مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فيحتل الزمن في الشريعة الإسلامية موقعاً مركزياً، إذ ترتبط به جل الشعائر التعبدية الكبرى، من صلاة وصيام وحج وزكاة، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}. ومن هنا، نشأت علاقة بين الفقيه والفلكي، علاقة شابها التوتر تارة، والتكامل تارة أخرى، عبر تاريخ الحضارة الإسلامية.
المبحث الأول: السياق التاريخي والمفاهيمي:
قبل الخوض في معترك الأدلة والترجيحات، يتحتم علينا تأسيس أرضية مفاهيمية صلبة، نميز فيها بين العلوم المحمودة والمذمومة، ونحرر فيها النقاط التي اتفق عليها الفقهاء وتلك التي كانت ميداناً لتصارع الأفكار.
الجذور التاريخية: بين "علم الهيئة" و"التنجيم"
لقد كان أحد أهم أسباب رفض الفقهاء المتقدمين للحساب الفلكي هو اختلاطه في العصور الغابرة بـ "التنجيم"، الذي يقوم على الدجل والكهانة وربط الحوادث الأرضية بحركات الكواكب.
- التنجيم المنهي عنه: هو الاعتقاد بأن للنجوم تأثيراً ذاتياً في الحوادث، أو الاستدلال بحركاتها على الغيبيات كالسعادة والشقاء، والحروب، والأسعار. وهذا النوع هو الذي حاربه الشرع بضراوة، واعتبره نوعاً من السحر وادعاء علم الغيب. وقد أشار الفقهاء إلى أن المنجمين كانوا يستخدمون جداول حسابية ليس لضبط الوقت فحسب، بل للتنبؤ بالمستقبل، مما ألقى بظلال الشك على "الحساب" برمته في المخيال الفقهي القديم.
- علم الهيئة (الفلك) والحساب: هو العلم القائم على المشاهدة والتجربة والقوانين الرياضية القطعية، والذي يُعنى بحساب سير الكواكب، واجتماع الشمس والقمر (الاقتران)، ومواعيد الكسوف والخسوف. وقد ميز العلماء المحققون، مثل ابن تيمية وابن عابدين، بين هذا العلم وبين التنجيم، واعتبروا تعلمه فرض كفاية فيما يتعلق بمصالح المسلمين كتحديد القبلة وأوقات الصلاة. ومع ذلك، بقي الحذر الفقهي قائماً من استخدامه في الأهلة خشية مضاهاة المشرعين أو الوقوع في التنجيم المستتر.
تحرير محل النزاع:
من خلال استقراء أقوال الفقهاء قديماً وحديثاً، يمكننا حصر دائرة الخلاف في النقاط التالية، مما يسهل فهم الخريطة الفقهية للمسألة :
- المسائل المتفق عليها:
- اتفق الفقهاء كافة على أن الشهر الهجري لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوماً، ولا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً.
- اتفقوا على أن الرؤية البصرية الصحيحة التي لا يكذبها عقل ولا حساب هي الأصل الشرعي المعتبر لإثبات دخول الشهر في زمن النبوة والقرون الأولى.
- اتفقوا على مشروعية الاستعانة بالحساب في تحديد أوقات الصلاة والقبلة، ولم ينسحب الخلاف الحاد في الأهلة إلى هذه الأبواب.
- المسائل المختلف فيها:
- الحساب في النفي: هل تُقبل شهادة الشهود إذا نفى الحساب الفلكي القطعي إمكانية الرؤية (كأن يغرب القمر قبل الشمس)؟ هنا برز خلاف قوي، ويأتي.
- الحساب في الإثبات: هل يجوز إثبات دخول الشهر بالحساب الفلكي وحده دون حاجة لرؤية بصرية، خاصة عند وجود الغيم، أو حتى عند الصحو؟
- تفسير النصوص: ما المقصود بـ "الرؤية" في النصوص؟ هل هي الرؤية البصرية بالعين الجارحة أم الرؤية العلمية؟ وما معنى "فاقدروا له"؟ وهل "الأمية" في الحديث وصف لعلة الحكم أم وصف لواقع الحال؟
المبحث الثاني: الأدلة وتوجيهات العلماء.
يستند كل فريق في هذا النزاع إلى نفس النصوص الشرعية تقريباً، لكنهم يختلفون جذرياً في مناهج الاستدلال وتوجيه الدلالات. سنقوم هنا بتفكيك هذه النصوص وعرض القراءات المختلفة لها.
١ - حديث "صوموا لرؤيته"
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)).
- تفسير جمهور الفقهاء: فـ "الرؤية" هنا متعدية لمفعول واحد، مما يعني أنها رؤية بصرية حسية بالعين. ويعززون ذلك بأن النبي ﷺ علق الحكم (الصيام) على وصف منضبط محسوس وهو الرؤية، وجعل البديل عند تعذرها هو "إكمال العدة"، ولم يحلنا إلى حساب ولا منجمين. يعتبر الجمهور أن هذا "حصر" لطرق الإثبات، وأن أي طريقة أخرى هي إحداث في الدين.
- تفسير المعاصرين وبعض المتقدمين: يرون أن "الرؤية" في اللغة والشرع قد تأتي بمعنى "العلم" والتحقق، كما في قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك}. فالهدف هو "التحقق" من دخول الشهر، وكانت الرؤية البصرية هي الوسيلة الوحيدة المتاحة في ذلك العصر لتحقيق هذا العلم. وبما أن الحساب الفلكي اليوم يحقق "علماً" أدق وأوثق من الرؤية البصرية (التي قد يعتريها الوهم)، فإن العمل به تحقيق لمقصد الحديث لا مخالفة له.
٢ - حديث "إنا أمة أمية"
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا -وعقد الإبهام في الثالثة-، والشهر هكذا وهكذا وهكذا -يعني تمام ثلاثين-)).
- يرى ابن تيمية وابن حجر أن وصف "الأمية" هنا هو مدح للبساطة واليسر في الشريعة، وأن الله أراد لهذه الأمة أن تكون عباداتها مرتبطة بعلامات ظاهرة يشترك في معرفتها الجميع (الهلال)، لا بمعادلات حسابية دقيقة يختص بها فئة قليلة. فتعليق الحكم بالرؤية هو لرفع الحرج، وهذا الحكم باقٍ ومستمر حتى لو تعلم الناس الحساب.
- يرى الشيخ أحمد شاكر ومن وافقه أن الحديث يتضمن "علة" الحكم. فالنبي ﷺ علل الاعتماد على الرؤية بكون الأمة "لا تكتب ولا تحسب". ومن القواعد الأصولية أن "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً". فإذا زالت العلة (الأمية) وتعلمت الأمة الكتابة والحساب، وبلغت فيه مبلغ الدقة واليقين، وجب المصير إلى الحساب لأنه وسيلة اليقين، بينما الرؤية وسيلة الظن. يقولون: لو كان النبي ﷺ في عصر الحاسوب والمراصد لأمر بها لأنها أدق في ضبط ميقات الله.
٣ - إشكالية "فاقدروا له"
في رواية أخرى لحديث ابن عمر: ((فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له)). هذا اللفظ كان مدخلاً واسعاً للاختلاف الفقهي واللغوي:
- التفسير بالتضييق (رأي الحنابلة): فسروا "فاقدروا له" من التضييق (كما في قوله تعالى: {ومن قُدر عليه رزقه})، أي ضيقوا عدد أيام شعبان واجعلوه 29 يوماً وصوموا يوم الثلاثين احتياطاً (يوم الغيم).
- التفسير بإكمال العدة (رأي الجمهور): فسروا "فاقدروا له" بأنها مجمل فسره الحديث الآخر "فأكملوا العدة ثلاثين". وهذا هو منهج تفسير الحديث بالحديث.
- التفسير بحساب المنازل (رأي ابن سريج ومطرف): ذهب مطرف بن عبد الله (من التابعين) وأبو العباس بن سريج (من كبار الشافعية) إلى أن "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله بعلم الحساب، فيُقدِّر منازل القمر ويعرف هل ولد الهلال أم لا. بينما "فأكملوا العدة" خطاب للعامة الذين لا يحسنون الحساب. وهذا التفسير هو "حجر الزاوية" الذي استند إليه القائلون بالحساب قديماً وحديثاً.
المبحث الثالث: اختلاف الفقهاء
بناءً على التأسيس السابق، تبلورت عبر التاريخ مواقف فقهية متباينة، يمكن تصنيفها في ثلاث مدارس كبرى: مدرسة الرفض المطلق (الجمهور)، ومدرسة القبول المقيد (السبكي)، ومدرسة القبول المطلق (بعض المعاصرون).
القول الأول: الجمهور (الرؤية ولا شيء غيرها)
يمثل هذا الاتجاه السواد الأعظم من فقهاء المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة)، وهو الموقف الرسمي لهيئات الفتوى في دول مثل السعودية وبعض دول الخليج.
- المبدأ: الاعتماد الكلي على الرؤية البصرية (بالعين المجردة أو بالأدوات المقربة حديثاً) في الإثبات والنفي. لا قيمة للحساب الفلكي في إثبات الشهر، بل إن كثيراً منهم يرى عدم جواز صيام "يوم الشك" حتى لو دل الحساب على وجود الهلال.
- حجة الإجماع: نقل ابن المنذر وابن تيمية وغيرهما الإجماع على أنه "لا يجوز الاعتماد على قول الحاسب".
- موقفهم من الحساب في "النفي": يرفضون رد شهادة الشهود بالحساب. فلو شهد عدول برؤية الهلال، وقال الحساب الفلكي "يستحيل رؤيته" أو "لم يولد بعد"، قُدمت الشهادة الشرعية (البينة) وأهمل الحساب، معللين ذلك بأن الشهادة بينة شرعية ملزمة، والحساب حدس وتخمين (بناءً على تصورهم القديم للحساب).
القول الثاني: تقي الدين السبكي ومن تبعه.
شكل الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) مدرسة فرقة بين "الإثبات" و"النفي".
- الحساب في الإثبات (مرفوض): وافق السبكي الجمهور في عدم جواز إثبات دخول الشهر بالحساب وحده، فلا يجب الصوم بمجرد ولادة الهلال فلكياً دون رؤية.
- الحساب في النفي (واجب القبول): قرر السبكي أن الحساب إذا كان قطعياً ودل على استحالة الرؤية (كأن يغرب القمر قبل الشمس)، وجب على القاضي رد شهادة الشهود.
- التعليل الأصولي: بنى السبكي رأيه على قاعدة منطقية: "الحساب قطعي والشهادة ظنية، والظني لا يعارض القطعي فضلاً عن أن يُقدم عليه". فالشهادة بالمستحيل هي شهادة باطلة (وهم أو كذب)، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول والحقائق. هذا الرأي تبناه لاحقاً عدد كبير من العلماء المحققين مثل الشيخ محمد مصطفى المراغي، والشيخ علي الطنطاوي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ سعد الخثلان، وهو الذي استقرت عليه قرارات المجامع الفقهية الدولية مؤخراً.
القول الثالث: بعض المعاصرون.
مع تطور علم الفلك في القرن العشرين، ووصول الإنسان إلى القمر، ظهر تيار فقهي يدعو إلى قلب المعادلة، وجعل الحساب هو "الأصل" والرؤية هي "التابع" أو "الوسيلة التاريخية".
- رواد هذه المدرسة: الشيخ أحمد شاكر، الشيخ مصطفى الزرقا، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث حديثاً.
- الأطروحة: يرى الشيخ أحمد شاكر في رسالته الشهيرة أن العلة (الأمية) قد زالت، وأن الحساب أصبح يقينياً (قطعي الدلالة والثبوت علمياً)، في حين أن الرؤية البصرية في المدن الملوثة والظروف الجوية المعقدة أصبحت ظنية وتكثر فيها الأوهام. وعليه، يجب شرعاً الانتقال إلى الحساب الفلكي في الإثبات والنفي معاً.
- توحيد الأمة: يركز هذا الفريق على بُعد "وحدة الأمة". فالرؤية البصرية تسبب حتماً اختلاف المطالع وتشتت الأعياد، بينما الحساب الفلكي (التقويم الموحد) هو الوسيلة الوحيدة لتوحيد المسلمين في صيامهم وفطرهم.
المبحث الرابع : قرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات الدولية:
في العقود الأخيرة، انتقل النقاش من الفتاوى الفردية إلى الاجتهاد الجماعي المؤسسي، محاولاً ردم الهوة بين الفقيه والفلكي.
- مجمع الفقه الإسلامي الدولي (منظمة التعاون الإسلامي) - قرار رقم 18 (3/3)
يُعد هذا القرار مرجعية هامة حاولت التوفيق بين الآراء:
- أكد المجمع أن "الرؤية هي الأصل" في إثبات الشهور، ولكن يجب الاستعانة بالحساب الفلكي والمراصد.
- أقر مبدأ السبكي بوضوح: "إذا نفى الحساب إمكانية الرؤية، فلا عبرة بالشهادة". وهذا يعني أن الحساب حاكم في النفي، لكنه ليس حاكماً مستقلاً في الإثبات.
- رفض المجمع الاعتماد على الحساب الفلكي كبديل كلي عن الرؤية (أي في الإثبات)، مراعاة لرأي الجمهور وللنصوص.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (مؤتمر إسطنبول 2016)
اتخذ هذا المجلس خطوة ثورية في مؤتمر "توحيد التقويم الهجري" بإسطنبول، حيث أقر "التقويم الهجري الأحادي" القائم على الحساب الفلكي بالكامل، متجاوزاً اشتراط الرؤية البصرية.
-
معايير التقويم الأحادي: اعتمد المؤتمر معايير فلكية لإثبات الشهر دون اشتراط الرؤية بالعين، وهي:
- أن يحدث الاقتران قبل الغروب.
- أن يغرب القمر بعد الشمس.
- أن تكون الاستطالة (البعد الزاوي) 8 درجات فأكثر.
- أن يكون ارتفاع القمر عن الأفق 5 درجات فأكثر.
- المبرر: الحاجة الماسة لتوحيد مسلمي أوروبا والعالم، ورفع الحرج الناتج عن الخلاف، والاعتماد على العلم القطعي الذي يحقق مقصد الشارع في ضبط الوقت.
- رابطة العالم الإسلامي وهيئة كبار العلماء
تميل هذه الجهات إلى رأي الجمهور، واستخدام التقنيات الحديثة (مراصد) للمساعدة في الرؤية، مع التأكيد على أن العبرة بما تراه العين (أو الكاميرا) لا بما يحسبه الحاسوب مجرداً.
وفي الختام إن شهر رمضان فرصة لأن يتزود في الطاعات والأعمال الصالحة، ومن المؤسف أن يتحول إلى ساحة للنزاع والفرقة، وانشغال عن ما هو الغاية والمقصود، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق