التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتاوى موفق الدين ابن قدامة المقدسي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه أجمعين.

وبعد:

فهذه نبذ من  فتاوى ومسائل شيخ الإسلام موفق الدين عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ه 620) نقلها ابن رجب الحنبلي في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة ([1]) من بخط بعض أصحابه, ومن خط السيف بن المجد جده موفق الدين, وابن حمدان الحرائي, وبهاء الدين عبد الرحمن المقدسي, والحافظ أبي محمد البرزالي. وهي فتاوى منوعة من العقيدة, والحديث, والفقه وهو أغلبها.

أسال الله أن تكون نافعة لمن قرأها.

1_ مسالة: ما إذا اجتمع جنب وحائض، ووجدا من الماء ما يكفي أحدهما.

قال: إن كانت المرأة زوجة للرجل، فهي أحق؛ لأنها تبيح له الوطء، وهو يرجع إلى بدل، وإن كانت أجنبيه منه، فهو أحق؛ لأنه يستبيح الصلاة، وهي ترجع إلى التيمم.

2_ سئل إذا أعتقت الجارية: هل يجب عليها أن تستبرئ نفسها بحيضة، آم بثلاث؟

قال: إن كانت تعلم أن سيدها لم يكن يطؤها، لم يجب عليها الاستبراء إلا في صورة واحدة، وهي فيما إذا اشتراها فأعتقها، فأراد أن يتزوجها: يجب عليها الاستبراء بحيضة، وإن كانت تعلم أنه كان يطؤها: وجب عليها استبراء نفسهما بحيضة، وإلحاقها بالإماء أولى من إلحاقها بالحرائر؛ لأن المقصود هو الاستبراء، وذلك حاصل بحيضة واحدة؛ ولأن الثلاث: إما عدة عن نكاح، أو ما يشبهه وهو الوطء بالشبهة. وكل واحد منهما منتف هنا.

3_ سئل فيما إذا اتفقت الجارية من غير قصد البائع:

قال: يتخير كما يتخير لو قصدها، وفيما إذا ردها المشتري بعيب سوى التصرية: يجب الصاع من التمر، قيل له: هي من ضمانه، فيكون اللبن بمنزلة الخراج؟ قال: اللبن ورد عليه العقد، وكان موجودا بخلاف غيره من المنافع والخراج.

4_ سئل عن الجارية المشتركة ببن جماعة: هل يجوز لكل واحد النظر إلى عورتها:

فقال: لا يجوز ذلك، وخالف هذا ما إذا كان العبد مشتركا بين نساء يجوز لهن النظر إليه؛ لأن المجوز للنظر ههنا هو الحاجة إلى الاستخدام، وهو موجود في العبد المشترك، والنظر إلى عورة الجارية: إنما جاز لتمكنه من الوطء، وهو ههنا منتف للاشتراك.

5_ سئل إذا كان على أعضاء وضوئه كلها جراحه، أيجزيه أن يغسل الصحيح ثم يتيمم لهما تيمما واحدا؟

قال: لا، بل يغسل العضو الأول ويتيمم له، وكذلك الثاني والثالث والرابع، فيتيمم أربع تيممات.

وقال فيمن أعتق أباه في مرض موته: الأقيس أنه لا يرث، والمذهب الإرث.

وقال أبو الخطاب: إذا أقر في مرض موته بعتق ابن عمه، يعتق ولا يرث.

6_ سئل عن معاملة من في ماله حرام.

فأجاب: الورع: اجتناب معاملة من في ماله حرام، فإن من اختلط الحرام في ماله: صار في ماله شبهة بقدر ما فيه من الحرام، إن كثر الحرام كثرت الشبهة، وإن قل قلت، وذكر حديث " الحلال بين، والحرام بين " وأما في ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم في الثمن الذي يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما في يد الإنسان ملكه وقد قال بعض السلف: بع الحلال ممن شئت، يعني إذا كانت بضاعتك حلالا فلا حرج عليك في بيعها ممن شئت، ولكن الورع: ترك معاملة من في ماله الشبهات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ".

7_ سئل عما إذا تعين ثمن خمر أو خنزير من الكافر: ما الحكم في أخذه منهم، يعني بعقد ونحوه؟ وكان فد أجاب قبله ابن المتقنة الرحبي الشافعي: لا يجوز ذلك، إذا تعين.

فأجاب الشيخ موفق الدين: الأولى تركه, ويجوز أخذه إذا كان جائزا في دينهم؛ لأننا أقررناهم على ما يعتقدون من دينهم.

8_ سئل عن خلافة أبي بكر: ثبتت بالنص أو بالقياس؟

فأجاب ابن المتقنة: ثبتت بإجماع الصحابة واتفاقهم.

فكتب الشيخ الموفق: ثبتت بنص النبي ’، في أخبار كثيرة، ذكر بعضها.

9_ سئل ابن المتقنة في بعض ذكر الحرب تكرر " حرب عوان " ما العوان في اللغة؛ فأجاب: " العوان "، أشد ما يكون.

فضرب الشيخ على الجواب وكتب: الحرب التي تقدمها حرب أخرى.

10_ قال السيف: وكتب ابن الجوزي عن كلام شيخ الإسلام الأنصاري: كان عبد الله الأنصاري يميل إلى التشبيه.

فلا يقبل قوله، فألحق جدي: حاشاه من التشبيه، ولا يقبل قول ابن الجوزي فيه.

11_ سئل في القرية التي فيها أربعون، يسمعون النداء من المصر:

أجاب: إنهم مخيرون بين إقامة الجمعة بها، وبين السعي إلى المصر. قال: وهو أولى للخروج من الخلاف.

قال: فإن كانت قرية فيها أربعون. وقرية فيها دون الأربعين: فإن مضى الأقل إلى الأكثر، فأقام عندهم الجمعة: جاز، وبالعكس لا يجوز.

وإن جاء إلى أهل الأربعين إمام من غيرهم فأقام بهم الجمعة: جازة؛ لأنه ممن تجب عليه الجمعة، فجاز أن يكون إماما لغيره من أهل القرية.

12_  أرسل أن قاضي حران سؤالا إلى الشيخ موفق الدين في وكيل الغائب، إذا طالب بدين موكله، فادعى المدين: أن موكله قد استوفى دينه فهل للقاضي دفع الوكيل ومنعه من الاستيفاء، حتى يحلف الموكل: أنه ما استوفى ولا أبرأ؟.

فأجاب الشيخ موفق الدين: إن الوكيل لا يتمكن من الاستيفاء، من غير يمين موكله، وعلل بأن الموكل لو كان حاضراً ما استحق الاستيفاء بغير يمين، والوكيل قائم مقامه.

وذكر ابن حمدان: أن الناصح بن أبي الفهم أنكر ذلك. وقال: لا خلاف في المذهب أن الوكيل لا يمتنع من الاستيفاء بذلك. وأخرج كلام القاضي وابن عقيل في المجرد بما يقتضي ذلك. وذكر عن بعض الشافعية: أنه حكى في هذه المسالة خلافاً بينهم.

قال الناصح: وقد ذكر الموفق في الكافي: أن الدعوى على الغائب لا تسمع إلا ببينة، ودعوى المدين الإبراء والاستيفاء ههنا دعوى بلا بينة على غائب، فكيف تسمع؟ ثم أرسل هذا إلى الشيخ الموفق.

فأجاب: أما المسألة التي في الوكالة: فإنما أفتيت فيها باجتهادي، بناء على ما ذكرت في التعليل. فإذا ظهر قول الأصحاب وغيرهم بخلافه فقولهم أولى. والرجوع إلى قولهم متعين، لكن ما ذكره بعض الشافعية يدل على أنها مختلف فيها، وأنها مما يسوغ فيه الاجتهاد. وأما قولي وقول الفقهاء " لا تسمع الدعوى على الغائب إلا ببينة " فإنما أريد بها الدعوى التي إذا سكت صاحبها ترك، وإذا سكت المدعي عليه لم يترك؛ لأن سماع هذه الدعوى لا يفيد شيئا. إذ مقصودها القضاء على المدعى عليه. فإذا خلت عن بينة، ولم يكن المدعى عليه حاضرا، لم تفد الدعوى شيئا. إذ لا يمكن القضاء بغير بينة، ولا إقرار، ولا نكول، ولا رد يمين. والدعوى ههنا تراد للمنع من القضاء عليه. وذلك ممكن مع الغيبة، وسماع الدعوى مفيد.

13_ سئل شيخنا موفق الدين عن قول الخرقي: وإن أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا، أو طلق زوجته لزمه ذلك. وإن أقر بدين لم يلزمه في حال حجره، ما الفرق بينهما؟

فقال: الفرق بينهما: أن الإقرار بالدين إقرار بالمال، والمال محجور عليه فيه. فلو قبلنا إقراره في المال أتى ذلك إلى فوات مصلحة الحجر، وهو أنه يقر لهذا بدين ولهذا. فيفوت عليه ماله. فلا يلزمه الإقرار فيه. وأما الإقرار بالحد والقصاص أو طلاق الزوجة: فإنه إقرار بشيء لم يحجر عليه فيه، فلزمه، كما لولده أن يحجر عليه. وأيضا فإنه إذا لزمه الإقرار في الحد والقصاص أدى إلى فوات حقه. وإذا لزمه الإقرار في المال أدى إلى فوات حقوق الغرماء. فلزمه الإقرار على نفسه، ولم يلزمه فيما يعود إلى غيره.

فقيل له: على هذا: أن الإقرار بالحد أيضا يؤدي إلى فوات حقوق الغرماء فيما كان الحاكم قد أخذه ليقضي دينه، على الرواية التي تقول: إنه إذا كان ذا صنعة، فإن الحاكم يؤجره ليقضي بقية دينه. ومع هذا فقد ألزمناه بالإقرار.

فقال: إنما يفوت ضمنا وتبعا. ويصير كما نقول في الزوجة: إنها إذا أقرت بالحد أو القصاص لزمها، وإن فات حق الزوج.

فقيل له: فما تقول في الحامل إذا أقرت بما يوجب حداً أو قصاصاً، أليس إنه ينتظر بها حتى تلد؟

فقال: ههنا يمكن الجمع بين الحقين، فخلاف ما نحن فيه.

قلت [أي:ابن رجب] : قد يقال في صورة إيجار المفلس لوفاء بقية دينه: كان يمكن الجمع بين الحقين بتأخير استيفاء القصاص إلى أن يوفي الدين من كسبه.

وقد يجاب عنه: بأن الحامل أخرت لئلا تزهق بالاستيفاء منها نفس معصومة. فلا فرق بين أن يثبت الحد أو القصاص عليها بالإقرار أو البينة. وههنا لو ثبت الحد أو القصاص ببينة لم يؤخر إلى أن يوفي بقية الدين. فكذا إذا ثبت بالإقرار فإن التهمة في مثل هذا منتفية.

14_ سئل: هل تجوز الرواية من نسخة غير معارضة؟.

فأجاب: إذا كان الكاتب معروفا بصحة النقل وقلة الغلط جازت الرواية.

15_ سئل: إذا لم يذكر القارئ الإسناد في أول الكتاب، وذكره في آخره، وقال: أخبرك به فلان عن فلان، وأقر الشيخ بذلك فهل يجزيه.

فأجاب: يجوز إذا قال له ذلك عقيب قراءته عليه، وإلا فلا.

16_ سئل: هل يصح السماع بقراءة الصبي والفاسق؟.

فأجاب: إن كان له مقابل صح، وإلا فهو بمنزلة روايته.

17_ سئل: هل يجوز الكتبة والمطالعة، أو الإغفاء يسيرا، في وقت السماع أو يجوز للشيخ أن يكتب ويقرأون عليه؟.

فأجاب: ما رأينا أحدا يحترز من هذا.

18_ سئل: إذا سقط من متن الحديث حرف أو حرف أو ألف، هل يجوز إثباتها؟ وهل يجب إصلاح لحن من جهة الإعراب؟.

فأجاب: يجوز إصلاحه. قال الأوزاعي: يصلح اللحن والخطأ والتحريف في الحديث.

19_ سئل: إذا وجد في كتابه اسما مصحفا أو كلمة، وهو كذلك في سماع شيخه. فهل يجور له إن يغيره في كتابه على الصواب؟

أجاب: له تغييره.

تمت الفتاوى 



([1])ذيل طبقات الحنابلة (3/ 301).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مختصر كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لأحمد الغريب

  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد   ​فإن كتاب "تحرير المعنى في قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى" لمؤلفه الدكتور أحمد بن عادل الغريب ، يعد بحثاً عقدياً مهماً في مسألة مهمه وهي تحرير مراد الإمام أحمد بن حنبل من عبارته الشهيرة "لا كيف ولا معنى". فقد عمدت بعض المدارس الكلامية إلى اجتزاء هذه العبارة من سياقها التاريخي والمنهجي للاستدلال بها على مذهب "التفويض"، والذي يقتضي نفي إدراك المعنى اللغوي للنصوص الشرعية بالكلية وتجهيل دلالاتها.  ​بيد أن هذا الكتاب يقدم بدليل الاستقراء أن الإمام أحمد بن حنبل لم يكن بدعاً من الأئمة، بل هو ضمن حلقة متصلة في منظومة "أهل الحديث" التي تضم أئمة كباراً أمثال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ووكيع بن الجراح، وإسحاق بن راهويه، والشافعي.  وإن قراءة نصوص الإمام أحمد بمعزل عن هذه المنظومة قد تفضي إلى اضطراب منهجي عميق؛ فالإمام أحمد أظهر السنة وصبر عليها في المحنة، ولم يبتدع مقالة جديدة أو يخترع رأياً مستقلاً عن أسلافه.  ​وقد اعتمد ا...

مسألة فيما إذا اجتمع صلاة العيد مع صلاة الجمعة

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد فإن مسألة إجتماع يوم العيد مع يوم الجمعة أثارة في تكرارها تساؤل كثيراً من الناس قديماً وحديثاً ؟ ما هو حكم صلاة الجمعة لمن صلى العيد هل تسقط عنه أم يجب علي أن يصليها ؟ فأحببت أن أزيل الجهل عن نفسي وأعرف ما هو قول العلماء في هذه المسألة وما هي أدلتهم فيها وعليه فقد سرت في دراسة هذه المسألة في الترتيب الآتي: التمهيد: ويشمل تعريف صلاة الجمعة والعيد وتحرير محلِّ النزاع. المبحث الأول: أقوال الفقهاء في المسألة ونصوصهم، في ثلاثة مطالب. المبحث الثاني: أدلة الأقوال والتعليلات مع المناقشات والجواب عنها تحت كل دليل، وفيه مطلبين. المبحث الثالث: سبب الخلاف في المسألة، وفيه ثلاثة مطالب. المبحث الرابع: الترجيح. وفيه أربعة مطالب. الخاتمة. وقد اعتمدتُ في هذا البحث على المصادر من كتب المذاهب الفقهية المعتمدة، مع الرجوع إلى كتب الحديث والآثار المسندة. وأسألُ الله تعالى أن يُوفِّقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. التَّمهيد أوَّلاً : تعريفُ...

الإمام صفي الدين البغدادي وكتابه "قواعد الأصول" [دراسةٌ في منهجه، ومقارنًة بمنهج ابن قدامة في كتابه روضة الناظر]

مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين  أما بعد: تمثل دراسة المناهج الأصولية حجر الزاوية في فهم التطور الفكري للمذاهب الفقهية؛ إذ لا يقتصر التحليل العميق على معرفة ما قاله العالم، بل يمتد إلى كيفية بناء حجته، وترتيب مادته، وتحديد غايته من التصنيف. إن هذا المنهج التحليلي، الذي يتجلى بوضوح في الدراسات المعاصرة، يكشف عن الأولويات العلمية للمصنف، وجمهوره المستهدف، وموقعه الدقيق ضمن خريطة التراث العلمي الذي ينتمي إليه. وفي هذا السياق، شهد التأليف في أصول الفقه داخل المذهب الحنبلي تطورًا لافتًا. فيقف هذا البحث على معلمين رئيسيين تمثل مسارًا فكريًا متصاعدًا في هذا التطور: أولها الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى سنة 620 هـ) وكتابه "روضة الناظر وجنة المناظر"، الذي يمثل مرحلة من مراحل التأسيس المنهجي في صلب الفكر الأصولي الحنبلي.  وثانيها الإمام صفي الدين البغدادي (المتوفى سنة 739 هـ) وكتابه "قواعد الأصول ومعاقد الفصول"، الذي يمثل مرحلة التجريد والتقطير التعليمي، حيث تم استخلاص القواعد العملية من رحم النقاشات النظرية المعقدة. وعليه، يهد...