مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة وعلى المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إن مفهوم "المعتمد" في المذهب الحنبلي ليس مجرد اصطلاح فقهي يُشير إلى القول الراجح، بل هو نتاج عملية تراكمية من "التحرير" و"التنقيح" استغرقت قروناً، شارك فيها أجيال من المحققين الذين سعوا لضبط الروايات المتعددة عن الإمام أحمد بن حنبل، وتخريجات الأصحاب، واختيارات المتوسطين، في بوتقة واحدة تضمن استقرار القضاء والفتيا.
المفاهيم الاصطلاحية للمذهب:
قبل الولوج في تفاصيل المعتمد، فالمذهب يتميز بثراء هائل في المصطلحات التي تصف مستويات الحكم الشرعي ونسبته للإمام أو للأصحاب، وفهم هذه المصطلحات هو المفتاح الرئيس لمعرفة "المعتمد".
١ - مفهوم "المعتمد":
"المعتمد" في الاصطلاح الفقهي عند متأخري الحنابلة هو القول الذي استقر عليه المذهب فتوىً وقضاءً، بعد استنفاد عمليات البحث والترجيح بين الروايات والأوجه، وهو الحكم الذي يجب على القاضي الحنبلي أن يلتزم به في أحكامه، وعلى المفتي غير المجتهد أن يفتي به.
والمعتمد لا يعني بالضرورة أنه القول الوحيد المروي عن الإمام أحمد، ولا يعني حتماً أنه القول الراجح دليلاً من حيث الحديث والأثر في نظر المجتهد المطلق، بل هو الراجح "مذهباً" وفق القواعد والأصول التي سار عليها أئمة المذهب في الترجيح.
٢ - مفهوم "الرواية".
هي النص الصادر عن الإمام أحمد بن حنبل مباشرة في مسألة معينة، أو ما يفهم من عبارته أو إشارته أو إيمائه بطريق اللزوم.
قد تتعدد الروايات في المسألة الواحدة إلى روايتان أو أكثر بسبب تغير اجتهاد الإمام، أو اختلاف حال السائل، أو اختلاف دقة الناقلين عنه.
العلاقة بالمعتمد: المعتمد قد يكون إحدى الروايات، وقد يكون المذهب قد استقر على خلاف رواية معينة إذا كانت مرجوحة أو منسوخة عند المحققين. والرواية المرجوع عنها عند الإمام تظل قولاً في المذهب عند بعض الأصحاب كالمجد وتلميذه.
٣ - مفهوم "الوجه".
هو قول كبار المجتهدين في المذهب "كأبي بكر، ابن عقيل، القاضي أبي يعلى"، مخرج على قواعد الإمام أو مقيس على نصوصه، ولم ينص عليه الإمام نفسه.
العلاقة بالمعتمد: يمثل "الوجه" جزءاً ضخماً من الفقه الحنبلي المدون. وكثير من "المعتمد" عند المتأخرين مبني على "أوجه" رجحها المحققون وصارت هي المذهب، مما يعني أن المعتمد قد لا يكون قول الإمام أحمد نصاً بل تخريجاً لأصحابه.
٤ - مفهوم "التخريج".
هو نقل حكم مسألة نص عليها الإمام إلى مسألة أخرى مشابهة لم ينص عليها، أو التسوية بينهما في الحكم لعلة جامعة. وهو عملية اجتهادية داخل المذهب.
العلاقة بالمعتمد: هو المحرك الحقيقي لتطور المذهب وتوسيع رقعته ليشمل النوازل. المعتمد غالباً ما يتضمن تخريجات الأصحاب التي قبلها المحررون.
٥ - مفهوم "الطريقة".
هي مصطلح يتعلق بـ "حكاية الخلاف" وليس بإنشاء الحكم. فالخلاف قد يكون في المسألة قولين، لكن بعض الأصحاب يحكيه على أنهما وجهان، وبعضهم يقطع بوجود قول واحد وينفي الخلاف. فالطريقة هي "كيفية نقل المذهب".
العلاقة بالمعتمد: معرفة الطرق ضرورية جداً لترجيح المعتمد؛ فالطريق التي تثبت الخلاف قد تقدم أحياناً، أو الطريق التي تقطع بالحكم قد تكون هي المعتمدة إذا وافقت القواعد. واختلاف الطرق يؤدي لاختلاف التصحيح.
المراحل التاريخية لتطور المذهب وتحرير المعتمد.
لم يولد المعتمد الحنبلي دفعة واحدة، بل مر عبر صيرورة تاريخية معقدة يمكن تقسيمها إلى ثلاث حقب رئيسية، تميزت كل حقبة بخصائص منهجية محددة في التعامل مع التراث الفقهي للإمام أحمد:
اﻷولى: مرحلة المتقدمين: التأسيس والجمع (عصر الرواية).
بدأت هذه المرحلة من حياة الإمام أحمد بن حنبل وامتدت لتشمل تلاميذه المباشرين وطبقة الأصحاب الأوائل حتى عصر القاضي أبي يعلى (ت ٤٥٨ هـ).
الثانية: مرحلة المتوسطين: التوسع والاجتهاد (عصر الأوجه).
تمثل هذه المرحلة العصر الذهبي للاجتهاد المقيد داخل المذهب، وبرز فيها أئمة كبار نقلوا المذهب من مجرد روايات إلى بناء فقهي ونظري متكامل. أعلام المرحلة: على رأسهم الموفق ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) صاحب "المغني" و"المقنع"، والمجد ابن تيمية (ت ٦٥٢ هـ) صاحب "المحرر".
الثالثة: مرحلة المتأخرين: الاستقرار والتحرير الثاني (عصر التنقيح).
بدأت هذه المرحلة فعلياً في القرن التاسع الهجري، وكانت استجابة للحاجة الماسة لضبط الفتوى والقضاء، وإنهاء حالة الاضطراب الناتج عن كثرة الروايات والأوجه. يعتبر القاضي علاء الدين المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) المؤسس الحقيقي للمذهب الحنبلي في صورته المستقرة.
بعد المرداوي، تبلور المعتمد النهائي على يد إمامين جليلين: موسى الحجاوي وابن النجار الفتوحي. على كتابيهما "الإقناع" و"المنتهى" تدور رحى المذهب المتأخر.
يمثل كتابا "الإقناع" و"المنتهى" قمة الهرم في تراتبية الكتب المعتمدة، وفهم العلاقة بينهما هو جوهر معرفة المعتمد اليوم.
- كتاب "الإقناع لطالب الانتفاع". المؤلف: موسى بن أحمد الحجاوي المقدسي الصالحي (ت ٩٦٨ هـ).
المصادر والمنهج: استمد مادته من "المقنع" لابن قدامة، وزاد عليه من "المحرر" و"الفروع" و"المستوعب" للسامري. تميز منهجه بذكر المسائل الكثيرة والتفريعات، وجعلها على قول واحد هو الراجح عنده، فصار "ديوان المذهب" لشموليته ووضوحه.
- كتاب "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات" المؤلف: محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي (ابن النجار) (ت ٩٧٢ هـ).
المصادر والمنهج: كما يشير اسمه، هو جمع دقيق بين "المقنع" و"التنقيح". تميز بالدقة المتناهية في العبارة، والالتزام الصارم بما صححه المرداوي في "التنقيح". يعتبره الفقهاء الكتاب "الأكثر تحريراً" والأدق عبارة، وهو المعول عليه في القضاء والفتوى.
منهجية الترجيح بين الكتابين:
وضع متأخرو الحنابلة قاعدة منهجية للتعامل مع هذين الكتابين عند تعارضهما، وهي:
اﻷولى: حالة الاتفاق: إذا اتفق ما في "الإقناع" و"المنتهى" على حكم مسألة، فهذا هو المذهب المعتمد قطعاً، ولا يجوز العدول عنه في الفتوى والقضاء المذهبي.
الثانية: حالة الانفراد: إن انفرد الإقناع أو المنتهى بذكر مسألة، ولم يذكرها الآخر، فالمذهب يكون في الذي انفرد بها.
الثالثة: حالة الاختلاف: إذا اختلفا اﻹقناع والمنتهى في حكم مسألة، فالمذهب المعتمد هو ما في "المنتهى" غالباً. مع مراعاة ومراجعة ما يلي:
أ - "التنقيح المشبع" للعلامة المرداوي.
ب - ترجيحات العلامة مرعي الكرمي في " غاية المنتهى ".
ج - النظر فيما كتبه الشيوخ الثلاثة: منصور البهوتي، ومحمد الخلوتي، وعثمان النجدي.
- وأسباب تقديم "المنتهى" على "الإقناع" عديدة منها:
١ - أن هذا هو اختيار كثير من الحنابلة المتأخرين:
- نقل الشيخ أحمد بن عوض عن الشيخ عثمان النجدي ترتيباً دقيقاً للقوة: (صريح المنتهى مقدم على صريح الإقناع، وصريح الإقناع مقدم على مفهوم المنتهى، ومفهوم المنتهى مقدم على مفهوم الإقناع).
- قال الشيخ أحمد بن عيسى في جوابه للشيخ عبد الله الدحيان: (وعند المتأخرين من الأصحاب أنه إذا اختلف "الإقناع" و"المنتهى" قدموا "المنتهى").
- وقال الشيخ محمد بن عثيمين: (والمذهب ما في "المنتهى"، لأن المتأخرين يرون أنه إذا اختلف "الإقناع" و "المنتهى" فالمذهب "المنتهى").
٢ - أن "المنتهى" اعتمد على كل ما قدمه في "التنقيح"، و"التنقيح" قد ألفه الشيخ المرداوي بعد "الإنصاف" و"تصحيح الفروع"، ونظر فيه أربع مرات، وقال في مقدمته: (فإذا وجدت في هذا الكتاب لفظا، أو حكما مخالفا لأصله، أو غيره، فاعتمده فإنه وضع عن تحرير، واعتمد أيضا ما فيه من تصريح وقيود في مسائله فإنه محترز به عن مفهومه).
٣ - ولأن الشيخ المرداوي هو المنقح، والمصحح للمذهب عند المتأخرين فلا يتجاوز في ذلك.
٤ - اشتهار "المنتهى" في عصر مؤلفه، وقلة الاستدراكات عليه مع كثرة الحواشي عليه، ويشارك "الإقناع" "المنتهى" في ذلك.
٥ - أن هذا هو ما يقدمه الشيخ منصور - في غالب ترجيحاته - في كتبه، وكذا الشيخ الخلوتي والشيخ النجدي.
إن "المعتمد عند الحنابلة" هو صرح معرفي ضخم، شيده أجيال من العلماء لضبط حركة الاجتهاد والفتوى. إنه يمثل "الاستقرار" و"النظام". والحمد لله رب العالمين.....