مقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله وصحبه أجمعين. أما بعد: إن الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (المتوفى سنة 795 هـ)، لم يكن مجرد فقيه أو محدّث، بل كان عالماً موسوعياً جمع ببراعة نادرة بين الفقه والحديث والزهد، مما منحه رؤية تركيبية وعمقاً استثنائياً في فهم نصوص الشريعة ومقاصدها. وُلِد في بغداد ونشأ في دمشق، وهما منارتان للعلم في عصره، وتتلمذ على يد كبار الأئمة، وعلى رأسهم الإمام ابن قيم الجوزية الذي ترك أثراً بالغاً في تكوينه الفكري والمنهجي، حيث تعلم منه الجمع بين صرامة العلم وروحانية العمل. إن هذه الخلفية العلمية المتينة هي التي أهلته لإنتاج مصنفات أصبحت من عيون التراث الإسلامي، ومن أهمها كتابه في القواعد الفقهية. يأتي كتاب "تقرير القواعد وتحرير الفوائد"، المشهور بـ "قواعد ابن رجب"، في سياق تاريخي يشهد نضجاً عميقاً في التنظير الفقهي داخل المذاهب. لم يكن الكتاب مجرد تجميع لقواعد فقهية متفرقة، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً هدف، بحسب عبارة مؤلفه، إلى "ضبط أصول المذهب"، و"جمع شتات المسائل...