علة الربا في النقدين عند الحنابلة: دراسة تحليلية مقارنة في ضوء اختيارات ابن تيمية وابن القيم وتطبيقاتها المعاصرة.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين.
أما بعد
يُعدّ الربا من أعظم المحرمات في الشريعة الإسلامية، وقد جاء التحذير منه في نصوص قطعية من الكتاب والسنة، وصُنّف ضمن السبع الموبقات التي تهلك فاعلها في الدنيا والآخرة.¹ ورغم إجماع المسلمين على تحريم الربا في الجملة، فإن تحديد ضابطه وتفاصيل أحكامه وتعيين علته يُعد من أدق مباحث الفقه الإسلامي وأشكلها على كثير من أهل العلم.² فالإجماع قائم على الحرمة، لكن مناط الحكم وتفصيله بقي ميدانًا فسيحًا لاجتهاد٠
الفقهاء ونظرهم العميق في مقاصد الشريعة وأدلتها.
تحديد محل البحث:
ينطلق البحث الفقهي في باب الربا من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، الذي يُعد الأصل في هذا الباب، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ".³
وقد ألحق به حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ووزناً بوزن.⁴
اتفق الفقهاء على أن هذه الأصناف الستة هي أموال ربوية، يجري فيها ربا الفضل (الزيادة) وربا النسيئة (التأجيل)، ولكنهم اختلفوا اختلافًا واسعًا في "علة" التحريم؛ - أي الوصف الجامع المناسب الذي من أجله ثبت الحكم في هذه الأعيان، والذي يسمح بتعدية الحكم إلى ما سواها مما يشاركها في ذلك الوصف، وهو ما يُعرف في علم الأصول بـ"القياس".⁵ - هذا الاختلاف في استنباط العلة هو جوهر الخلاف الفقهي في باب الربا، وهو الذي تترتب عليه آثار عملية بالغة الأهمية، خاصة في المعاملات المالية المستجدة.
منهجية البحث:
يركز هذا البحث على استجلاء وتحليل علة الربا في النقدين (الذهب والفضة) على وجه الخصوص، متخذًا من المذهب الحنبلي منطلقًا أساسيًا له.
وسيعرض البحث للروايات المتعددة عن الإمام أحمد بن حنبل، مبينًا أدلة كل رواية وما يترتب عليها من أحكام.
ثم ينتقل البحث إلى تحليل الموقف المتميز لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم الجوزية، اللذين قدما رؤية مقاصدية عميقة تجاوزت في بعض جوانبها الأقوال المشهورة في المذاهب.
بعد ذلك، يعقد البحث مقارنة شاملة بين أقوال الحنابلة والمذاهب الفقهية الأخرى (الحنفية والمالكية والشافعية) لتكتمل صورة الخلاف وتتضح معالمه.
وأخيرًا، يهدف البحث إلى ربط هذا التراث الفقهي الثري بالواقع المعاصر، من خلال بيان الأثر العملي لهذا الخلاف النظري في تكييف الأوراق النقدية وغيرها من المستجدات المالية.
الفصل الأول: علة الربا في الذهب والفضة في المذهب الحنبلي: تحليل الروايات والأدلة.
يتميز المذهب الحنبلي بتعدد الروايات عن الإمام أحمد في كثير من المسائل، مما يعكس سعة نظره ومرونته الفقهية.
وفي مسألة علة الربا في النقدين، تظهر هذه التعددية بوضوح، حيث نُقلت عنه ثلاث روايات رئيسة، لكل منها أدلتها وآثارها التي شكلت خريطة الخلاف داخل المذهب.
المبحث الأول: الرواية الأولى (الأشهر): الوزن مع الجنس.
المطلب الأول: تحرير الرواية:
هذه هي الرواية الأشهر والمعتمدة في المذهب الحنبلي، وهي التي استقر عليها المتأخرون من الأصحاب.⁶ ومفاد هذه الرواية أن علة الربا مركبة من وصفين: الجنس والقدر. فالعلة في الذهب والفضة هي كونهما "موزوني جنس"، أي أنهما من جنس واحد ويُباعان بالوزن.
والعلة في الأصناف الأربعة الأخرى (البر، الشعير، التمر، الملح) هي كونها "مكيلة جنس"، أي أنها من جنس واحد وتُباع بالكيل.
وبهذا القول، يتوافق المذهب الحنبلي في روايته المعتمدة مع مذهب الحنفية، حيث يشتركان في أن مناط الحكم هو "القدر" (الكيل أو الوزن) مع اتحاد الجنس.⁷
المطلب الثاني: الأدلة:
استدل أصحاب هذه الرواية بمجموعة من الأدلة النقلية والعقلية:
١ - من النقل: استدلوا بالأحاديث التي نصت على الوزن في مبادلة الذهب، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ".⁸
واعتبروا هذا النص دليلاً على أن "الوزن" هو الوصف المؤثر في الحكم.
كما استدلوا بما ورد في بعض روايات حديث أبي سعيد الخدري في قصة التمر: "وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ"، حيث فهموا من كلمة "الميزان" إشارة إلى كل ما يوزن، مما يجعل العلة عامة في كل الموزونات.⁹
٢ - من العقل: تقوم حكمة تحريم ربا الفضل على تحقيق العدل ومنع الغبن والجهالة في المعاوضات.
ويرى أصحاب هذا القول أن المماثلة الحقيقية بين البدلين في الأصناف الربوية لا يمكن ضبطها وتحقيقها إلا بمعيار حسي دقيق، وهذا المعيار هو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن. فالشارع ربط الحكم بالوصف المنضبط الذي يحقق مقصده، وهو الوزن في النقدين.¹⁰
المطلب الثالث: الآثار المترتبة:
يترتب على هذا القول نتائج فقهية بالغة الأهمية، فهو يوسع دائرة الأموال الربوية لتشمل كل ما يدخل تحت معيار الوزن أو الكيل.
فبناءً على هذه الرواية، يجري الربا في كل موزون بيع بجنسه، سواء كان مطعومًا أم لا، وسواء كان ثمنًا أم لا. فيدخل في ذلك المعادن الصناعية كالحديد والنحاس والرصاص والألومنيوم، فلا يجوز بيع حديد بحديد إلا مثلاً بمثل ويدًا بيد.¹¹
وفي المقابل، لا يجري الربا فيما لا يكال ولا يوزن، حتى وإن كان مطعومًا، كالفواكه والخضروات التي تباع بالعد (مثل البيض والرمان والبطيخ).¹²
إن هذا المنهج في التعليل يعكس نزعة شكلية تربط الحكم بوصف مادي ملموس (الوزن) بدلاً من وظيفة مجردة (الثمنية).
هذا الربط بوصف مادي ظاهر ومنضبط يجعل تطبيق القاعدة سهلاً وواضحًا، إلا أنه يؤدي إلى توسيع نطاق التحريم ليشمل سلعًا تجارية وصناعية لم تكن في أصلها أثمانًا، مما يثير تساؤلات حول مدى توافق هذا التوسع مع مقاصد الشريعة في تيسير المعاملات التجارية في غير الأثمان.
المبحث الثاني: الرواية الثانية: الثمنية.
المطلب اﻷول: تحرير الرواية:
الرواية الثانية عن الإمام أحمد أن العلة في الذهب والفضة هي: "الثمنية".
وهذا القول يوافق تمامًا مذهب الإمام مالك والإمام الشافعي.¹³
ومقتضى هذه الرواية أن الله خلق الذهب والفضة ليكونا أثمانًا للأشياء ومقاييس لقيمها، فهذه الصفة " الثمنية " هي جوهرية فيهما وملازمة لهما، وهي مناط الحكم بتحريم الربا فيهما.
وقد اعتبر الشافعية هذه العلة "قاصرة"، أي أنها خاصة بالذهب والفضة ولا تتعداهما إلى غيرهما من الأثمان العرفية، كالفلوس النحاسية التي كانت رائجة في زمانهم؛ لأنها ليست أثمانًا بالخلقة والأصل.¹⁴
المطلب الثاني: الأدلة:
١ - من العقل والنظر: أقوى دليل استُدل به على هذه الرواية، - وهو دليل نقضه لعلة الوزن، - هو إجماع العلماء على جواز عقد السَّلَم في الموزونات، فالسَّلَم هو بيع موصوف في الذمة بثمن معجّل، ويجوز بالإجماع إسلام الذهب والفضة - الثمن المعجل - في سلع موزونة، كالنحاس أو الحديد أو القطن - الـمُسلَم فيه - إلى أجل.
لو كانت علة الربا في الذهب والفضة هي "الوزن"، لكان هذا العقد من قبيل بيع موزون - ذهب - بموزون – حديد - إلى أجل، وهذا هو عين ربا النسيئة المحرم.
فلما أجمعت الأمة على جوازه، دل ذلك قطعًا على أن العلة في الذهب والفضة ليست مجرد "الوزن"، بل هي وصف آخر لا يوجد في الحديد والنحاس، وهو "الثمنية".¹⁵
وقد اعتمد ابن تيمية وابن القيم هذا الدليل بقوة في ترجيحاتهما كما سيأتي.
٢ - من المناسبة: استدلوا بأن الشريعة أناطت الأحكام بأوصاف الشرف والمقاصد العالية.
فالطعام وصف شرّف به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرّف به قوام الأموال والمعاملات، فيليق أن تكون هذه الأوصاف هي مناط الحكم لا مجرد الكيل والوزن اللذين هما مجرد معيار للتقدير.¹⁶
المطلب الثالث: الآثار المترتبة:
على هذه الرواية، يختص الربا بالذهب والفضة بكل أشكالهما (سواء كانا تِبرًا، أو مصوغًا، أو نقدًا مضروبًا)، ولا يتعدى الحكم إلى سائر الموزونات الأخرى التي ليست أثمانًا، كالحديد والنحاس والرصاص.¹⁷
وهذا يضيق دائرة الربا بشكل كبير مقارنة بالرواية الأولى، ويجعل المعاملات في السلع الصناعية والمواد الخام أكثر يسرًا.
المبحث الثالث: الرواية الثالثة: الطعم مع الكيل أو الوزن.
المطلب اﻷول: تحرير الرواية:
هذه الرواية تمثل قولاً مركبًا، وقد رجحها بعض المحققين من الحنابلة كابن قدامة في "المغني".¹⁸ ومفادها أن العلة في الأصناف الأربعة (البر، الشعير، التمر، الملح) هي اجتماع وصفي "الطعم" و"الكيل أو الوزن" معًا. فالوصف المؤثر في الحكم ليس هو الطعم وحده، ولا الكيل أو الوزن وحده، بل هو "كونه مطعومًا مكيلاً" أو "كونه مطعومًا موزونًا".
المطلب الثاني: الأدلة:
تقوم حجة هذه الرواية على ضرورة الجمع بين الأدلة الواردة في الباب، وعدم إهمال أي وصف منها.
فقد ورد في بعض الأحاديث تعليق الحكم بـ "الطعام"، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ".¹⁹
وورد في أحاديث أخرى ما يدل على اعتبار الكيل والوزن، كحديث "لا ربا إلا فيما كيل أو وزن" - وإن كان في رفعه كلام -.²⁰
فالجمع بين هذه النصوص يقتضي أن تكون العلة هي الوصف المركب منهما، فيُقيَّد عموم "الطعام" بكونه مكيلاً أو موزونًا، ويُقيَّد عموم "المكيل والموزون" بكونه مطعومًا.
المطلب الثالث: الآثار المترتبة:
هذه الرواية هي أضيق الأقوال وأكثرها تقييدًا لنطاق الربا في غير النقدين.
فبناءً عليها، لا يجري الربا في المطعومات التي لا تكال ولا توزن، - وهي المعدودات والمذروعات - كالتفاح والبرتقال والبيض والبطيخ.²¹
كما لا يجري الربا في المكيلات والموزونات التي لا تُطعم، كالحديد والنحاس والأشنان - مادة منظفة -.²²
وهذا القول يمثل محاولة للتوفيق بين النصوص المختلفة للوصول إلى علة جامعة مانعة، تتجنب التوسع الكبير الذي قال به أصحاب الرواية الأولى، وتضبط علة "الطعم" التي قال بها الشافعية بمعيار الكيل أو الوزن.
الفصل الثاني: ترجيحات المحققين في المذهب: نظرات في فقه ابن تيمية وابن القيم.
لم يكن دور شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مجرد نقل للروايات أو ترجيح بينها، بل كان دورًا تجديديًا قائمًا على التحقيق العميق لمقاصد الشريعة، ومناقشة الأدلة بعقلية أصولية فذة.
وقد وصلا في مسألة علة الربا في النقدين إلى اختيار دقيق كان له أبعد الأثر في الفقه المالي المعاصر.
المبحث الأول: اختيار "مطلق الثمنية" كعلة جامعة.
رجّح شيخ اﻹسلام ابن تيمية وابن القيم بوضوح تام: أن العلة في الذهب والفضة هي "مطلق الثمنية".
وهذا الاختيار يمثل تطويراً وتدقيقاً للرواية الثانية في المذهب (الثمنية غالبًا) وقول المالكية والشافعية.²³
فالفارق الجوهري يكمن في كلمة "مطلق"، التي تنقل العلة من كونها وصفًا ذاتيًا قاصرًا على الذهب والفضة إلى كونها وصفًا وظيفيًا يمكن أن يتحقق في غيرهما.
لقد قاما بنقد علة "الوزن" - الرواية المشهورة -، بإجماع الأمة على جواز السَّلَم في الموزونات بالذهب والفضة، مما ينقض التعليل بالوزن.²⁴
وبيّن ابن القيم أن التعليل بالوزن هو تعليل "طردي محض"، أي أنه مجرد وصف ظاهر لا يحمل حكمة مناسبة، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن حكمته ظاهرة جلية.²⁵
تكمن هذه الحكمة، كما يوضح ابن تيمية، في أن المقصد الشرعي من خلق الأثمان هو أن تكون معيارًا لتقويم الأموال ووسيطًا للتبادل، لا أن تكون سلعًا يُتَّجر فيها لتحقيق الربح من عينها.
فمتى بيعت الأثمان بجنسها أو بغيرها من الأثمان إلى أجل، فإنها تفقد وظيفتها الأساسية وتتحول إلى سلعة، وهذا يناقض مقصود الشارع من الثمنية، ويفتح بابًا للفساد والظلم وتعطيل حركة الأموال في قنواتها الطبيعية.²⁶
هذا التحليل يمثل نقلة نوعية في فهم العلة، من البحث عن وصف مادي، كالوزن، أو ذاتي، كونه ذهبًا، إلى البحث عن الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية التي يؤديها المال.
فمناط الحكم ليس هو المادة، بل هو الوظيفة. وهذا المنهج المقاصدي هو الذي أعطى هذا القول مرونته وقدرته على استيعاب التطورات المالية عبر العصور.
المبحث الثاني: أثر الصنعة على الثمنية: حكم الحلي والمصوغات.
بناءً على هذا الفهم الوظيفي للثمنية، فرّق ابن تيمية وابن القيم تفريقًا بديعًا بين الذهب والفضة كأثمان خام - تبر أو سبائك -، وبين الحلي والمصوغات المعدة للزينة.
فقد رأيا أن الصنعة المباحة تُخرج الحلي من دائرة "الأثمان" وتنقله إلى دائرة "السلع والعروض"، شأنه شأن الثياب والأواني.²⁷
والدليل على هذا التحول في الطبيعة الفقهية للذهب المصوغ هو حكم الزكاة؛ ففي مشهور مذهب الإمام أحمد، لا تجب الزكاة في حلي النساء المباح المعد للاستعمال؛ لأنه يعامل معاملة الممتلكات الشخصية لا معاملة "الأثمان" النقدية التي تجب فيها الزكاة.²⁸
فهذا التفريق في باب الزكاة يدل على أن الشريعة نفسها اعتبرت أن الصنعة قد غيرت من طبيعة الذهب ووظيفته.
ويترتب على هذا التحليل حكم فقهي مهم جدًا، وهو جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من الذهب الخام أو النقود مع التفاضل - حيث تكون الزيادة في مقابلة تكلفة الصنعة -، وجواز النسيئة - البيع بالتقسيط -، ما لم يكن القصد من ذلك هو التحايل على الربا، كأن يتخذ بيع الحلي مجرد واجهة صورية للحصول على قرض ربوي.²⁹
إن هذا الرأي يكشف عن فهم عميق لطبيعة القيمة، حيث يميز بين القيمة الذاتية للمعدن الخام، والقيمة المضافة الناتجة عن العمل والصنعة.
فالصياغة تضيف منفعة جديدة وهي: الزينة، وتحول الأصل من مجرد معيار للقيمة إلى سلعة ذات منفعة مباشرة، وهذا التحول في الوظيفة يقتضي التحول في الحكم.
الفصل الثالث: دراسة مقارنة مع المذاهب الفقهية الأخرى.
لفهم أعمق لموقع المذهب الحنبلي ورواياته، لا بد من مقارنتها بمذاهب الأئمة الآخرين، مما يبرز نقاط الاتفاق والاختلاف، ويجلي مسالكهم في الاستنباط.
المبحث الأول: مذهب الحنفية.
العلة عند الحنفية هي "القدر مع الجنس"، ويعنون بالقدر الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن.
وهذا القول يتطابق تمامًا مع الرواية المشهورة والمعتمدة عند الحنابلة، مما يجعلهما في جبهة واحدة في هذه المسألة، ويترتب عليه نفس الآثار من حيث سريان الربا في كل المكيلات والموزونات.³⁰
المبحث الثاني: مذهب المالكية.
العلة عند المالكية في النقدين هي "غلبة الثمنية"، وهي علة قاصرة عليهما.
أما في الأطعمة، فالعلة عندهم هي "الاقتيات والادخار"، أي أن يكون الطعام قوتاً أساسياً للناس ويمكن تخزينه.
وهذا يجعل مذهبهم في الأطعمة أضيق من غيرهم.³¹
المبحث الثالث: مذهب الشافعية.
العلة عند الشافعية في النقدين هي "جنس الأثمان غالبًا"، وهي عندهم علة قاصرة على الذهب والفضة لا تتعداهما.
أما في الأصناف الأربعة الأخرى، فالعلة هي "الطعم"، أي كل ما يقصد للأكل على وجه التغذي أو التلذذ أو الإصلاح.
وهذا يجعل مذهبهم في الأطعمة أوسع من غيرهم.³²
الفصل الرابع: التطبيقات المعاصرة وأثر الاختلاف في العلة.
إن الخلاف الفقهي المذكور ليس مجرد نقاش تاريخي، بل هو خلاف حيوي له تداعيات مباشرة على واقعنا المالي المعاصر، وتظهر أهميته القصوى عند محاولة تكييف المستجدات المالية كالأوراق النقدية وغيرها.
المبحث الأول: تكييف الأوراق النقدية.
شكل ظهور الأوراق النقدية وإلغاء ارتباطها بالذهب تحديًا كبيرًا للفقه الإسلامي، وكان لا بد للفقهاء من تحديد موقفها من أحكام الربا. هنا، تجلت أهمية الخلاف في العلة:
- أثر قول الحنفية والحنابلة المعتمد: لو تم تطبيق القول بأن العلة هي "الوزن"، لكانت النتيجة أن الربا لا يجري في الأوراق النقدية؛ لأنها "معدودة" وليست "موزونة".
وهذا سيؤدي إلى نتيجة خطيرة وهي إباحة الفوائد البنكية على القروض بالعملات الورقية، وهو ما يهدم أصل تحريم الربا.
- أثر قول الشافعية: لو تم تطبيق القول بأن العلة هي "غلبة الثمنية" كعلة قاصرة على الذهب والفضة، لكانت النتيجة نفسها، حيث لا تتعدى العلة إلى الأوراق النقدية.³³
- وقول الإمام مالك في رواية، والذي اختاره وحرره ابن تيمية وابن القيم: أن العلة هي "مطلق الثمنية"، كان هو المخرج الفقهي والأساس النظري الذي مكّن الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية من مواجهة هذا التحدي.
فبناءً على هذا القول، لا يهم شكل النقد أو المادة المصنوع منها، بل وظيفته.
وحيث إن الأوراق النقدية اليوم قد اكتسبت وظيفة الثمنية بالاصطلاح والعرف والقانون، وأصبحت هي معيار تقويم السلع ووسيط التبادل، فقد انطبقت عليها علة "مطلق الثمنية" تمامًا.
وبناءً عليه، ألحقت الأوراق النقدية بالذهب والفضة في جميع أحكامها من جريان الربا بنوعيه، ووجوب الزكاة، وشروط الصرف.³⁴
وقد استقرت قرارات المجامع الفقهية الدولية وهيئات الفتوى المعتبرة على هذا القول، معتبرةً أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين، قياسًا عليهما بجامع الثمنية.³⁵
وهذا يوضح كيف أن الاجتهاد المقاصدي الذي قدمه ابن تيمية قبل قرون أثبت قدرته الفائقة على التكيف مع المستجدات، وحافظ على جوهر التشريع في تحريم الربا.
المبحث الثاني: حكم المعادن الثمينة الأخرى والعملات الرقمية.
يمتد أثر هذا الخلاف إلى أصول مالية أخرى:
١ - المعادن الثمينة الأخرى: معادن نفيسة مثل البلاتين والبلاديوم، على الرغم من قيمتها العالية، لا تأخذ حكم الذهب والفضة عند جمهور الفقهاء.
والسبب يعود إلى نفس النقاش حول العلة؛ فهي وإن كانت ثمينة، إلا أنها لم تكتسب وظيفة "الثمنية" العامة بالخلقة أو بالعرف العام، بل بقيت في دائرة السلع.
وعليه، لا يجري فيها الربا بشروطه، فيجوز بيعها بالتفاضل وإلى أجل.³⁶
وهذا يؤكد مرة أخرى أن مناط الحكم ليس مجرد "القيمة" بل "الوظيفة النقدية".
٢ - العملات الرقمية المشفرة (Cryptocurrencies): يمثل هذا الموضوع أحدث النوازل المالية التي يخوض فيها الفقهاء المعاصرون.
والجدل الدائر حولها يعيدنا إلى نفس المبادئ الأصولية التي نوقشت في هذا البحث.
فالسؤال المحوري الذي يطرحه الفقهاء اليوم هو: هل اكتسبت هذه العملات الرقمية صفة "الثمنية" المعتبرة شرعًا؟
هل هي "مال متقوَّم" له قيمة مستقرة ومعتمدة؟
أم أنها مجرد أصول مضاربية عالية المخاطر تفتقر إلى أهم خصائص النقود؟.³⁷
إن إطار النقاش الفقهي حول العملات الرقمية هو امتداد طبيعي لنقاش الفقهاء قديماً حول علة الربا، مما يثبت حيوية الفقه الإسلامي وقدرة أصوله على معالجة أعقد القضايا المستجدة.
خاتمة: خلاصة النتائج:
بعد هذا التحليل المفصل والمقارن، يمكن استخلاص النتائج التالية:
١ - ثراء المذهب الحنبلي: أظهر البحث أن المذهب الحنبلي ليس قولاً واحدًا في هذه المسألة، بل يضم روايات متعددة تعكس وجهات نظر فقهية مختلفة، فالرواية المعتمدة - "الوزن" - تمثل المنهج الشكلي المنضبط، بينما الروايات الأخرى - "الثمنية، والطعم مع القدر" تفتح الباب نحو النظر الوظيفي والمقاصدي.
٢ - الدور التجديدي لابن تيمية وابن القيم: برز بوضوح أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لعلة "مطلق الثمنية" لم يكن مجرد ترجيح ضمن الأقوال المتاحة، بل كان إعادة بناء للمسألة على أساس مقاصدي عميق يربط الحكم بوظيفته الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أثبت هذا الاختيار قدرته الاستثنائية على استيعاب التطورات المالية، وكان هو الأساس الذي بُني عليه الفقه المالي المعاصر في تكييف النقود الورقية.
٣ - الأثر العملي للخلاف الفقهي: أكد البحث أن الخلاف بين الفقهاء حول علة الربا ليس ترفًا فكريًا، بل هو خلاف جوهري له آثار مباشرة وحاسمة على بنية النظام المالي الإسلامي المعاصر.
فالقول الذي يتم اختياره يحدد نطاق تطبيق أحكام الربا، ويؤثر بشكل مباشر على جواز أو حرمة الكثير من المعاملات المستجدة.
المراجع:
¹ النووي، يحيى بن شرف. شرح صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي، ج 11، ص 9؛ ابن قدامة، موفق الدين. المغني. مكتبة القاهرة، ج 6، ص 54-58.
² ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم. دار طيبة للنشر والتوزيع؛ الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان.
³ رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً. انظر: النووي، شرح صحيح مسلم، ج 11، ص 10؛ الشوكاني، محمد بن علي. نيل الأوطار. دار الحديث، ج 5، ص 275.
⁴ رواه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع الفضة بالفضة. انظر: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. دار المعرفة، ج 4، ص 379.
⁵ الآمدي، علي بن محمد. الإحكام في أصول الأحكام. دار الكتاب العربي، ج 3، ص 238؛ ابن حزم، علي بن أحمد. الإحكام في أصول الأحكام. دار الآفاق الجديدة، ج 8، ص 515.
⁶ المرداوي، علاء الدين. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تحقيق: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، ج 4، ص 245؛ البهوتي، منصور بن يونس. كشاف القناع عن متن الإقناع. دار الكتب العلمية، ج 3، ص 251.
⁷ الكاساني، علاء الدين. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. دار الكتب العلمية، ج 5، ص 184؛ ابن مفلح، إبراهيم بن محمد. المبدع في شرح المقنع. دار الكتب العلمية، ج 4، ص 128.
⁸ رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الربا، رقم (1584).
⁹ رواه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة، باب إذا باع الوكيل شيئاً فاسداً. انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 4، ص 499.
¹⁰ الموصلي، عبد الله بن محمود. الاختيار لتعليل المختار. دار الكتب العلمية، ج 2، ص 30.
¹¹ ابن تيمية، تقي الدين أحمد. مجموع الفتاوى. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج 29، ص 471.
¹² ابن قدامة، المغني، ج 6، ص 60؛ البهوتي، منصور بن يونس. دقائق أولي النهى لشرح المنتهى. عالم الكتب، ج 2، ص 24.
¹³ ابن رشد، محمد بن أحمد. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. دار الحديث، ج 3، ص 1169؛ النووي، شرح صحيح مسلم، ج 11، ص 16.
¹⁴ الشربيني، محمد الخطيب. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية، ج 2، ص 25؛ الماوردي، علي بن محمد. الحاوي الكبير. دار الكتب العلمية، ج 5، ص 112.
¹⁵ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 472؛ ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ج 2، ص 137.
¹⁶ ابن قدامة، المغني، ج ٤، ص ٥.
¹⁷ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 471.
¹⁸ ابن قدامة، المغني، ج ٤، ص ٦.
¹⁹ رواه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلا بمثل.
²⁰ رواه الدارقطني في سننه، وقال: الصحيح أنه من قول سعيد بن المسيب.
²¹ ابن قدامة، المغني، ج 6، ص 60؛ المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 246.
²² المرجع نفسه.
²³ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 471؛ ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 2، ص 137.
²⁴ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 472.
²⁵ ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 2، ص 138.
²⁶ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 29، ص 471.
²⁷ ابن تيمية، تقي الدين أحمد. الاختيارات الفقهية. تحقيق: محمد حامد الفقي، ص 121؛ ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 2، ص 145.
²⁸ المرجع نفسه.
²⁹ ابن تيمية، الاختيارات الفقهية، ص 121.
³⁰ الكاساني، بدائع الصنائع، ج 5، ص 184؛ المرداوي، الإنصاف، ج 4، ص 245.
³¹ الدردير، أحمد بن محمد. الشرح الكبير على مختصر خليل. دار الفكر، ج 3، ص 43.
³² النووي، المجموع شرح المهذب، ج 9، ص 392.
³³ انظر: السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. الفتاوى السعدية. ص 401؛ عليش، محمد. منح الجليل شرح مختصر خليل. دار الفكر، ج 5، ص 92.
³⁴ قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 9 (9/2) بشأن أحكام العملات الورقية.
³⁵ المرجع نفسه.
³⁶ انظر: فتاوى هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.
³⁷ انظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن العملات الرقمية.
تعليقات
إرسال تعليق