مقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين أما بعد: فإن القواعد الفقهية تُشكّل أحد أهم المباحث وأجلّها لفهم الفقه فهي بمثابة الكليات الجامعة التي تضبط شتات الفروع الجزئية، وتكشف عن الروابط الخفية بين المسائل المتناثرة في أبواب الفقه المختلفة، مما يمنح الفقيه بصيرة نافذة وملكة راسخة تمكّنه من التعامل مع النوازل المستجدة بثقة واقتدار. ولا تقتصر أهميتها على تيسير عملية الاستنباط والتخريج فحسب، بل تتعداها إلى إبراز محاسن الشريعة الإسلامية، والكشف عن اتساقها، وبيان مقاصدها الكلية التي تدور حول تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل. وقد عبّر شهاب الدين القرافي عن هذه الأهمية البالغة بقوله: "وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه، ويشرف ويظهر رونق الفقه ويعرف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف... ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت... ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره و...