مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد : يعد علم أصول الفقه قطب الرحى في استنباط الأحكام الشرعية، وضبط مسار الاجتهاد لضمان توافقه مع مقاصد الشارع الحكيم. وفي قلب هذا العلم، ينتصب مبحث "القياس" ركناً ركيناً، ودليلاً رابعاً من الأدلة المتفق عليها عند جماهير الأمة. ولما كان القياس فرعاً عن تعقل المعنى في الأصل المقيس عليه، كان مبحث "العلة" هو جوهر القياس وروحه؛ إذ بها يعرف مناط الحكم، وبها يتعدى إلى الفروع المستجدة. ومن بين دقائق مباحث العلة التي شغلت الأصوليين واستدعت تدقيقات الفقهاء، تبرز مسألة "العلة القاصرة". وهي تلك العلة التي تلوح في أفق النص، وتومئ إليها القرائن، لكنها تأبى التعدية إلى غير محلها، فتبقى حبيسة الأصل الذي وردت فيه. تكتسب هذه الدراسة أهميتها القصوى من زاوية نظر محددة، وهي تسليط الضوء على "المتأخرين من الحنابلة"، تلك المدرسة الفقهية التي تميزت بالدقة المتناهية في تحرير المذهب وتنقيحه، عبر سلسلة من العلماء الأفذاذ كالمرداوي في "الإنصاف"، والحجاوي ف...