المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة وعلى المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
يُشكل المذهب الظاهري، الذي أسس قواعده داود بن علي الظاهري (270 هـ/ 884 م) وشيّد صرحه النظري والتطبيقي الإمام علي بن حزم الأندلسي (456 هـ /1064م)، ظاهرة فريدة في تاريخ التشريع الإسلامي. ينطلق هذ المذهب من مبدأ اليقينيات، حيث يرفض بشدة أي مصدر للتشريع لا يستند إلى قطعيات الوحي "القرآن والسنة المتواترة أو الصحيحة"، أو ما تفرع عنهما ضرورة "الإجماع المنقول بالتواتر". وفي خضم معركته الفكرية ضد "الرأي" و"القياس" اللذين اعتمدهما الجمهور "الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة" كأدوات لتوليد الأحكام في النوازل، برز "الاستصحاب" كحصن منيع وأداة مهمة بديلة.
لا يُنظر للاستصحاب عند الظاهرية، وبالأخص عند ابن حزم، باعتباره مجرد "دليل احتياطي" يلجأ إليه الفقيه عند العجز عن الدليل، بل هو ركن ركين يمثل "الأصل" الذي تنتظم فيه الأشياء والذمم قبل ورود التكليف. وبينما يتوسع الجمهور في القياس لسد الفراغات التشريعية المتوهمة، يتوسع الظاهرية في "الاستصحاب" لإثبات أن الشريعة كاملة ولا فراغ فيها، وأن ما سكت عنه الشارع هو "عفو" مقصود، يُستصحب فيه أصل الحل والبراءة.
التعريف:
الاستصحاب في اللغة: هو الملازمة وطلب الصحبة.
وأما في الاصطلاح: هو: بقاء حكم الأصل الثابت بالنصوص حتى يقوم الدليل منها على التغيير.
هذا التعريف هو خلاصة فكر أبو محمد ابن حزم للاستصحاب، وهو يرتكز على ثلاثة أمور:
اﻷول: المرجعية النصية: حيث يربط "الأصل" بالنصوص. فالحالة الأصلية للأشياء "الإباحة مثلاً" ليست مجرد حالة عدمية، بل هي حكم شرعي مستفاد من نصوص عامة مثل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}[سورة البقرة: ٢٩] اﻵية .
الثاني: حصرية التغيير: يشترط أن يكون الدليل الناقل عن هذا الأصل من النصوص أو الإجماع المستند إليها. وهذا يغلق الباب أمام القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة لتغيير حكم البراءة الأصلية.
الثالث: الثبات كواجب شرعي: يعتبر أن البقاء على الأصل ليس رخصة، بل هو "فرض" على الجميع. يقول: "والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه لأنه اليقين، والنقلة دعوى".
أنواع الاستصحاب عند الظاهرية:
للاستصحاب أنواع عدة وهو ما أشار إليه أبو محمد ابن حزم، وهي كما يلي:
أ. استصحاب البراءة الأصلية:
هذا هو النوع الأهم والأوسع تطبيقاً. ويعني خلو ذمة المكلف من الواجبات والحقوق، وخلو الأعيان من التحريم، حتى يرد النص الملزم.
يرى ابن حزم أن الله تعالى حدد الواجبات والمحرمات حصراً. فما عدا ذلك فهو "عفو". استصحاب هذا العفو هو استصحاب لحكم شرعي وقطعي.
يشمل هذا العبادات كـ"ــعدم وجوب صلاة سادسة"، والمعاملات كـ"ـإباحة البيوع التي لم تحرم"، والجنايات كـ"ـعدم العقوبة إلا بنص".
ب. استصحاب النص "العموم والدوام".
يندرج تحت هذا النوع قسمان فرعيان يمثلان عصب الاستدلال الظاهري:
استصحاب العموم: إذا ورد نص عام مثل { أحل الله البيع }، يجب استصحاب هذا العموم في كل أفراده وأزمنته. يرفض الظاهرية تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالرأي. لا يخرج فرد من أفراد العموم إلا بنص مخصص. هذا النوع يعطيهم قوة هائلة في إدراج المستجدات تحت النصوص العامة القديمة.
استصحاب الدوام أي: عدم النسخ: الأحكام الشرعية مؤبدة. فإذا ثبت حكم في زمن النبي ﷺ، فهو مستمر إلى قيام الساعة. أي دعوى لنسخ الحكم أو تغيره بتغير الزمان "كما يقول بعض الفقهاء في المصالح" هي دعوى باطلة عند الظاهرية لأنها تفتقر للنص الناسخ.
ج. استصحاب ما دل العقل والشرع والحس على ثبوته:
يقر ابن حزم بالاستصحاب المبني على الحس والعقل في الأمور الكونية (استصحاب حياة المفقود، استصحاب طهارة الماء)، لأن هذا هو اليقين الحسي الذي لا يزول إلا بيقين حسي أو شرعي مماثل.
د. استصحاب حال الإجماع في محل النزاع:
صورة المسألة: أجمع العلماء على أن المتيمم إذا لم يجد الماء فصلاته صحيحة. هذا "حال إجماع". ثم طرأ طارئ: رأى الماء أثناء الصلاة. اختلفوا: هل تبطل صلاته؟
فيستصحب "صحة الصلاة" التي كانت ثابتة بالإجماع قبل رؤية الماء، وتسحب على الحالة الجديدة وهي وجود الماء.
وقد أخذ الظاهرية ومنهم ابن حزم بهذه الأنواع وبنى عليها فروعا ومسائل كثيرة.
موقع الاستصحاب بين الأدلة:
يحتل الاستصحاب في الفكر الظاهري موقعاً متقدماً ومحورياً يختلف جذرياً عن موقعه في المذاهب الأربعة "الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة". يمكن توضيح هذا التباين من خلال مقارنة تحليلية للنقاط التالية:
أولاً، من حيث الرتبة والترتيب: يُعد الاستصحاب عند الجمهور دليلاً متأخراً، وغالباً ما يُلجأ إليه كآخر الحلول عند انعدام الأدلة السمعية "الكتاب والسنة والإجماع والقياس". أما عند ابن حزم والظاهرية، فهو دليل متقدم جداً، يأتي في المرتبة التالية مباشرة للنصوص "الكتاب والسنة والإجماع". يعود هذا التقديم إلى كون الاستصحاب يمثل "اليقين" و"البراءة الأصلية" التي لا يجوز تركها إلا بيقين مثله، بينما يؤخره الجمهور لصالح "الظن الراجح" المتولد عن القياس.
ثانياً، فيما يخص العلاقة بالقياس: تظهر الفجوة الكبرى بين المدرستين. فالجمهور يقدم القياس على الاستصحاب عند التعارض، معتبرين أن القياس دليل إيجابي مغير ومثبت لحكم شرعي، بينما الاستصحاب دليل سلبي مبقٍ على القديم. في المقابل، يرفض ابن حزم القياس جملة وتفصيلاً، وبالتالي فإن الاستصحاب عنده مقدم قطعاً ولا معارض له من جهة الرأي. فعند غياب النص، يلجأ الجمهور للقياس، بينما يلجأ الظاهري فوراً لاستصحاب البراءة الأصلية.
ثالثاً، من حيث الوظيفة التشريعية: يستخدم الجمهور الاستصحاب لسد الفراغ عند عدم الدليل والدفع عن الحكم السابق، بينما يتجاوز الظاهرية هذه الوظيفة ليعتبروا الاستصحاب أداة لتأكيد "تمام الشريعة". فهو يثبت أنه لا يوجد فراغ تشريعي أصلاً، بل توجد منطقة "عفو" مقصودة أرادها الشارع، والاستصحاب هو الأداة الكاشفة عن هذا العفو والمانعة للتشريع البشري بالرأي.
أثر الاستصحاب في تشكيل الفقه الظاهري:
إن التزام ابن حزم بقواعد الاستصحاب ونبذه للقياس أدى إلى تفردات فقهية كثيرة، شكلت هوية المذهب الظاهري. نستعرض هنا أهم المجالات التطبيقية.
١ - شك الطهارة والحدث:
يُعْمِل ابن حزم قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" بصرامة. إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، فهو طاهر. الميزة الظاهرية هنا هي رفض "القرائن" التي قد يعتبرها المالكية مثل: الشك المستند لعلامات. يرفض ابن حزم الانتقال من اليقين إلا بيقين حسي أو نصي.
٢ - الشك في الطلاق:
من شك هل طلق أم لا؟ فالأصل بقاء النكاح. ومن شك: هل طلق واحدة أم ثلاثاً؟
يرى ابن حزم: أنه يقع طلقة واحدة؛ لأنها اليقين المتضمن في الثلاث، أما الزيادة فهي مشكوك فيها، والأصل عدمها وبقاء الزوجية. يتمسك هنا بـ "أقل ما قيل" واليقين، ويرفض تغليب جانب التحريم احتياطاً كما يفعل بعض الورعين، لأن التحريم حكم شرعي يحتاج لدليل.
وفي الختام تبين أن المذهب الظاهري وبالخصوص ابن حزم اعتمد على الاستصحاب في استنباط اﻷحكام الشرعية التي لم يرد نص فيها بعينها في الكتاب والسنة والإجماع، حتى أنه توسع به ورفض دليل القياس وتعليل النصوص فأدى ذلك للقول بأراء خطأه عليها العلماء وحكموا عليها بالشذوذ والنكارة.
والحمد لله رب العالمين..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق