بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وفق خير خلقه للفقه
بالدين، وجعلهم هداةً مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم المرسلين وعلى آله
وصحبه الهداة المهتديين.
أما بعد:
إن مما يتكرر السؤال عنه برمضان هو حكم
إعطاء زكاة الفطر بالقيمة فأحببت أن اجمع أقوال العلماء، والمعول عليه من أدلتهم، ليكون نافعاً لي ولمن قراه. ودفع القيمة في زكاة الفطر إنما هي فرع عن مسالة
دفع القيمة في جميع أصناف الزكويات فتجد أدلة العلماء - من حيث زكاة الفطر أو غيرها مثل: (الإبل, والغنم, والزروع.....) - واحدة.
- الأقوال:
القول الأول:
القول الثاني:
يجزء إخراج الزكاة بالقيمة، اختاره سفيان
الثوري، ([5]) وأبو حنيفة، ([6]) وقد روي ذلك عن عمر
بن عبد العزيز،([7]) والحسن البصري.([8])
قال المرغيناني: " (ويجوز دفع القيم في الزكاة) عندنا وكذا في الكفارات, وصدقة الفطر, والعشر, والنذر."([9])
- الأدلة:
- أدلة القول الأول:
1_ قول ابن عمر:
«فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل عبد أو حر،
صغير، أو كبير» متفقٌ عليه.([10])
ولهما ([11]) عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر،
عن كل صغير، وكبير، حر أو مملوك، صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير،
أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب».
ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض هذه الأصناف وخصها بالذكر فإذا عدل عن ذلك فقد ترك ما فرضه النبي صلى الله عليه وسلم عليه؛ لأن
الذي يخرج القيمة قد عدل عن النصوص، فلم يجزئه، كما لو أخرج الرديء مكان الجيد.
ونوقش: بأننا نجيز
الجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف بذلك غيرها.
وأجيب: بأن تخصيص
النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأصناف دليل على نفي ما عداه، ومفهوم المخالفة حجةٌ عندنا فصرنا إليه.
وأيضاً فإن قول أبي سيعد الخدري " كنا نخرج إذ كان
فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم...." يدل على أنهم لا يدفعون القيمة، ولا يعلم احد خالف
في هذا، وأول من عُرف عنه في دفع القيمة هو عمر بن عبد العزيز, قال أبو طالب: ([12]) قال لي أحمد: لا يعطي
قيمته. قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ بالقيمة. قال: يدعون قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: قال فلان، قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال
الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] . وقال:
قوم يردون السنن: قال فلان، قال فلان.
وجه
الدلالة: أن هذا الحديث ورد بياناً لمجمل قوله تعالى: {وآتوا
الزكاة} [البقرة: 43]، والمبيِن له حكم المبيَّن, فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة
المأمور بها، والأمر يقتضي الوجوب.
والنبي صلى الله عليه وسلم فرض الصدقة على هذا الوجه، وأمر بها أن تؤدى،
ففي كتاب أبي بكر الذي كتبه في الصدقات أنه قال: «هذه الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بها أن تؤدى. وكان فيه: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، فإن لم تكن بنت
مخاض، فابن لبون ذكر»([14])
فهذا يدل على
أنه أراد عينها لتسميته إياها، ولو أراد المالية أو القيمة لم يجز؛ لأن خمساً
وعشرين لا تخلو عن مالية بنت مخاض، فدل الى ابن لبون ذكر، فلو أراد المالية للزمه
مالية بنت مخاض، دون مالية ابن لبون.
ونوقش: أن الخبر
يقتضي وجوب ما نص عليه، وهذا موضع قد اتفقنا عليه واختلفنا هل يقوم غيره مقامه أم
لا؟ وليس في وجوب الشيء ما يمنع جواز أخذ بدله، فلم يبق إلا استصحاب الإجماع.([15])
3_ عن معاذ: «أن
النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فقال: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل
والبقر من البقر.»([17])
وجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: دل على تعيين
ما يخرج من الزكاة.
4_ أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرا لنعمة المال،
والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به
حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.
- أدلة القول الثاني:
1_
قول معاذ لأهل اليمن:" ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم،
وأنفع للمهاجرين بالمدينة".([19])
وعن طاوس قال: قال لهم معاذ باليمن: «ائتوني بعرض آخذه منكم مكان الصدقة؛ فإنه أهون عليكم، وخير
للمهاجرين بالمدينة». ([20])
والثاني: أنه محمول على
الجزية؛ لأن مذهب معاذ لا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وإنما سماها صدقة تجوزاً،
ويدل عليه ما روي عن معاذ بن جبل قال: بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمره أن يأخذ
من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعه، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً أو
عدله معافر.رواه أبو داود,([25]) والحاكم وقال: على شرطهما.([26])
قال البيهقي: "هذا هو
الأليق بمعاذ، والأشبه بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ الجنس في الصدقات، وأخذ الدينار أو
عدله معافر- ثياب باليمن- في الجزية، وأن يرد الصدقات على فقرائهم لا أن ينقلها
إلى المهاجرين بالمدينة، الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة، والله أعلم" ([27])
2_
حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات: "ومن
بلغت عنده صدقة بنت ليون، وليست عنده إلا حقة: فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق
عشرين درهمًا أو شاتين، ومن بلغت صدقة حقة، وليست عنده إلا بنت لبون: فإنها تقبل
منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهمًا".([28])
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يدل على
التعادل في القيمة.
ونوقش: أنه ليس هذا
على وجه القيمة، إنما هي أصول، بدليل أن القيمة تختلف بالأزمنة والأمكنة،
فقدر الشرع شيئاً يزيل الاختلاف.
3_
عن جرير بن عبد الحميد، عن ليث، عن عطاء، أن عمر، كان «يأخذ العروض في الصدقة من
الورق وغيرها».([29])
ونوقش: بأنه اثر ضعيف لا
يثبت عن عمر فيه علتين:
والثانية: ليث هو ابن أبي سليم
ضعيف, اختلط جداً، ولم يتميز حديثه فترك.
4_
أن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد القدر المالية باختلاف صور
الأموال.
ونوقش: أن الزكاة وجبت لدفع حاجة الفقير، وشكرا لنعمة المال،
والحاجات متنوعة، فينبغي أن يتنوع الواجب ليصل إلى الفقير من كل نوع ما تندفع به
حاجته، ويحصل شكر النعمة بالمواساة من جنس ما أنعم الله عليه به.
الراجح من اﻷقوال هو القول الأول؛ لأن الأدلة تدل عليه بمنطوقها ومفهومها، ولم يخالف أحد من الصحابة في ذلك، وأدلة القول الثاني لا تقاوم أدلة القول الأول، والله أعلم.
تم البحث والحمد لله رب العالمين فإن كان صواب فمن الله
وان كان خطأ فمني ومن الشيطان, وان أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا
بالله عليه توكلت واليه أنيب.
جزاك الله خيرا ونفع الله بك.
ردحذفجزاك الله خيراً
ردحذفأحسنت
ردحذف