم" ([27])
2_ حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات: "ومن بلغت عنده صدقة بنت ليون، وليست عنده إلا حقة: فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقة حقة، وليست عنده إلا بنت لبون: فإنها تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا".([28])
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على التعادل في القيمة.
ونوقش: أنه ليس هذا على وجه القيمة، إنما هي أصول، بدليل أن القيمة تختلف بالأزمنة والأمكنة، فقدر الشرع شيئاً يزيل الاختلاف.
3_ عن جرير بن عبد الحميد، عن ليث، عن عطاء، أن عمر، كان «يأخذ العروض في الصدقة من الورق وغيرها».([29])
ونوقش: بأنه اثر ضعيف لا يثبت عن عمر فيه علتين:
الأولى: عطاء هو ابن أبي رباح, لا يروي عن عمر ولد في خلافة عثمان.([30])
والثانية: ليث هو ابن أبي سليم ضعيف, اختلط جداً، ولم يتميز حديثه فترك.
4_ أن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد القدر المالية باختلاف صور الأموال.
ونوقش: أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرا لنعمة المال، والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.

- الراجح:
الراجح من اﻷقوال هو القول الأول؛ لأن الأدلة تدل عليه بمنطوقها ومفهومها، ولم يخالف أحد من الصحابة في ذلك، وأدلة القول الثاني لا تقاوم أدلة القول الأول، والله أعلم.

تم البحث والحمد لله رب العالمين فإن كان صواب فمن الله وان كان خطأ فمني ومن الشيطان, وان أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.



([1]) انظر البيان والتحصيل لابن رشد الجد (2/486).
([2]) انظر المجموع شرح المهذب للنووي (5/429).
([3]) انظر المغني لابن قدامة (4/ 295),  كشاف القناع عن متن الإقناع (2/ 254).
([4]المجموع شرح المهذب (5/ 429).
([5]) انظر الإشراف لابن المنذر (3/ 80 / رقم 1068).
([6]) انظر التجريد للقدوري (3/1243), فتح القدير لابن الهمام (2/144).
([7]) انظر المصنف لابن أبي شيبة (6/ 293/ رقم 10660).
([8]نظر المصنف لا بن أبي شيبة (6/ 293/ رقم 10662).
([9]) الهداية المرغيناني (1/260).
([10]) انظر أخرجه البخاري (1508) ، ومسلم (4259).
([11])انظر أخرجه البخاري (1504) ، ومسلم (984) (12).
([12]) انظر زاد المسافر لغلام الخلال (2/ 432/ 1320- 1321).
([13]) انظر أخرجه أبو داود (1568) ، والترمذي (626)
([14]) انظر أخرجه صحيح البخاري (2/ 364، 365).
([15]) انظر التجريد للقدوري (3/ 1249).
([16]) انظر التحبير شرح التحرير للمرداوي (8/ 3763). 
([17]) أخرجه أبو داود (1599) ، وابن ماجه (1814).
([18]) انظر الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 391).
([19]) انظر سنن الدارقطني (2/ 487/ رقم 1930), و الأموال لابن زنجويه (1/ 142/رقم 176 ), والبدر المنير (18/ 445).
([20]) انظر الأموال لابن زنجويه (2/ 990/رقم 2233 ), السنن الكبرى للبيهقي (4/ 190).
([21]) انظر شرح مختصر الطحاوي للجصاص (2/ 365).
([22])انظر تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (3/ 38).
([23]) انظر سنن الدارقطني (2/ 487).
([24]) انظر تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (3/ 39).
([25]) أخرجه أبي داود (رقم 1576).
([26]المستدرك (1/ 398).
([27]سنن البيهقي (4/ 113).
([28]أخرجه أبو داود (1567) ، والنسائي (5 / 27). وأخرجه البخاري مفرقاً.
([29]) انظر المصنف لابن أبي شيبة (6/ 311/ رقم 10731).
([30]) انظر تهذيب الكمال للمزي (5/ 166/ رقم4522).

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

الإمام صفي الدين البغدادي وكتابه "قواعد الأصول" [دراسةٌ في منهجه، ومقارنًة بمنهج ابن قدامة في كتابه روضة الناظر]

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد: تمثل دراسة المناهج الأصولية حجر الزاوية في فهم التطور الفكري للمذاهب الفقهية؛ إذ لا يقتصر التحليل العميق على معرفة ما قاله العالم، بل يمتد إلى كيفية بناء حجته، وترتيب مادته، وتحديد غايته من التصنيف. إن هذا المنهج التحليلي، الذي يتجلى بوضوح في الدراسات المعاصرة، يكشف عن الأولويات العلمية للمصنف، وجمهوره المستهدف، وموقعه الدقيق ضمن خريطة التراث العلمي الذي ينتمي إليه. وفي هذا السياق، شهد التأليف في أصول الفقه داخل المذهب الحنبلي تطورًا لافتًا. فيقف هذا البحث على معلمين رئيسيين تمثل مسارًا فكريًا متصاعدًا في هذا التطور: أولها الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 620 هـ) وكتابه "روضة الناظر وجنة المناظر"، الذي يمثل مرحلة من مراحل التأسيس المنهجي في صلب الفكر الأصولي الحنبلي.  وثانيها الإمام صفي الدين البغدادي (المتوفى سنة 739 هـ) وكتابه "قواعد الأصول ومعاقد الفصول"، الذي يمثل مرحلة التجريد والتقطير التعليمي، حيث تم استخلاص القواعد العملية من رحم النقاشات النظرية المعقدة. وعليه، يهد...